المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(60) باب المسح على الخفين - بذل المجهود في حل سنن أبي داود - جـ ١

[خليل أحمد السهارنفوري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌عملي في هذا الكتاب

- ‌تقديم

- ‌تَقْدِيمُ الْكِتَابِ

- ‌خصائص هذا الشرح

- ‌كلمة عن "سنن أبي داود" وشرحه "بذل المجهود" في غاية الوجازة

- ‌كلمة عن الإِمام أبي داود

- ‌التعريف بكتاب "السنن" له

- ‌ فقد تلخّص من كلمات الإِمام أبي داود وغيره أمور:

- ‌كلمة في المولِّف الإِمام وخصائص شرحه

- ‌كلمة في شرح سنن أبي داود

- ‌وبالجملة نلخِّص القول في شيء من خصائصه:

- ‌ترجمة مؤلِّف بذل المجهود من "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر

- ‌ترجمة المؤلف الشيخ السهارنفوري بقلم أحد كبار العلماء

- ‌عصر أبي داود

- ‌الإِمَام أبو دَاوُدقبسات من سيرته، ولمحات من فضله

- ‌اسمه ونسبه ونسبته:

- ‌ولادته:

- ‌ارتحاله إلى الآفاق:

- ‌شيوخه:

- ‌ومن أعيانهم:

- ‌تلاميذه:

- ‌زهده وورعه:

- ‌اعتزازه بكرامة العلم والعلماء:

- ‌اعتراف الأئمة بفضله وكماله:

- ‌تحرِّيه في الإِسناد:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌وفاته:

- ‌ابنه أبو بكر:

- ‌مؤلَّفاته:

- ‌ سُنَن أبي دَاوُد" تأليفه - مكانته - خصائصه

- ‌موضوع الكتاب ومعظم مقصود الإِمام في تأليفه:

- ‌كتاب "سنن أبي داود" جامع للأحاديث التي استدلّ بها فقهاء الأمصار وبنوا عليها الأحكام:

- ‌ثناء الأئمة على "السنن

- ‌مكانة "سنن أبي داود" بين الكتب الستّة تدريسًا:

- ‌شروط الإِمام أبي داود في "السنن

- ‌مكانة "سنن أبي داود" بين الكتب الستّة صحّة:

- ‌الكلام على ما سكت عليه أبو داود:

- ‌مدة تأليف "السنن

- ‌عدد روايات "السنن

- ‌يكفي الإِنسان لدينه أربعة أحاديث:

- ‌خصائص الكتاب:

- ‌تجزئة الكتاب:

- ‌الأحاديث المنتقدة في "سنن أبي داود

- ‌درجات أحاديث "السنن

- ‌نسخ الكتاب:

- ‌ سنن أبي داود" ورواته:

- ‌شروح الكتاب والكتب المؤلفة حوله

- ‌رسالةُ الإِمامِ أَبي داودَ إِلى أَهلِ مكَّةَ في وصْفِ الكِتابِ وبَيان خصائِصِهِ والتِزاماتِهِ

- ‌مُقَدِّمَةُ "بَذْلِ الْمَجْهُودِ

- ‌(1) كِتابُ الطَّهَارَةِ

- ‌(1) بَابُ التَّخَلّي عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ

- ‌(2) بَابُ الرَّجُلِ يَتبوَّأُ لِبَوْلِهِ

- ‌(3) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ

- ‌(4) بَابُ كَرَاهِيَّةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ

- ‌(5) بَابُ الرُّخْصَة في ذَلِك

- ‌(6) بَابٌ: كيْفَ التَكَشُّفُ عِنْدَ الْحَاجَةِ

- ‌(7) بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْخَلَاء

- ‌(8) بَاب: في الرَّجُلِ يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ

- ‌(9) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَذْكُرُ الله تَعَالَى عَلَى غيرِ طُهْرٍ

- ‌(10) بَابُ الْخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكرُ الله تَعَالَى يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ

- ‌(11) بَابُ الاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ

- ‌(12) بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا

- ‌(13) بَاب: في الرَّجُلِ يَبُولُ بِاللَّيْلِ في الإِنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ

- ‌(14) بَابُ الْمَواضِعِ الَّتِي نُهِي عَنِ الْبَوْلِ فِيهَا

- ‌(15) بَابٌ: في الْبَوْلِ في الْمُسْتَحَمّ

- ‌(16) بَابُ النَّهْيِ عنِ الْبَوْلِ في الْجُحْرِ

- ‌(17) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ

- ‌(18) بَابُ كَرَاهِيَّةِ مَسِّ الذَّكَر بِاليَمِينِ في الاستِبْرَاءِ

- ‌(19) بَابٌ: في الاِسْتِتَارِ في الْخَلاءِ

- ‌(20) بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ أَنْ يُستَنْجَى بِهِ

- ‌(21) بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالأَحْجَارِ

- ‌(22) بَابٌ: في الاسْتِبْرَاءِ

- ‌(23) بَابٌ: في الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ

- ‌(24) بَابُ الرَّجُلِ يَدْلُكُ يدَهَ بِالأَرْضِ إِذَا اسْتَنْجَى

- ‌(25) بَابُ السِّواكِ

- ‌(26) بَابٌ: كَيْفَ يَسْتَاكُ

- ‌(27) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَسْتَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ

- ‌(28) بَابُ غَسْلِ السِّواكِ

- ‌(29) بَابٌ: السّوَاكُ مِنَ الْفِطْرَة

- ‌(30) بَابُ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ

- ‌(31) بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ

- ‌(32) بَابُ الرَّجُلِ يُجَدّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ

- ‌(33) بَابُ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ

- ‌(34) بَابُ مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ

- ‌(35) بَابُ الْمَاءِ لَا يُجْنِبُ

- ‌(36) باب الْبَوْلِ فِى الْمَاءِ الرَّاكِدِ

- ‌(37) بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ

- ‌(38) بَابُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ

- ‌(39) بَابُ الْوُضُوءِ بفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ

- ‌(40) بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ

- ‌(41) بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ

- ‌(42) بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ

- ‌(43) بَابٌ: أَيُصَلِّي الرَّجُلُ وهُوَ حَاقِنٌ

- ‌(44) بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْمَاءِ في الْوُضُوءِ

