الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ الأسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ أَتَمّ.
(25) بَابُ السِّواكِ
===
(ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ) لعل المعنى: ثم أتيته بإناء آخر فيه ماء، أو بماء آخر في ذلك الإناء، وليس ذلك لظن أن الوضوء لا يجوز بالماء الباقي عن الاستنجاء (1)، أو لا يجوز استعمال الإناء الذي استُنجي به في الوضوء؛ إذ قد ثبت الغسل والوضوء والاستنجاء جميعًا بإناء واحد، بل الحاجة إلى الإناء الثاني ها هنا أو الماء لصغره وقلة ما يسع فيه من الماء.
(قال أبو داود: وحديث الأسود بن عامر أتم) قد ذكرنا قبلُ أن المصنف لما ذكر سند أسود بن عامر قال: وهذا لفظه، كما في بعض النسخ، فهذا يدل على أدن المصنف أورد ها هنا لفظ رواية أسود بن عامر عن شريك، ثم قال في آخر الحديث: وحديث أسود بن عامر أتم، إشارة إلى وجه إيراد لفظ أسود بن عامر وهو كونه أتم، وأما لفظ وكيع عن شريك فلأجل كونه أنقص تركه، وقد حققناه قبل.
(25)
(بَابُ السِّواكِ)(2)
هو ما تدلك به الأسنان، من ساك فاه يسوكه، وجمعه سؤك، ككتب،
(1) كما توهم، كذا في "الغاية". (ش).
(2)
قال القاري (2/ 89): فيه سبعون فائدة، أدناها تذكر الشهادة عند الموت، وفي الأفيون سبعون مضرة، أدناها نسيانها عند الموت، وقال ابن عابدين (1/ 253) في الأول أعلاها ، ولم يذكر الأفيون. وهل النساء في السواك كالرجال؟ لم أجده نصًا، وفي صوم الشامي: يستحب مضغ علك لهن لأنه سواكهن، وقال ابن العربي في "العارضة" (1/ 39): فيه سبع مسائل. (ش).
46 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عن سُفْيَانَ، عن أَبِي الزّنَادِ،
===
يطلق على الفعل والَالة، قال في "القاموس": والعود مسواك وسواك بكسرهما، ويُذَكَّرُ، جمعه ككتب.
وقد اختلف العلماء، فقال بعضهم: إنه من سنَّة الوضوء، وقال آخرون: إنه من سنَة الصلاة، وقال اَخرون: إنه من سنَّة الدين، وهو الأقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-، وفي "الهداية": أن الصحيح استحبابه، وكذا هو عند الشافعي رحمه الله، وقال ابن حزم: هو سنَّة، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل، وهو يوم الجمعة فرض لازم، حكى أبو حامد الإسفرائني والماوردي عن أهل الظاهر وجوبه، وعن إسحاق أنه واجب، إن تركه عمدًا بطلت صلاته، وزعم النووي أن هذا لم يصح عن إسحاق.
وكيفيته عرضًا، لا طولًا عند مضمضة الوضوء، ويستاك على أسنانه ولسانه إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة، ويأخذ المسواك باليمنى، والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه، ويكون في غلظ الخنصر وطول الشبر، والمستحب أن يستاك بعود من أراك وبكون لينًا، والعلك للمرأة يقوم مقام السواك، وإذا لم يجد السواك يعالج بأصبعه (1)، انتهى ملخصًا، "عيني"(2).
46 -
(حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان (3)، عن أبي الزناد) (4)
(1) وفي "المغني"(1/ 138): عن أنس: "أصبعيك سواك عند وضوئك"، "ابن رسلان"، يعني إذا لم يكن السواك، وبسط أنواعه. (ش).
(2)
"عمدة القاري"(2/ 692).
(3)
ابن عيينة. "ابن رسلان". (ش).
(4)
لقب به لجودة ذهنه، وكان يغضب منه لما فيه من معنى ملازم للنار. "زرقاني"(1/ 46). (ش).
عن الأَعْرَج، عن أَبى هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لأمَرْتُهُمْ بِتَأخيرِ الْعِشَاءِ ،
===
عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، المعروف بأبي الزناد، وقيل: إن أباه كان أخا أبي لؤلؤة، ثقة فقيه، قال البخاري: أصح الأسانيد: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال الحافظ الذهبي (1): ولي بعض أمور بني أمية، فتكُلِّم فيه لأجل ذلك، وهو ثقة حجة لا يعرف به جرح، وقال أبو يوسف عن أبي حنيفة: قدمت المدينة فإذا الناس على ربيعة، وإذا أبو الزناد أفقه الرجلين، وقال ربيعة فيه: ليس بثقة، ولا رضى. قلت: لا يسمع قول ربيعة فيه، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة، انتهى. وكذلك نقل إنكار مالك عليه ولم يصح، مات سنة 130 هـ أو بعدها.
(عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، وقيل: اسم أبيه كيسان، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ثقة ثبت عالم، مات سنة 117 هـ.
(عن أبي هريرة يرفعه)(2) أي يرفع أبو هريرة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويحدث عنه صلى الله عليه وسلم.
(قال: لولا) مخافة (أن أشق) أي ألقي المشقة وأُثقل (على المومنين) بإيجاب تأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة، والمعنى: لولا خشية وقوع المشقة عليهم (لأمرتهم)(3) أي وجوبًا (بتأخير العشاء) أي: لفرضت
(1) انظر: "ميزان الاعتدال"(2/ 419).
(2)
قال ابن رسلان: قال ابن الصلاح وغيره: قولهم: يرفع الحديث، يبلغ به أو ينميه، حكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا، وان كان القائل هذه الألفاظ عن التابعي فالحديث مرسل. "شرح ابن رسلان"، مخطوط (1/ 70). (ش).
(3)
وفيه حجة لأهل الأصول أن الأمر للوجوب، لأنه عليه السلام نفى الأمر لأجل المشقة، وأمر الندب بالإجماع باقٍ، فلم يرفع إلَّا أمر الوجوب، "ابن رسلان". (ش).
وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". [خ 887، م 252، ق 1/ 35، حم 2/ 245]
===
عليهم تأخيره إلى ثلث الليل (1) أو نصفه (2)، فإن هذا التأخير (3) مستحب عند الجمهور، (وبالسواك) أي بفرضيته (4)(عند كل صلاة)(5).
واعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان طيبًا مطيبًا، وكان يناجي ملائكة الله تعالى، فكان صلى الله عليه وسلم يبتعد كل التبعد أن يتوهم منه شائبة الرائحة، لأن نفسه النفيسة الشريفة لا تقبلها، وكذا المناجاة بالملائكة يقتضي أن يتبعد عن الرائحة، ولهذا كره أكل الطعام الذي فيه البقول النتنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة.
فعلم بذلك أن السواك لكل صلاة كان واجبًا عليه، دون أمته، ثم هم صلى الله عليه وسلم بإيجابه عليهم، ورأى المشقة لضعفهم وعجزهم، فقال: لولا خوف المشقة، لأوجبت عليهم السواك فلفظة "لولا" لامتناع الثاني لوجود الأول، فإذا ثبت وجود الأول، وهو خوف المشقة ها هنا ثبت امتناع الثاني، وهو وجوب السواك، فبقي السواك على ندبيته، فهذا يرد مذهب الظاهرية القائلين بالوجوب.
(1) كما هو المشهور في الروايات. (ش).
(2)
كما هو في رواية أبي هريرة عند الحاكم (1/ 146)، كذا في "الغاية". (ش).
(3)
أي إلى الثلث. (ش).
(4)
ولفظ الحاكم (1/ 146) برواية أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل"، وهذا القول صححه جماعة، منهم النووي. (ش).
(5)
قال ابن رسلان: ظاهره يقتضي عموم الاستياك عند كل صلاة، مع أن المشهور في مذهب الشافعي كراهة السواك للصائم من بعد الزوال، قال ابن دقيق العيد: ومن خالف في تخصيص عموم هذا الحديث، فيحتاج إلى دليل خاص يخص به هذا العموم، "ابن رسلان". (ش).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما الاستحباب، فاختلف فيه هل هو عند الصلاة أو عند الوضوء؟ فأكثر الحنفية قائلون باستحباب السواك عند كل وضوء، لما روى ابن خزيمة في "صحيحه" (1) والحاكم (2) وقال: صحيح الإسناد، والبخاري تعليقًا في كتاب الصوم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"، ولخبر أحمد وغيره:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور".
فتبين أن موضع السواك عند كل صلاة، هو قبيل وضوء الصلاة، والشافعية رحمهم الله يجمعون بين الحديثين بالسواك في ابتداء كل منهما، وإنما لم يجعله علماؤنا من سنن الصلاة نفسها ، لأنه مَظِنَّة جراحة اللثة وخروج الدم وهو ناقض عندنا، فربما يفضي إلى حرج، ولأنه لم يرو أنه عليه الصلاة والسلام استاك عند قيامه إلى الصلاة، فيحمل قوله عليه الصلاة والسلام:"لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" على كل وضوء.
