الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(10) بَابُ الْخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكرُ الله تَعَالَى يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ
19 -
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عن أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عن هَمَّام ،
===
العورة كالجماع، وقضاء الحاجة من البول والغائط، فإنه أيضًا لا يذكر الله تعالى في تلك الأحوال، بل لا يتكلم فيها مطلقًا، إلَّا لبيان الجواز في حالة كشف العورة، فالذي ورد من الحديث في الباب المتقدم الدال على كراهة ذكر الله تعالى يحمل على خلاف الأولى، كما ذكرناه قبل، ويمكن أن يكون المراد من ذكر الله عز وجل الذكر القلبي، وهو المعبَّر بالحضور، فحينئذ يكون عموم الأحيان شاملًا لجميع أحيانه لا يُستثنى منه حين، لأنه صلى الله عليه وسلم كان دائم الذكر، لا ينقطع ذكره القلبي في يقظة ولا نوم ولا في وقت ما.
(10)
(بَابُ الخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)
أي يكون فيه النقوش الدالة على ألفاظ مدلولها ذكر الله تعالى (يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ) بحذف حرف الاستفهام، يعني: أيدخل به الخلاء أم لا؟
19 -
(حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي، ثقة ثبت، مات سنة 250 هـ.
(عن أبي علي الحنفي) عبيد الله بن عبد المجيد البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي والدارقطني وابن قانع، وضعفه العقيلي، وعن ابن معين أنه قال: ليس بشيء، مات سنة 209 هـ.
(عن همام) بن يحيى بن دينار العوزي، بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة، مولاهم، أبو عبد الله وأبو بكر البصري، ثقة ربما وهم، قال الساجي: صدوق سيِّئ الحفظ، ما حدَّث عن كتابه فهو صالح، وما حدَّث عن حفظه فليس بشيء، مات سنة 164 هـ.
عن ابْنِ جُرَيْج، عن الزهْرِيِّ، عن أَنَسٍ قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ". [ت 1746، ن 5213، جه 303 ، حم 2/ 311، ق 1/ 95، ك 1/ 187، حب 1413]
===
(عن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، منسوب إلى جده، أبو الوليد أو أبو خالد المكي، ثقة فقيه فاضل، أحد الأعلام، وكان يُدَلّسُ ويُرْسِل، مات سنة 150 هـ، قال الحافظ: قال المخراقي عن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل، وعن ابن معين: ليس بشيء في الزهري، وقال الدارقطني: تَجَنَّبْ تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس لا يُدَلِّسُ إلَّا فيما سمعه من مجروح.
(عن الزهري، عن أنس) بن مالك (قال) أنس: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء) أي أراد دخول الخلاء (وضع (1) خاتمه).
وفي رواية الترمذي والنسائي "نزع" بدل "وضع"، فمعنى وضع خاتمه يعني ينزع خاتمه من الأصبع، ثم يضعه خارج الخلاء، ولا يدخل الخلاء مع الخاتم، وهذا لتعظيم (2) اسم الله عز وجل.
ويدخل فيه كل ما كان فيه اسم الله تعالى من القرطاس والدراهم إذا كان فيه اسم الله تعالى، بل إذا كان منقوشًا فيه الحروف ينبغي لمن دخل الخلاء أن يضعه قبل دخول الخلاء، لأن الحروف مادة كلامه وأسمائه تعالى، فلها أيضًا شرف وعظمة، وكذلك عند الجماع والاستنجاء وغير ذلك من الحالات.
(1) وكذا الحاكم (1/ 187)، وابن حبان (1413). "ابن رسلان". (ش).
(2)
لما كان عليه "محمد رسول الله" واختلف في كيفيته، ومحل الكلام فيه "كتاب الخاتم"(ش).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنسٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ". وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ همامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا همَّامٌ.
===
(قال أبو داود (1): هذا حديث منكر) ولعل الحكم بنكارته لأمرين؛ الأَول: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، والثاني: تبديل المتن بمتن آخر، (وإنما يعرف (2) عن ابن جريج، عن زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهري، (عن الزهري، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلَّا همام)، وخالفه الترمذي، وقال بعد تخريج هذه الرواية: هذا حديث حسن صحيح غريب (3)، ولعل الحق مع الترمذي، لأن المنكر من الحديث ما كان فيه الراوي الضعيف بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك مخالفًا للقوي، فالراجح المعروف، ومقابله المنكر.