- ‌(45) بَابٌ: في الإِسْرَافِ في الْوُضُوءِ

- ‌(46) بابٌ فِى إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ

- ‌(47) بَابُ الْوُضُوءِ في آنِيَةِ الصُّفْرِ

- ‌(48) بَابٌ: في التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ

- ‌(49) بابٌ فِى الرَّجُلِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا

- ‌(50) بَابٌ: يُحَرِّكُ يَدَهُ في الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا

- ‌(52) بَابُ الْوُضُوءِ ثَلاثًا ثَلاثًا

- ‌(53) بَابٌ: في الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ

- ‌(54) بابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً

- ‌(55) بَابٌ فِى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ

- ‌(56) بابٌ: فِى الاِسْتِنْثَارِ

- ‌(57) بَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ

- ‌(58) بَابُ الْمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ

- ‌(59) بَابُ غَسْلِ الرِّجْلِ

- ‌(60) بابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ

- ‌(61) بَابُ التَّوْقِيتِ في الْمَسْحِ

- ‌(62) بابُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ

- ‌(63) بَابٌ

- ‌(64) بابٌ: كَيْفَ الْمَسْحُ

الفصل: ‌(60) باب المسح على الخفين

(60) بابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ

.

===

(60)

(بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ)

اتفقت الأمة خلا الروافض (1) وأجمعت الأئمة (2) على جواز المسح على الخفين، وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يمسح على الخفين، أخرجه عنه ابن أبي شيبة.

وقال الحافظ في "الفتح"(3): وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، ولهذا رآه أبو حنيفة من شرائط السنَّة والجماعة، فقال فيها: أن تفضِّل الشيخين، وتحب الختنين، وأن ترى المسح على الخفين. وروي عنه أنه قال: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار، فكان الجحود ردًا على كبار الصحابة ونسبتهم إلى الخطأ، فكان بدعة، فلهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: لولا أن المسح لا خلف فيه ما مسحنا، ودل قوله هذا على أن خلاف ابن عباس لا يكاد يصح، وقد نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته (4).

(1) والخوارج وابن داود، فقالوا: لا يجزئ المسح عن غسل الرجين. (ش)["ابن داود" كذا في الأصل، والصواب "الإمامية" كما في "عارضة الأحوذي" (1/ 138)].

(2)

لا يصح خلاف مالك، بسطه ابن العربي (1/ 141). (ش).

(3)

انظر: "فتح الباري"(1/ 305).

(4)

وفي "السعاية"(1/ 565): هناك بحث أصولي، وهو أن الأصل في رخصة الإسقاط أنه لا يجوز فعل الأصل كالصلاة تمامًا في السفر، والأفضل هناك عند الجمهور =

ص: 637

149 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قال: أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِى عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ

===

149 -

(حدثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري (قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد) بن أبي النجاد، ويقال: ابن مشكان بن أبي النجاد الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية المنقوطة بنقطتين بعدها لام، نسبة إلى بلدة على ساحل بحر القلزم بما يلي ديار مصر، أبو يزيد مولى معاوية بن سفيان، قال ابن المديني وابن مهدي: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، وعن أحمد: قال وكيع: رأيت يونس بن يزيد الأيلي وكان سيِّئ الحفظ، وقال حنبل بن إسحاق: عن أحمد قال: ورأيته يحمل على يونس، قال: وأنكر عليه، وقال: كان يجيء عن سعيد بأشياء ليست من حديث سعيد وضعَّف أمره، وقال: لم يكن يعرف الحديث، وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ثقة، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: يونس أحب إليه أو عقيل؟ قال: يونس ثقة، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزهري، وقال العجلي والنسائي: ثقة، قال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن خراش: صدوق، قال ابن سعد: ليس بحجة ربما جاء بالسيِّئ المنكر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، توفي بصعيد مصر سنة 159 هـ.

(عن ابن شهاب) الزهري (قال: حدثني عباد بن زياد) ابن أبيه المعروف أبوه (1) بزياد بن أبي سفيان، أخو عبيد الله بن زياد، يكنى

= غسل الأرجل، وأجاب عنه بوجهين، الأول: أنه لم تبق هناك أيضًا العزيمة المشروعة ما دام متخففًا، وإذا نزع الخف خرج السبب، والثاني: أنه ليس برخصة إسقاط، وبسطه، وأجمله صاحب "مسلم الثبوت". (ش).

(1)

لما استلحقه معاوية وقصته مشهورة. (ش). [انظر: "مروج الذهب" للمسعودي (3/ 15)].

ص: 638

أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: "عَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا مَعَهُ فِى غَزْوَةِ تبوكَ

===

أبا حرب، قال مصعب الزبيري في حديث مالك عن الزهري عن عباد بن زياد من ولد المغيرة عن المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين: أخطأ فيه مالك خطأ قبيحًا، والصواب: عن عباد بن زياد عن رجل من ولد المغيرة، وقال ابن المديني: وروى الزهري عن عباد بن زياد وهو رجل مجهول لم يرو عنه غير الزهري، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فكلام ابن المديني يُشْعر بأن زياد والد عباد ليس هو زياد الأمير؛ لأن عباد بن زياد الأمير مشهور، ليس بمجهول، والراجح أن عباد بن زياد هذا هو الأمير المشهور، مات سنة 153 هـ.

(أن عروة بن المغيرة بن شعبة) الثقفي أبو يعفور الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، قال خليفة بن خياط: ولَّاه الحجاج الكوفة سنة 75 هـ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات بعد سنة 90 هـ.

(أخبره) أي عبادًا (أنه) أي عروة (سمع أباه) أي (المغيرة) بن شعبة (يقول: عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي مال عن الطريق إلى جهة أخرى لقضاء الحاجة (وأنا معه)(1) صلى الله عليه وسلم (في غزوة تبوك) بفتح التاء المثناة من فوق، وضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وفي آخره كاف، مكان معروف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، ذكرها في "المحكم" في الثلاثي الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتل (2)، وغزوة تبوك هي آخر

(1) فيه أدب التلميذ أن يذهب معه إذا أراد الحاجة ليعطيه ما يحتاج إليه من الماء والأحجار. "ابن رسلان". قلت: والأوجه عندي أنه مشروط بأن يعلم من حال الشيخ أن لا يثقل عليه، انتهى. (ش).

(2)

قاله الحافظ (8/ 111). (ش).

ص: 639

قَبْلَ الْفَجْرِ، فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَنَاخَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا إِلَى الْمِرْفَقِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ،

===

غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، خرج إليها في رجب سنة تسع يوم الخميس.