نعم ما ذكر في بعض الكتب من تصريح الكراهة معللًا بأنه قد يخرج الدم فينقض الوضوء، ليس له وجه، فإن النصوص محمولة على ظواهرها إذا أمكن، وقد أمكن ها هنا، فلا مساغ إذًا على الحمل على المجاز، أو تقدير مضاف، كيف وقد ذكر استحباب السواك عند نفس الصلاة في بعض كتب الفروع المعتبرة، قال في "التتارخانية" (3) نقلًا عن "التتمة": ويستحب السواك عندنا عند كل صلاة ووضوء، وكل شيء يغير الفم، وعند اليقظة، انتهى.
وقال ابن الهمام في شرح "الهداية": ويستحب في خمسة مواضع:
(1)"صحيح ابن خزيمة"(140).
(2)
"المستدرك"(1/ 146).
(3)
(1/ 107).
47 -
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا عِيسَى بْنُ يُونس، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَيْمِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُول: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ
===
اصفرار السنن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، انتهى. "علي القاري"(1).
47 -
(حدثنا إبراهيم بن موسى، نا عيسى بن يونس، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد (التيمي)(2) القرشي، من ثقات التابعين، وقال العقيلي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة، مات سنة 120 هـ.
(عن أبي سلمة (3) بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجهني) المدني، أبو عبد الرحمن، صحابي مشهور، نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمان وسبعين (4)، (قال) زيد:(سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لولا أن أشق (5)
(1)"مرقاة المفاتيح"(2/ 88).
(2)
بفتح التاء وسكون الياء نسبة إلى تيم، كذا في "غاية المقصود". (ش).
(3)
قال الترمذي (1/ 34): حديث أبي سلمة عن زيد أصح عند البخاري من حديثه عن أبي هريرة، وعندي كلاهما صحيحان. (ش).
(4)
انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(2/ 241) رقم (1832).
(5)
قال ابن رسلان: ظاهره دليل لمن يقول: إنه عليه الصلاة والسلام له أن يحكم بالاجتهاد، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل المشقة سببًا لعدم أمره، ولو كان الحكم موقوفًا على النص، لكان انتفاء أمره لعدم ورود النص، واختلف أهل الأصول في المسألة على أربعة أقوال؛ ثالثها: كان له أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام، ورابعها: الوقف، قلت: وههنا أقوال أخر بسطها الحافظ في "الفتح"(2/ 375). (ش).
عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَرَأَيْتُ زيدًا يَجْلِسُ في الْمَسْجِدِ وَإِنَّ السِّوَاكَ مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَاكَ. [ن 23، حم 4/ 114 - 116، ق 1/ 35]
48 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائيُّ، ثنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ،
===
على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
(قال أبو سلمة: فرأيت زيدًا يجلس في المسجد)(1) لانتظار الصلاة (وإن السواك من أذنه موضع القلم (2) من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك) (3) أي للصلاة، آخذًا بظاهر الحديث، وقد انفرد به فلا يصلح حجة، وأما رواية:"كان محل السواك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محل القلم"(4)، فمحمول - على تقدير صحتها - على بعضهم الصادق على واحد، فلا يفيد السنية، "علي القاري"(5).
48 -
(حدثنا محمد بن عوف) بن سفيان (الطائي) أبو جعفر الحمصي، ثقة حافظ، مات سنة 272 هـ، (ثنا أحمد بن خالد) بن موسى، ويقال: ابن محمد الوهبي الكندي، أبو سعيد بن أبي مخلد الحمصي، صدوق، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: لا بأس به، ونقل أبو حاتم الرازي أن أحمد امتنع من الكتابة عنه، ووقع في كلام بعض شيوخنا أن أحمد اتهمه، ولم أقف على ذلك صريحًا، مات سنة 214 هـ.
(1) يخالفه مذهب الشافعي، فقد قال ابن رسلان: قال الفاكهاني: مذهبنا كراهة السواك في المسجد خشية أن يخرج من فمه دم وغيره بما ينزه المسجد عنه. (ش).
(2)
ذكر إعرابه صاحب "الغاية"، قال ابن رسلان: فيه حذف، أي موضعه من أذنه. (ش).
(3)
ثم رده إلى أذنه، كما في رواية الترمذي، "ابن رسلان". (ش).
(4)
قال ابن رسلان: هاتان السنتان متروكتان، فنسأل الله العمل بهما. (ش).
(5)
"مرقاة المفاتيح"(2/ 101).
ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْن يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: قلْتُ: أَرَأَيْتَ تَوَضُّئَ ابْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْنِيهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامرٍ
===
(ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، كان وصي أبيه، وكان أكبر ولد عبد الله بن عمر، ثقة قليل الحديث، مات سنة 105 هـ (قال) أي محمد بن يحيى:(قلت) لعبد الله بن عبد الله: (أرأيت)(1) أي أخبرني (توضئ) هكذا في النسخ الموجودة، والصواب (2) توضوء بضم الضاد وبعدها همزة على واو (ابن عمر) أي أبيك عبد الله بن عمر (لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، عم ذاك؟ ) أي: ما وجهه، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يوجب الوضوء إلَّا على المحدث؟ !
(فقال) أي فأجاب عبد الله بن عبد الله: (حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب)(3) العدوية ابنة عم عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال ابن منده: لها رؤية، استشهد زيد باليمامة بعد النبي عليه السلام بقليل، ذكرها ابن حبان وابن منده في "الصحابة".
(أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر)(4) الراهب الأنصاري، له رؤية، وأبوه حنظلة غسيل الملائكة، قتل يوم أحد، واستشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها يومئذ
(1) بسط صاحب "الغاية" في تحقيق لفظ "أرأيت" كل البسط. (ش).
(2)
كذا قال النووي وابن رسلان. (ش).
(3)
انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(5/ 210) رقم (6708).
(4)
انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(2/ 582) رقم (2908).
حَدَّثَهَا: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بَالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ"، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً، فَكَانَ لَا يَدَعُ الْوُضُوءَ لِكُل صَلَاةٍ.
[دي 658، حم 5/ 225، خزيمة 15، ك 1/ 155 - 156، ق 1/ 137]
===
(حدثها) أي أسماء: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرَ (1) بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك) أي الوضوء لكل صلاة (عليه) أي على رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمر بالسواك لكل صلاة)، فلعل عبد الله بن حنظلة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، أو أخبره بعض الصحابة، فحينئذ تكون الرواية مرسلة. (فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة).
حاصله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجب عليه الوضوء لكل صلاة أحدث أولم يحدث، فلما شق ذلك عليه وصعب، والمشقة تجلب التيسير، أمر بالسواك لكل صلاة، وأقيم السواك مقام الوضوء وسقط وجوب الوضوء، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فلا يشق عليه (2) الوضوء لكل صلاة، ويرى أن أفضل الأعمال أشقها، فلهذا كان لا يدع الوضوء لكل صلاة.
قلت: وهذا الحديث يدل على أن السواك كان واجبًا عليه لكل صلاة، فحينئذ يجب أن ننظر في ذلك، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بذلك
(1) ببناء المجهول على المشهور، وقيل بالمعلوم، كذا في "الغاية"، وقال ابن رسلان: قيل: نزلت آية الوضوء {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} ، رخصة له صلَّى الله تعالى عليه وبارك وسلم، فإنه قبل ذلك لا يعمل عملاً، ولا يتكلم، ولا يرد سلامًا حتى يتوضأ، فأعلمت الآية أن الوضوء إذا قام إلى الصلاة، وقال آخرون: إن الوضوء كان فرضًا لكل صلاة، ثم نسخ في فتح مكة، وقال طائفة: المراد بالأمر فيه الندب، وكان عليه الصلاة والسلام يفعله إلى أن فتح مكة، فجمعها بوضوء. (ش).
(2)
قال ابن سيرين: وكذلك الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة. (ش).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الواجب قبيل الصلاة عند أدائها في المسجد، أو يأتي عند الوضوء، أو يأتي عند الوضوء والصلاة جميعًا؟ ، فنظرنا في ذلك، فرأينا أنه صلى الله عليه وسلم ما استاك مرة من الدهر قبيل الصلاة عند عقد التحريمة، ولم يثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه -رضي الله تعالى عنهم -، ولو فعله صلى الله عليه وسلم لنقلت عنه تواترًا، كما نقلت الواجبات الآخر، بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه إذا استاك للصلاة يستاك عند الوضوء وقبله، كما يدل عليه الروايات الآتية في "باب السواك لمن قام بالليل"، فحينئذ إما أن يكون هذا الاستياك هو ما يجب عليه للصلاة أو غيره، ولا يمكن أن يكون غيره، فثبت أنه هو الواجب.