قال الحافظ في "شرح النخبة"(4): وإن وقعت المخالفة مع الضعف أي إن كان الراوي المخالف ضعيفًا بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله المنكر. وأيضًا قال الحافظ في موضع آخر من ذلك الكتاب: والثالث: المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة، يعني ما يكون الطعن فيه بسبب كثرة الغلط لا يكون منكرًا، إلَّا على رأي من لا يشترط في المنكر مخالفة الثقة الضعيف كما تقدم، وأما من يشترط فيه ذلك فلا.
(1) وقال النسائي: غير محفوظ، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه. (ش).
(2)
قال المنذري: والمعروف عن أنس طرح خاتم الذهب، ورد على أبي داود، ورد ابن القيم على المنذري. (ش) [انظر:"تهذيب ابن القيم"(1/ 24)].
(3)
"سنن الترمذي"(3/ 355)، ح (1746).
(4)
(ص 40) طـ الهند.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقول أبي داود: "وهذا حديث منكر" لا يكاد يصح على المذهبين، لأن همامًا ثقة حافظ، روى له الشيخان واحتجَّا به فليس بضعيف، ولا ممن يطعن بفحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الجهالة، أو ظهور الفسق، فلا يكون حديثه منكرًا على المذهبين، نعم لو قال أبو داود: وهذا حديث مدلس لكان له وجه؛ لأن أصحاب ابن جريج رووا عن ابن جريج بزيادة واسطة بينه وبين الزهري وخالفهم همام فحذفه.
وقوله: "والوهم فيه من همام" مراده بذلك أن أصحاب ابن جريج أخرجوا بهذا السند، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه، فغَيَّرَ همام وقلب هذا المتن بمتن آخر، وهو "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه"، فهذا هو الوهم الذي وقع في الحديث من همام.
وهذه الدعوى أيضًا لا دليل عليها، بل يمكن أن يكون هذان حديثين مختلفين مرويين بهذا السند كما قال في "درجات مرقاة الصعود" (1): ولا مانع أن يكون هذا متنًا آخر في ذلك المتن، وقد مال إليه ابن حبان فصحَّحهما معًا، فلا علة له عندي إلَّا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه تصريحه بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في تنقيده، انتهى.
وأما قول الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، فلعل حكمه بالصحة يكون مبنيًا على أن يكون المتنان عند الترمذي بسندين مختلفين، ويكون المتن الأول عنده بدون واسطة زياد بن سعد، ولم يكن بين ابن جريج والزهري في رواية ذلك المتن واسطة، ويكون المتن الثاني مرويًا بزيادة زياد بن سعد بين ابن جريج والزهري، فيكون الحديثان عند الترمذي
(1)(ص 10).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صحيحين بسندين، ويمكن أن يكون حكمه بالصحة مبنيًا على أن لهذا الحديث شاهدًا.
قال الشارح في "درجات مرقاة الصعود": أخرج البيهقي (1) من طريق يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه"، وابن المتوكل هذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق يخطئ، وقال ابن معين: لا أعرفه.
فلما تعاضدت رواية همام برواية يحيى بن المتوكل - ولعله عند الترمذي ثقة - حكم بصحته، نعم يشكل على هذا حكم الترمذي بأنه غريب، اللهُمَّ إلَّا أن يقال: إن حكم الصحة لغيره، والغرابة مبنية على الاختلاف في يحيى بن المتوكل، فعلى رأي من وثقه حكم بالصحة، وأما على رأي من ضعفه كابن المديني والنسائي وابن معين فحكم بالغرابة، لأن وجوده كما لعدم.
وأما رواية ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه"، فأنكرها المحدثون وقالوا: هذا وهم من الزهري، إذ الذي ثبت من طرحه صلى الله عليه وسلم خاتمه فإنما هو خاتم ذهب لا خاتم فضة، وكان خاتم فضة عنده صلى الله عليه وسلم إلى آخر عمره الشريف، ثم عند أبي بكر كذلك، ثم عند عمر كذلك، ثم عند عثمان حتى سقط في زمانه في "بئر أريس"، فهذا الوهم ليس من همام بل من الزهري، ولعل همامًا أراد أن يصحح الرواية التي أنكرها المحدثون يحمل الإلقاء على إلقائه ووضعه عند قضاء الحاجة، لا على الإلقاء تحريمًا له، حتى يلزم الخلاف،
(1)"السنن الكبرى"(1/ 95).