(قبل الفجر فعدَلت معه) أي مِلْتُ معه عن الطريق للخدمة (فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم) أي راحلته (فتبرز)(1) أي ذهب في البراز لقضاء الحاجة (ثم جاء) بعد الفراغ من الحاجة (فسكبت) أي صببت الماء (على يده (2) من الإداوة) بالكسر وهي إناء صغير من جلد (فغسل كفيه) إلى الرسغين (ثم غسل وجهه، ثم حسر عن ذراعيه) أي أراد إزالة الكمين عن ذراعيه وكشفهما.

(فضاق (3) كُمَّا جبته) تثنية كُم بضم الكاف وتشديد الميم مضاف إلى الجبة، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها بحسر الكمين عن الذراعين (فأدخل يديه) في الكمين (فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما) أي الذراعين (إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خفيه)، وفي رواية لمسلم:"فتوضأ ومسح على الخفين"، وفي رواية له:"فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم مسح على خفيه"، فيمكن أن يكون معنى اللفظ الذي ذكره أبو داود: "ثم توضأ على

(1) والظاهر أنه عليه الصلاة والسلام استعمل الأحجار مع وجود الماء كما سيأتي. (ش).

(2)

والإعانة بمثل صب الماء لا يكره كما بسطه الشامي، فلا حاجة إذًا إلى ما أجاب به صاحب "الدر المختار" أنه كان لبيان الجواز، ووقع صب الماء في عدة أحاديث كما في "الأوجز"(1/ 441)، والبسط في "التلخيص الحبير"(1/ 247). (ش).

(3)

كان ضيقهما اتفاقًا أو قصدًا للسفر محلُّ بحثٍ، ويتفرع عليه استحباب الثياب الضيِّقة في السفر كما في "جمع الوسائل"(1/ 123). (ش).

ص: 640

ثُمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ فِى الصَّلَاةِ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَوَجَدْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ (1) رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ،

===

خفيه"، أي: ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ومسح على خفيه، فيقدر مسح قبل قوله: "على خفيه"، ويمكن أن يكون معنى "توضأ" مسح على المجاز.

(ثم ركب، فأقبلنا نسير) أي توجهنا نسير لنلحق الجماعة فانتهينا إليهم (حتى نجد الناس) أي وجدنا الناس مشتغلين (في الصلاة)، وفي رواية مسلم:"فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة"(قد قدَّموا (2) عبد الرحمن بن عوف) (3) إمامًا لهم (4). وهو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد الزهري، أحد العشرة المبشرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة أو عبد عمرو، فغيَّره النبي صلى الله عليه وسلم، ومناقبه كثيرة وشهيرة، مات سنة 32 هـ.

(فصلَّى بهم حين كان وقت الصلاة) أي فصلَّى عبد الرحمن لهم حين ثبت وقت الصلاة ولم ينتظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم (ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر) والجملة حالية، أي وجدنا عبد الرحمن حال كونه قد ركع بالناس ركعة وفرغ منها قبل لحوق رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم.

(1) وفي نسخة: "لهم".

(2)

فيه أن الإِمام إذا لم يعلم يحضر أو لا، يجوز تقديم غيره. كذا في "التقرير"، خلافًا لمالك في الجمعة، بسطه ابن رسلان. (ش).

(3)

انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(1/ 14) رقم (3370).

(4)

وفيه بيان لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يؤم أحد في سلطانه"، يعني بشرط عدم خوف فوت الوقت وغيره. "ابن رسلان". (ش).

ص: 641

فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَفَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى صَلَاتِهِ فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ (1) ، فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ، لأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلَاة،

===

(فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم) في الجماعة (فصف) أي دخل في الصف (مع المسلمين)، وفي رواية لأبي داود:"فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتأخر فأومأ إليه أن يمضي"(فصلى) رسول الله صلى الله عليه وسلم (وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية) أي أدى الركعة الثانية مقتديًا خلفه يفعل كما يفعل.

(ثم سلم (2) عبد الرحمن) بعدما أتم ركعتيه (فقام النبي صلى الله عليه وسلم) لأداء ما سبق بها من الركعة الأولى (في صلاته) أي حال كونه في صلاته، معناه أنه صلى الله عليه وسلم لم يسلم مع إمامه عبد الرحمن بل قام إلى أداء ما سبق بها من غير أن يسلِّم.

(ففزع المسلمون) لسبقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة وفوت ركعته صلى الله عليه وسلم، ولعلهم شرعوا الصلاة ظنًا منهم أنه صلى الله عليه وسلم يصلي الصلاة في الموضع الذي كان فيه، أو ظنوا أنه يجيء فيلحق بهم في أول الصلاة فيؤم الناس ويتأخر عبد الرحمن، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه لم يصل ويريد أن يدخل مع الناس في الصلاة ففزعوا.

(فأكثروا التسبيح) أي من قولهم: سبحان الله (لأنهم سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة) واعلم أن هذه العبارة تحتمل احتمالين.

(1) وفي نسخة: "الناس".

(2)

وهل يقوم المسبوق بعد سلامين معًا أو الواحد؟ بسطه ابن رسلان. (ش).

ص: 642

فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُمْ: «قَدْ أَصَبْتُمْ» ، أَوْ:«قَدْ أَحْسَنْتُمْ» . [خ 182، 203، 263، 5798، م 274، ن 108، جه 545، ت 97 بألفاظ مختلفة مطوّلًا ومختصرًا]

===

الأول: أن الفزع الذي حصل لهم وإكثارهم التسبيح يكون في وقت مجيئه صلى الله عليه وسلم وعند دخوله في الصلاة، والدليل عليه ما قال الزرقاني في "شرح الموطأ" (1): وعند ابن سعد: "فانتهينا إلى عبد الرحمن وقد ركع ركعة، فسبَّح الناس له حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه صلى الله عليه وسلم أن اثبت"، فهذا السياق يدل على أن ما صدر منهم من فزعهم وتسبيحهم كان حين كانوا في حرمة الصلاة، فعلى هذا كان تسبيحهم لأجل أن يتنبه إمامهم وينكص على عقبيه.