فظهر بهذا أن المراد بالسواك عند كل صلاة كما في الرواية المتقدمة، وبالسواك لكل صلاة كما في هذه الرواية، هو ما يكون عند الوضوء لا ما هو عند الصلاة، وأنه صلى الله عليه وسلم ما ترك الاستنان قبل الصلاة، إلَّا لأنه اعتدّ الاستنان الذي في الوضوء عن الذي هو عند الصلاة، وعلم أن هذا يؤدي الواجب الذي هو عند الصلاة، ويكفي عنه، فإن لفظ "عند" لا يدل على المقارنة. ويؤيد ذلك أن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الرب سبحانه وتعالى، وفي حالة المناجاة كره صلى الله عليه وسلم النخامة في قبلة المسجد، وشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام، فحكّه بيده فقال:"إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة"، وكره البصاق في المسجد، وجعل كفارة تلك الخطيئة دفنها، فيستحيل العقل الغير المشوب بالهوى مع هذه التشديدات أن يندب صلى الله عليه وسلم أمته إلى أن يستاكوا عند إقامة الصلاة، وتكون الأسوكة المتلطخة بالبصاق وبما أزالوه من النتن والأذى عند نواصيهم على آذانهم فيما بينهم وبين القبلة، وقد منعوا عن أقل وأهون من ذلك، فما هو إلَّا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بقوله:"بالسواك عند كل صلاة" أي عند وضوئها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فعلى هذا ما قال صاحب "غاية المقصود" وتبعه صاحب "عون المعبود" - فقالا: فلا حاجة إلى تقدير العبارة بأن يقال: أي عند وضوء كل صلاة، كما قدرها بعض الحنفية، بل في هذا رد السنَّة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعلل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد، لأنه من إزالة المستقذرات، وهذا التعليل مردود
…
إلخ -، فمردود عليهما، وغلط وباطل، فإن في هذا ليس رد السنَّة مطلقًا، وحاشاهم أن يردوا السنَّة، بل في هذا جمع بين الأحاديث، وعملٌ على جميعها، وإتيانٌ بالمندوب، واجتناب عن المكروه.
نعم فيما قالاه ردٌّ للسنن الصحيحة التي رواها إمامهم البخاري رحمه الله في "صحيحه"، وارتكاب للمكروه في إتيان المندوب مع أنهم لا يدرون عاقبة قولهم، ولا غرو أن الجهل وغلبة الهوى قد يوقع الإنسان فيما هو أشد وأقبح. وهذا على القول بالكراهة من بعضهم، وإلا فقد قلنا: إن الاستياك عندنا أيضًا مستحب عند الصلاة، وفي غير وقت الصلاة، كما تقدم عن "التتارخانية"، وقد حققه الشامي في "رد المحتار".
وأما ما أخرجه البيهقي (1) من طريق ابن إسحاق عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله قال: كان السواك من أذن النبي صلى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب، فلا حجة فيه، فإن البيهقي حكم عليه بالضعف، فإنه قال: لم يروه عن سفيان إلَّا يحيى بن اليمان، ويحيى بن اليمان ليس بالقوي عندهم، ومع هذا فلا دليل فيه على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استاك عند الصلاة.
(1)"السنن الكبرى"(1/ 37).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ رَوَاهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: عُبَيْدُ اللَّه بنُ عَبْدِ اللَّه.
===
وكذلك ما روى الخطيب (1) من طريق يحيى بن ثابت، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أسوكتهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة، وماروى ابن أبي شيبة عن صالح بن كيسان: أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يروحون والسواك على آذانهم، لا يُثْبتان المدعى، فإنه ليس فيهما بعد تسليم صحتهما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستنون عند القيام إلى الصلاة، فثبت بما قلنا أن ما قاله الحنفية ليس بمخالف للحديث، والله تعالى أعلم.
(قال أبو داود: إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، وقول من تكلم فيه تحامل، مات سنة 185 هـ، (رواه عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله (2) بن عبد الله) وغرض المصنف من هذا الكلام بيان الفرق بين رواية أحمد بن خالد وإبراهيم بن سعد، فكلاهما رويا عن محمد بن إسحاق، فقال أحمد بن خالد: عن محمد بن إسحاق قال: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر مكبرًا، وقال إبراهيم بن سعد فيما روى عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله بن عبد الله مصغرًا، وعبد الله وعبيد الله كلاهما ابنان لعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فيمكن أن تكون الرواية عنهما، ويحتمل أن يكون ذكر أحدهما وَهْمًا وخطأ من الراوي.
(1) انظر: "التلخيص الحبير"(1/ 71).
(2)
وأخرجه الدارمي أيضًا بلفظ التصغير (658). (ش).