والاحتمال الثاني الذي يدل عليه ظاهر سياق رواية أبي داود: أن فزع المسلمين وإكثارهم التسبيح صدر منهم حين فرغوا من الصلاة، فكان إكثارهم التسبيح لأجل فزعهم على تقصيرهم بتفويتهم ركعة النبي صلى الله عليه وسلم وسبقهم إياه بالصلاة، ويمكن أن يكون الفزع والتسبيح في كلتا الحالتين.

(فلما سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفرغ من أداء الركعة التي سبق بها ورآهم فزعوا لسبقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال لهم) تسكينًا لقلوبهم: (قد أصبتم) أي بلغتم الصواب (أو قد أحسنتم) و"أو" هذا للشك من الراوي بأنه قال هذا اللفظ أو هذا.

قال النووي (2): في هذا الحديث فوائد، منها جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، وأن الإِمام إذا تأخر عن أول الوقت استحب

(1)"شرح الزرقاني"(1/ 77).

(2)

"شرح صحيح مسلم" للنووي (3/ 172).

ص: 643

150 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ -.

(ح): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،

===

للجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم، وأن من سبقه الإِمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك، فإذا سلم الإِمام أتى بما بقي عليه، وأن اتباع المسبوق للإمام في فعله في ركوعه وسجوده وجلوسه وإن لم يكن ذلك موضع فعله لازم، وأن المسبوق إنما يفارق الإِمام بعد سلام الإِمام، وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فالفرق بينهما (1) أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم، لئلا يختل ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر رضي الله عنه.

قلت: هذا الفرق غير مناسب ولا تؤيده الروايات، فإن الذي ورد فيها أنه صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعدم التأخر، كذلك أشار إلى عبد الرحمن بن عوف بعدم التأخر، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه تأخر مع الإشارة له بعدم التأخر، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لم يتأخر، فالأحسن أن يقال: إن أبا بكر فهم أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي ليس للوجوب، بخلاف عبد الرحمن فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى، ولا شك أن الأول أكمل، وقد يقال: إن أبا بكر بلغ من الفرح مبلغًا لم يملك نفسه عن التأخر، وللمبالغة في امتناعه عن التقدم، قاله علي القاري (2).

150 -

(حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا يحيى يعني ابن سعيد) ابن فروخ القطان (ح: وحدثنا مسدد قال: حدثنا المعتمر) بن سليمان،

(1) وبه جزم ابن رسلان. (ش).

(2)

"مرقاة المفاتيح"(2/ 80).

ص: 644

عَنِ التَّيْمِىِّ قال: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ:

===

(عن التيمي) سليمان بن طرخان بفتح طاء مهملة، وقيل بكسرها وبخاء معجمة، أبو محمد البصري والد المعتمر، ولم يكن من بني تميم وإنما نزل فيهم، وثَّقه أحمد وابن معين والنسائي والعجلي وابن سعد، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عباد أهل البصرة وصالحيهم ثقة وإتقانًا وحفظًا وسنَّة، قال يحيى بن معين: كان يدلس، وفي "تاريخ البخاري": ما روى عن الحسن وابن سيرين صالح إذا قال: سمعت أو حدثنا، وقال يحيى بن سعيد: مرسلاته شبه لا شيء، مات بالبصرة سنة 143 هـ.

(قال: حدثنا بكر) بن عبد الله المزنى، (عن الحسن) البصري، (عن ابن المغيرة بن شعبة) هو حمزة بن المغيرة أو عروة بن المغيرة المذكور في السند السابق، (عن المغيرة بن شعبة) هكذا وقع في رواية مسلم، قال مسلم: حدثني عبد الله بن محمد بن بزيع قال: نا يزيد يعني ابن زريع قال: نا حميد الطويل قال: نا بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه.

قال النووي (1): قال أبو علي الغساني: قال أبو مسعود الدمشقي: هكذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع: عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس فقالوا فيه: حمزة بن المغيرة بدل عروة، وأما الدارقطني فنسب الوهم فيه إلى محمد بن عبد الله بن بزيع لا إلى مسلم، انتهى كلام الغساني.

قال القاضي عياض: حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا

(1)"شرح صحيح مسلم" للنووي (3/ 171).

ص: 645

"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ نَاصِيَتَهُ"، وَذَكَرَ:"فَوْقَ الْعِمَامَةِ".

===

الحديث، وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الآخر، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة، والحديث مروي عنهما جميعًا، لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي عن حمزة بن المغيرة، وعن ابن المغيرة غير مسمى، ولا يقول بكر: عروة، ومن قال عروة عنه فقد وهم، انتهى.

قلت: وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب"(1) في ترجمة حمزة: حمزة بن المغيرة بن شعبة الثقفي روى عن أبيه، وروى بكر بن عبد الله المزني عنه عن أبيه في المسح على الخفين، وقال مرة: عن عروة بن المغيرة عن أبيه، وقال الحسن البصري: عن ابن المغيرة عن أبيه في المسح على الخفين، - وقال مرة: عن عروة بن المغيرة عن أبيه - ولم يسمه، قال العجلي: تابعي ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، انتهى. وأيضًا قال الحافظ في ذكر بكر بن عبد الله المزني: روى عن أنس بن مالك، والحسن البصري، وحمزة وعروة ابني المغيرة بن شعبة.

قلت: فكلام الحافظ في "التهذيب" يدل على أن رواية مسلم التي يروي فيها بكر بن عبد الله عن عروة غير محمولة على الوهم عنده، بل يحتمل (2) أن يكون ابن المغيرة غير مسمى حمزة أو عروة، فلم يقبل الحافظ قول الذين نسبوا الوهم في هذه الرواية إلى مسلم أو إلى أستاذه محمد ابن عبد الله بن بزيع.

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح ناصيته)، والناصية مقدم الرأس (وذكر: فوق العمامة) أي وذكر المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم مسح فوق العمامة

(1)(3/ 33).

(2)

لكن كلام النووي نص في أن الصواب في رواية بكر هو حمزة. (ش).

ص: 646

قَالَ عَنِ الْمُعْتَمِرِ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَعَلَى نَاصِيَتِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ". [م 274، ت 100، ن 107]

قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ ابْنِ الْمُغِيرَةِ.

===

(قال) أي مسدد (عن المعتمر: سمعت أبي (1) يحدث عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة) بن شعبة:(أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين، وعلى ناصيته، وعلى عمامته)(2).

فالفرق بين رواية يحيى وبين رواية معتمر بأن في رواية يحيى ذكر المسح على الناصية مصرَّح، وذكر مسح العمامة مجمل، ولم يذكر فيها المسح على العمامة مصرّحًا، ورواية المعتمر مصرِّحة بالمسح على الناصية والعمامة، ولكن يشكل هذا بما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من رواية يحيى بن سعيد فإنهم صرحوا فيها بالمسح على العمامة، فيمكن أن يقال: إن هذا الاختلاف مبني على اختلاف تلاميذ يحيى بن سعيد، ففي رواية أبي داود تلميذه مسدد ولم يصرح به، وفي رواية مسلم محمد بن بشار ومحمد بن حاتم، وفي رواية الترمذي محمد بن بشار، وفي رواية النسائي عمرو بن علي، وقد صرحوا بالمسح على العمامة.

(قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة)، ظاهر سياق أبي داود يدل على أن هذا التعليق من رواية المعتمر، ولكن سياق مسلم والترمذي

(1) وهو التيمي. (ش).

(2)

حمله أحمد على أن الرأس إذا كان مكشوفًا مما جرت العادة بكشفه يمسح على المكشوف والعمامة وجوبًا أو ندبًا وجهان، كذا في "المغني"(1/ 381). (ش).

ص: 647

151 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى رَكْبِةٍ، وَمَعِى إِدَاوَةٌ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ،

===

والنسائي والبيهقي يدل على أنه من رواية القطان أيضًا، فإنهم صرحوا في آخر لرواية القطان بأنه قال بكر: سمعته من ابن المغيرة، فلا بد أن يقال: إن في سياق أبي داود هذه العبارة داخلة في الروايتين عن القطان والمعتمر، والحديث يدل على جواز المسح على الخفين وعلى العمامة، وقد ذكرنا بحث المسح على الخفين والعمامة فيما تقدم.

151 -

(حدثنا مسدد قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثني أبي) هو يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي بمفتوحة وكسر موحدة وعين مهملة، نسبة إلى سبيع وهو بطن من همدان، أبو إسرائيل الكوفي، ذكر القطان يونس بن أبي إسحاق فقال: كانت فيه غفلة شديدة، وقال أحمد: حديثه مضطرب، ووثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وقال ابن سعد: ثقة إن شاء الله تعالى، وقال الساجي: صدوق، وضعفه بعضهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن معين: ليس به بأس، مات سنة 159 هـ.

(عن الشعبي) عامر بن شراحيل (قال: سمعت عروة بن المغيرة بن شعبة يذكر عن أبيه) هو المغيرة بن شعبة (قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رَكَبة) بالحركة، أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها "مجمع"(1)(ومعي إداوة) وهو إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة، جمعها أداوى (فخرج لحاجته) أي لقضائها.

(1)"مجمع الأنوار"(3/ 373).

ص: 648

ثُمَّ أَقْبَلَ، فَتَلَقَّيْتُهُ بِالإِدَاوَةِ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَضَاقَتْ، فَادَّرَعَهُمَا ادِّرَاعًا، ثُمَّ أَهْوَيْتُ إِلَى الْخُفَّيْنِ لأَنْزِعَهُمَا، فَقَالَ لِى:«دَعِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنِّى أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» . فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [خ 206، م 274]

===

(ثم أقبل) بعد ما فرغ منها (فتلقيته بالإداوة (1) فأفرغت عليه) أي صببت من الإداوة (فغسل كفيه ووجهه، ثم أراد أن يخرج ذراعيه) أي من الكمين ليغسلهما (وعليه جبة من صوف من جباب الروم)(2) أي من صنعتهم (ضيقة الكمين (3) فضاقت) أي الجبة، أي: كُمَّا جبته (فادَّرعهما ادّراعًا)(4) أي أخرج الذراعين من تحت الجبة إخراجًا.

(ثم أهويت) أي مِلْتُ وتوجهت أو مددت يدي (إلى الخفين لأنزعهما) أي عن الرِّجلين ليغسلهما صلى الله عليه وسلم (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (لي: دع الخفين) في الرجلين ولا تنزعهما (فإني أدخلت القدمين الخفين وهما) أي القدمان (طاهرتان (5) فمسح عليهما) أي على الخفين.

(1) قال ابن عبد البر: في الآثار كلها أن الإداوة كانت مع المغيرة، وليس في شيء منها أنه ناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستدل به من قال بجواز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، فإن ثبت بطريق أنه صلى الله عليه وسلم استنجى في ذاك اليوم بالماء وإلَّا فالاستدلال صحيح، وأيًا ما كان فالفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أفضل وبالأحجار رخصة. "ابن رسلان". (ش).

(2)

فيه جواز استعمال صنعة الكفار، ويجوز عندنا أيضًا كما في "الشامي" و"جمع الوسائل"(1/ 123) خلافًا لما حكى الحافظ في "الفتح"(1/ 307). (ش).

(3)

وروي: وعليه جُبَّةٌ شامِيّةٌ، وجمع بينهما القاري في "جمع الوسائل". (ش).

(4)

بتشديد الدال فيهما ويجوز الذال، كما بسطه ابن رسلان، وقال: افتعل من ذرع إذا مدّ ذراعيه، انتهى. (ش).

(5)

حمله الجمهور على ظاهره، وداود على النجاسة الحقيقية، فإذا لم يكن عليهما نجاسة حقيقية يجوز المسح عليه عنده، بسطه ابن رسلان. (ش).

ص: 649

قَالَ أَبِى: قَالَ الشَّعْبِىُّ: شَهِدَ لِى عُرْوَةُ عَلَى أَبِيهِ، وَشَهِدَ أَبُوهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

152 -

حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى (1)، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قال:

===

(قال أبي) أي يقول عيسى: قال والدي يونس: (قال الشعبي: شهد لي عروة) على هذا الحديث (على أبيه) المغيرة بأني أشهد أن أبي المغيرة حدثني بهذا الحديث (وشهد أبوه) المغيرة (على رسول الله صلى الله عليه وسلم).

152 -

(حدثنا هدبة بن خالد) بن أسود بن هدبة القيسي الثوباني، أبو خالد البصري الحافظ، يقال له: هداب، وثَّقه ابن معين، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا وهو كثير الحديث صدوق لا بأس به، وقد وثَّقه الناس، وقال مسلمة بن قاسم: بصري ثقة، وقال الذهبي في "الميزان": وأما النسائي فقال: ضعيف، وقوَّاه مرة أخرى، توفي سنة 235 هـ.

(قال: حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي، (عن قتادة) بن دعامة، (عن الحسن) البصري، (وعن زرارة بن أوفى) أي يروي قتادة عن الحسن البصري ويروي عن زرارة بن أوفى أنهما قالا: (إن المغيرة بن شعبة قال:

(1) هكذا في نسخ أبي داود: "عن الحسن وعن زرارة بن أوفى"، وكذلك في "تحفة الأشراف"(8/ 175) رقم (11492)، ثم قال المزي:"وفي رواية أبي عيسى الرملي عن أبي داود: عن الحسن، عن زرارة بن أوفى، عن المغيرة بن شعبة".

قلت: والحسن: هو البصري، كما صرح به الشارح والمزي في "التحفة"، لكن جاء كلام أبي عيسى الرملي في طبعة عبد الصمد شرف الدين لـ "تحفة الأشراف" هكذا:"عن الحسن بن أعين عن زرارة بن أوفى" وهو حسن بن محمد بن أعين.

ثم إن المزي في "تهذيب الكمال" لم يذكر الحسن في الرواة عن زرارة ولم يذكر زرارة في شيوخ الحسن، ومقتضى رواية الرملي أن يذكر ذلك.

ص: 650

تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، قَالَ: فَأَتَيْنَا النَّاسَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُصَلِّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَي إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِىَ. قَالَ: فَصَلَّيْتُ أَنَا وَالنَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ رَكْعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِى سُبِقَ بِهَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا شَيْئًا". [انظر الحديث السابق]

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عُمَرَ يَقُولُونَ:

===

تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن القوم وعدل عن الطريق (فذكر هذه القصة) التي ذكرت في الروايات السابقة من التبرز والمجيء عنه والوضوء وغير ذلك.

(قال) أي المغيرة: (فأتينا الناس وعبد الرحمن بن عوف يصلي بهم الصبح) أي صلاة الصبح (فلما رأى) أي عبد الرحمن، فضمير الفاعل يرجع إلى عبد الرحمن (النبي صلى الله عليه وسلم) مفعوله (أراد) أي عبد الرحمن (أن يتأخر) عن موضعِ الإمامة (فأومى)(1) أي النبي صلى الله عليه وسلم (إليه) أي إلى عبد الرحمن (أن يمضي) أي يداوم على الإمامة ولا يتأخر.

(قال) أي المغيرة: (فصليت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم خلفه) أي عبد الرحمن مقتديين به (ركعة) وسبقنا بركعة (فلما سلم) أي عبد الرحمن (قام النبي صلى الله عليه وسلم) إلى أداء ما سبق بها من الركعة الأولى (فصلَّى الركعة التي سُبق بها ولم يزد عليها شيئًا) أي لم يسجد سجدتي السهو، وبه قال جمهور العلماء: إنه ليس على المسبوق سجود.

(قال أبو داود: أبو سعيد الخدري) هو سعد بن مالك (وابن الزبير) هو عبد الله (وابن عمر) هو عبد الله (يقولون (2):

(1) قال ابن رسلان: لأنه أيضًا كان أحرم بالصلاة. (ش).

(2)

وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وإسحاق. "ابن رسلان". (ش).

ص: 651

مَنْ أَدْرَكَ الْفَرْدَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ.

153 -

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قال: حَدَّثَنَا أَبِى

===

من أدرك الفرد) أي أدرك مع الإِمام ركعة واحدة أو ثلاث ركعات (من الصلاة عليه سجدتا السهو).

قال مولانا محمد يحيى رحمه الله في "تقريره" عن شيخه - رحمه الله تعالى -: ولعل وجه قولهم ذلك أنهم لما رأوا سجدتي السهو سببًا لجبر النقصان الوارد فيها بترك الواجب، والجماعة واجبة وقد فاتت فيجبر بالسجدة مع ما اعتراها من النقصان.

قلت: والأوجه عندي (1) أنهم لما رأوا أنه جلس للتشهد مع الإِمام في غير موضع الجلوس وتمكن منه النقصان حكموا عليه بالسجود لجبر النقصان، ولكن لما لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة ثبت أنه لا يجب السجود فيها.

153 -

(حدثنا عبيد الله (2) بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو عمرو البصري الحافظ، وثَّقه أبو حاتم وابن قانع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ابن سمينة وشباب وعبيد الله بن معاذ ليسوا أصحاب حديث، روى عنه البخاري سبعة أحاديث، ومسلم مئة وسبعة وستين حديثًا، مات سنة 237 هـ.

(قال: ثنا أبي) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى التميمي الحافظ البصري قاضيها، قال أحمد: إليه المنتهى في

(1) قال ابن رسلان: لأنه يجلس في غير محله

إلخ. (ش).

(2)

وما في بعض النسخ عبد الله مكبرًا غلط ليس في رواة أبي داود، كذا في "التقرير". (ش).

ص: 652

قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى بَكْرٍ - يَعْنِى ابْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ -، سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ

===

التثبت بالبصرة، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال النسائي: ثقة ثبت، قال محمد بن عيسى بن الطباع: ما علمت أن أحدًا قدم بغداد إلَّا وقد تعلق عليه في شيء من الحديث إلَّا معاذ العنبري، فإنه ما قدروا أن يتعلقوا عليه في شيء مع شغله بالقضاء، مات سنة 196 هـ.

(قال: ثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بكر، يعني ابن حفص بن عمر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري، اسمه عبد الله المدني، مشهور بكنيته، وثَّقه النسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن عبد البر: قيل: كان اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة أجمعوا على ذلك.

(سمع أبا عبد الله)(1) مولى بني تيم بن مرة، عن أبي عبد الرحمن عن بلال في المسح على العمامة ، وعنه أبو بكر بن حفص بن أبي وقاص، وأخرج النسائي أيضًا في الطهارة، وقال الحاكم: أبو عبد الله التيمي معروف بالقبول.

(عن أبي عبد الرحمن السلمي)، هكذا في النسخة الدهلوية المطبوعة القديمة والجديدة بإثبات لفظ السلمي، وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية والنسخة المطبوعة المصرية ففيهما عن أبي عبد الرحمن فقط، وليس فيهما لفظ السلمي، فإن كان لفظ السلمي محفوظاً فأبو عبد الرحمن السلمي هذا عبد الله بن حبيب بن ربيعة بضم الراء وتشديد الياء على صيغة التصغير، السلمي الكوفي القارئ، روى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، وثَّقه العجلي والنسائي، قال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة،

(1) وقال ابن رسلان: أبو عبد الله سلمان الأغر مولى جهينة

إلخ. (ش).

ص: 653

أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَسْأَلُ بِلَالاً عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: "كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِى حَاجَتَهُ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ، وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ".

[ق 1/ 289، حم 6/ 12 - 13 - 15]

===

قال بعضهم: مات سنة 72 هـ، وقال ابن قانع: مات سنة 85 هـ، وهو ابن تسعين سنة، فإن كان الذي في السند هذا فهو من الأعلام المشهورين والثقات، وإن لم يكن هذا بالسلمي فأبو عبد الرحمن عن بلال في المسح على العمامة والموقين، وعنه أبو عبد الله مولى بني تيم.

قال ابن عبد البر (1): مرة يقولون عن أبي عبد الله عن أبي عبد الرحمن، ومرة عن أبي عبد الرحمن عن أبي عبد الله، وكلاهما مجهول لا يعرف، انتهى كلام ابن عبد البر.

فأما أبو عبد الله التيمي، فقد قدمنا ترجمته وأنه ليس بمجهول، كما يدل عليه قول أبي داود الذي يأتي بعد الحديث، وأما على هذه النسخة وهو الصواب عندي، فإنه لم يذكر أحد من الحفاظ أنه السلمي، فأبو عبد الرحمن قد قيل: إنه مسلم بن يسار، حكى ذلك الدارقطني في "كتاب العلل" عن عبد الملك بن الشِخِّير، قال الدارقطني: وليس عندي كما قال، يعني في تسميته، فلو كان أبو عبد الرحمن هذا مسلم بن يسار، فلم نجد في كتب الرجال من اسمه مسلم بن يسار وكنيته أبو عبد الرحمن.

(أنه) أي أبا عبد الرحمن (شهد) أي حضر (عبد الرحمن بن عوف) - رضي الله تعالى عنه - حال كونه (يسأل بلالاً عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم؟ ) فسمع ما أجاب به بلال (فقال) أي بلال: (كان) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء) فيستنجي (فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه) والموق نوع من الخفاف.

(1) قال ابن رسلان: قال ابن عبد البر: هو إسناد مقلوب مضطرب. (ش).

ص: 654

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِى تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ.

154 -

حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِىُّ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ دَاوُدَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: "أَنَّ جَرِيرًا

===

(قال أبو داود: وهو) أي أبو عبد الله المذكور في السند (أبو عبد الله مولى بني تيم بن مرة) وظاهر هذه العبارة يدل على أن عند أبي داود أبو عبد الله هذا ليس بمجهول، قال في "تهذيب التهذيب" (1): قال الحاكم: أبو عبد الله التيمي معروف بالقبول.

154 -

(حدثنا علي بن الحسين الدرهمي)(2) هو علي بن الحسين بن مطر الدرهمي منسوب إلى درهم، وهو اسم لجد المنتسب إليه، البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة 253 هـ.

(قال: ثنا ابن داود) هو عبد الله بن داود الخريبي، (عن بكير بن عامر) البجلي، وثَّقه ابن سعد مقرونًا بقوله: إن شاء الله، والحاكم، وضعَّفه يحيى القطان وأبو زرعة والنسائي، واختلف عن أحمد فمرة قال: ليس بالقوي في الحديث، وقال مرة: صالح الحديث ليس به بأس، وقال الحافظ في "التقريب": ضعيف.

(عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير: أن جريرًا)(3)، أي جد

(1)(2/ 151).

(2)

بكسر الدال "ابن رسلان". (ش).

(3)

قال ابن العربي (1/ 139): اتفقوا على صحة حديث جرير، وقال: فيه حجة =

ص: 655

بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِى أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ (1) نُزُولِ الْمَائِدَة

===

أبي زرعة، هو جرير بن عبد الله بن جابر البجلي القسري اليماني، أبو عمرو أو أبو عبد الله الصحابي المشهور، ويلقب بيوسف هذه الأمة، أسلم سنة عشر، وبسط له النبي صلى الله عليه وسلم ثوبًا، ووجهه إلى ذي الخلصة فهدمها، وعمل على اليمن في أيامه صلى الله عليه وسلم، نزل الكوفة ثم انتقل من الكوفة إلى قرقيسيا فنزلها، وقال: لا أقيم ببلدة يشتم فيها عثمان، مات سنة 51 هـ (2).

(بال ثم توضأ، فمسح على الخفين) فاعترض عليه، وقيل له: أتفعل (3) هذا؟ فأجاب (وقال: ما يمنعني أن أمسح) أي أيُّ شيء يمنعني من المسح (وقد رأيت)(4) أي والحال أني قد رأيت (رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح) على الخفين؟

(قالوا) أي الحاضرون: (إنما كان ذلك) أي المسح على الخفين (قبل نزول) سورة (المائدة) وفيها غسل الرجلين فنسخ بها حكم المسح،

= على جواز نسخ القرآن بالحديث، إذ قال: بعد المائدة، وهو مختلف عند أهل الأصول، كما بسطه في محله، وراجع "مشكل الآثار"(6/ 289). (ش).

(1)

وفي نسخة: "قبل المائدة".

(2)

انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(1/ 319) رقم (730).

(3)

كما في رواية النسائي. (ش).

(4)

وحديث الطبراني نص في "أنه رآه في حجة الوداع يمسح"، كذا في "السعاية"(1/ 588). (ش).

ص: 656

قَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ". (1)[خ 387، م 272، ت 94، ن 118، جه 542، ق 1/ 270]

155 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ

===

فأجاب عنه و (قال: ما أسلمت إلَّا بعد نزول المائدة).

حاصل الجواب: أنه لما كان مجيئه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسلامه (2) بعد نزول المائدة، ثبت بذلك أن حكم المسح ليس بمنسوخ بآية الوضوء التي في المائدة، بل هو محكم باق بعد نزولها، وهذا إذا لم يحمل قراءة الجر في قوله تعالى:{وَأَرْجُلَكُمْ} على التخفف، وأما إذا حمل عليه فالآية (3) مثبتة أيضًا للمسح على الخفين غير معارضة له.

155 -

(حدثنا مسدد) بن مسرهد (وأحمد بن أبي شعيب الحراني)

(1) ذكر المزي في "تحفة الأشراف"(4/ 715) رقم (6488) حديثًا، وعزاه إلى أبي داود، ولفظه: خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن مقسم عن ابن عباس.

حديث: أنا عند عمر حين سأله سعد وابن عمر عن المسح على الخفين؟

الحديث، وفيه: قال ابن عباس: فقلت لسعد: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه، ولكن قبل المائدة أو بعدها؟

أبو داود في الطهارة، عن إبراهيم بن الحسن الخثعمي، عن حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني خصيف أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أخبره أن ابن عباس أخبره به.

ثم قال المزي: "هذا الحديث في رواية أبي الطيب ابن الأشناني، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم".

(2)

فقيل: إسلامه في آخر سنة عشرة، وقيل: في أول سنة إحدى عشرة، كذا قال ابن رسلان. (ش).

(3)

لكن يشكل عليه قوله تعالى: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، فإن المسح ليس إليهما. (ش).

ص: 657

قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قال: حَدَّثَنَا دَلْهَمُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ

===

هو ابن عبد الله (قالا: ثنا وكيع) بن الجراح (قال: ثنا (1) دلهم (2) بن صالح) الكندي الكوفي، ضعفه ابن معين، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، وعن أبي داود: ليس به بأس.

(عن حجير بن عبد الله) الكندي، أخرجوا له حديثًا واحدًا في المسح على الخف، حسنه الترمذي، وقال ابن عدي في ترجمة دلهم: حجير لا يعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات".

(عن ابن بريدة) هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب بمضمومة وفتح مهملة وسكون ياء وبموحدة، الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضي مرو، أخو سليمان، وكانا توأمين، وثَّقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم، سئل أحمد بن حنبل: هل سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: ما أدري، عامة ما يروي عن بريدة عنه، وضعف حديثه، قال إبراهيم الهروي: لم يسمع عبد الله وسليمان من أبيهما، وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة، ويتعجب من الحاكم مع هذا القول في ابن بريدة كيف يزعم أن سند حديثه من رواية حسين بن واقد عنه عن أبيه أصح الأسانيد لأهل مرو، مات سنة 105 هـ أو 115 هـ.

(عن أبيه) هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، أبو عبد الله، أسلم حين مر به النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا هو ومن معه، وكانوا

(1) هذا لفظ أحمد كما سيجيء، هذا في "التقرير". (ش).

(2)

وهو في "شرح ابن رسلان": دلهم بن صبح بضم الصاد وسكون الباء، كذا في "كتاب التستري"، والصواب: دلهم بن صالح. (ش).

ص: 658

"أَنَّ النَّجَاشِىَّ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا". [ت 2820، جه 549 ، 3620، حم 5/ 352، ق 1/ 283]

قَالَ مُسَدَّدٌ: عَنْ دَلْهَمِ بْنِ صَالِحٍ.

===

نحو ثمانين بيتًا، فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بأرض قومه، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد، فشهد معه مشاهده: الحديبية وبيعة الرضوان وفتح مكة، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه، وسكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها دارًا، ثم خرج منها غازيًا إلى خراسان، فأقام بمرو حتى مات، ودفن بها سنة 63 هـ، وبقي ولده بها (1).

(أن النجاشي)(2) ملك الحبشة، والنجاشي لقب له ولملوك الحبشة، مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم، أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه، توفي ببلاده قبل فتح مكة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحضر في حضرته.

(أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خفين أسودين ساذجين) قال الشارح: كأنه أراد أنه لم يخالط سوادهما لون آخر، وقال في "القاموس": ساذج، معرب ساده، فعلى هذا معناه غير منقش (فلبسهما (3) ثم توضأ ومسح عليهما، قال مسدد: عن دلهم بن صالح) يعني أن أستاذ المؤلف أحمد بن أبي شعيب صرح بلفظ التحديث، وأما الأستاذ الثاني روى بصيغة عن.

(1) انظر: "أسد الغابة"(1/ 203).

(2)

اسمه أصحمة بمهملات. "ابن رسلان". (ش).

(3)

أي: بعد الوضوء، فلو غسل رجليه أولاً ثم لبسهما ثم توضأ فلا يصح المسح عند الشافعي ومالك في المشهور عنه، كذا قال ابن رسلان. (ش).

ص: 659

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ.

156 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ حَىٍّ - هُوَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى نُعْمٍ،

===

(قال أبو داود: هذا بما تفرد به أهل البصرة)، قال الشارح (1): قال ولي الدين: في قول أبي داود نظر، إذ ليس في رواته بصري إلَّا مسدد، وباقيهم أهل الكوفة أو أهل مرو، فصوابه قوله: هذا بما تفرد به أهل الكوفة، أي لم يروه إلَّا واحد منهم.

قلت: معنى هذا الكلام أن هذا الحديث من الأحاديث التي تفرد بها أهل البصرة، ولم يروها غيرهم من أهل الكوفة والشام، وهذا الحكم باعتبار غالب الرواة؛ فغالبهم بصريون؛ لأن مسددًا بصري، وبريدة رضي الله عنه وابنه عبد الله بصريان أيضًا؛ لأن بريدة تحول من المدينة إلى البصرة، وأقام بها، وابتنى بها دارًا، وكان عبد الله معه، لأنه ولد سنة 15 هـ، ثم بعد ذلك خرج غازيًا إلى خراسان، وأقام بمرو، ومات بها، فعلى هذا يصح أن يقال: إنهما بصريان. فثلاثة رجال من السند بصريون، واثنان منهم كوفيان: وكيع ودلهم، وأما حجير فلم يعرف أنه بصري أو كوفي، فلعل المصنف أطلق تفرد أهل البصرة به، فقول الشيخ: ليس في رواته من أهل البصرة إلَّا مسدد، فيه نظر أيضًا.

156 -

(حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس منسوب إلى جده (قال: ثنا ابن حي هو الحسن بن صالح) بن حي، (عن بكير بن عامر البجلي، عن عبد الرحمن بن أبي نعم) بضم النون

(1) انظر: "درجات مرقاة الصعود"(ص 31).

ص: 660