الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مؤلف هذا الكتاب
وقد يُتساءل عن سببِ إغفال السابقين ذكرَ هذا الكتاب، وسبب نضوبِ ترجمة ابن بسام مع شهرة كتابه الذخيرة. ولعل سببَ ذلك هو أن ابنَ بسام قضى حياته في بلده شنترين، فلم يشتهر اسمُه إلا بظهور كتابه "الذخيرة"، ولم يلاق العلماءَ والرحالين، فلم يروِ عنه الراوون شيئا.
وقد يُشعِر بهذا السببِ ما قاله ابنُ سعيد في كتاب "المغرب في حُلَى المغرب" نقلًا عن كتاب "نجوم السماء في حُلَى العلماء" إذ قال: "الأديب أبو الحسن علي بن بسام التغلبي الشنتريني، العجبُ أنه لم يكن في حساب الآداب الأندلسية أنه سيُبعث من شنترين قاصيةِ الغرب (غرب الأندلس) ومحلِّ الطعن والضرب (الجهاد) مَنْ ينظمها قلائدَ في جيد الدهر، ويطلعها ضرائرَ للأنجم الزهر. ولم ينشأ بحضرة قرطبة ولا بحضرة إشبيلية ولا غيرهما من الحواضر العظام مَنْ يمتعضُ امتعاضَه لأعلام عصره ويجهَد في جميع حسنات نَظْمه ونَثْره. وسَلِ الذخيرة، فإنها تُعَنْوِنُ عن محاسنه الغزيرة". (1)
فقوله: "قاضية الغرب" إشارة إلى أنها ثغر مهدَّدٌ بغزوات الأعداء الجلالقة. فهذا سببُ إحجام الناس عن طلب العلم فيها. فإغفالُ الباحثين عن أبي الطيب المتنبي - مثل العكبري والبديعي - ذكرَ هذا الكتاب لأن كثرةَ التصانيف في ذلك الغرض في المشرق أذهلت الأدباءَ عن تطلب مثله في المغرب، حتى إن النسخة التي بقيت من هذا الكتاب هي منسوخةٌ بالمشرق بخط مشرقي (سنة 615 هـ).
وظَنِّي أن العُكبريَّ اطلع على هذا الكتاب، فإنه اتبع طريقتَه في الجمع بين الشرح وبيان المأخذ حيث يكون معنى البيت مأخوذًا من شعر سابق. ويكثر أن يوافقَ العكبريُّ ما في كتاب ابن بسام في عزو الشعر المأخوذ منه إلى غير معين. مثل
(1) المُغرِب في حُلى المغرب، ج 1، ص 417 - 418.
قول ابن بسام: "من قول بعض المحدثين"، ثم قال:"أو قول خالد الكاتب". (1) فقال العكبري: من قول الشاعر. ثم قال: وفيه نظر إلى قول خالد الكاتب (2). وقال وقال ابن بسام: "من قول النيديلجي"(3)، بنقط الحرفين اللذين بعد لام التعريف ونقط ياء النسب لا غير. فقال العكبري:"وهذا منقول من قول الآخر". (4) وقال ابن بسام: "من قول السديلحي"(5)، دون نقط للحروف، فقال العكبري:"وهو من من قول الآخر. . ." إلخ (6).
وأسلوبُ هذا الكتاب وطريقتُه توافق تمامَ الموافقة طريقةَ ابن بسام في كتابه "الذخيرة" من نسبة المعاني الشعرية إلى مَنْ سبق قائلَها، ومن التنظير بينها وبين ما يشبهها، ومن النقد لها بالثناء إن استحقته أو ضده إن اقتحمته، ومن الدلالة على شدة ملابسته لشعر أبي تمام وشعر أبي الطيب، بحيث يقوى الظنُّ بأن هذا التأليف لابن بسام صاحب كتاب "الذخيرة". وإليك مثلًا من ذلك قولَه في أثناء فصول في ذكر ترجمة عبد المجيد بن عبدون، وساق بيتًا له في وصف الذباب وهو:
عَلَى رُبًى لَمْ يَزَلْ شَادِي الذُّبَابِ بِهَا
…
يَلْهَى بِآنَقِ مَلْفُوظٍ وَمَضْرُوبِ (7)
"وصفُ (8) ابن عبدون للذباب أجاد فيه ما أراد. وقد تناول هذا المعنى أبو بكر بن سعيد البطليوسي، فقال من قصيدة:
(1) انظر ص 100 أسفله. - المصنف. يحيل المصنف على كتاب ابن بسام موضوع هذا المقال.
(2)
صفحة 170 جزء 3. - المصنف.
(3)
انظر ص 90 أسفله. - المصنف. يحيل المصنف على كتاب ابن بسام موضوع هذا المقال.
(4)
صفحة 39 جزء 3. - المصنف.
(5)
انظر ص 108 أسفله. - المصنف. يحيل المصنف على كتاب ابن بسام موضوع هذا المقال.
(6)
صفحة 272 جزء 3. - المصنف.
(7)
في الكتاب "وصفة"، وبيِّنٌ أنه تصحيف.
(8)
البيت هو الثاني في قصيدة من أربعة وعشرين بيتًا قالها ابن عبدون يمدح المعتمد بن عباد. ابن بسام: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ج 2، ص 698 - 699 (نشرة شوقي ضيف).
كَأَنَّ أَهَازِيجَ الذُّبَابِ أَسَاقِفٌ
…
لَهَا مِنْ أَزَاهِيرِ الرِّيَاضِ مَحَارِيبُ
وأخذه ابن عبدون من قول ابن الرومي يصف روضًا:
وَغَرَّدَ رِبْعِيُّ الذُّبَابِ خِلَالَهُ
…
كَمَا حَثْحَثَ النَّشْوَانُ صَنْجًا مُشَرَّعَا
وَكَانَتْ أَهَازِيجُ الذُّبَابِ هُنَاكُمُ
…
عَلَى شَدَوَاتِ الطَّيْرِ ضَرْبًا مُوَقَّعَا
وإنما اخترعه أولًا عنترة بقوله:
وَخَلَا الذُّبَابُ بِهَا يُغَنِّي وَحْدَهُ
…
هَزِجًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنِّمِ
غَرِدًا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ
…
فِعْلَ المُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأَجْذَمِ
وهذا من التشبيه الذي ما له شبيه، ولم يجسر عليه أحد، غير أن ذا الرمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال:
كَأَنَّ رِجْلَيْهِ رِجْلَا مُقْطِفٍ عَجِلٍ
…
إِذَا تجَاذَبَ مِنْ بُرْدَيْهِ تَرْنِيمُ
والمقطف راكب الدابة القطوف، فنقل صفة يدي الذباب إلى رِجل الجندب، فأحسن الأخذ، وكأنه لم يعرض لعنترة في معناه.
وقال السلامي في صفة زنبور:
إِذَا حَكَّ أَعْلَى رَأْسِهِ فكَأَنَّمَا
…
بِسَالِفَتَيْهِ مِنْ يَدَيْهِ جَوَامِعُ
فباعَدَ عنترةَ في الصفة وإن قاربه في الموصوف، وتعلق في اللفظ بصريع الغواني إذ يقول في النساء:
فَغَطَّت بِأَيْدِيهَا ثِمَارَ نُحُورِهَا
…
كَأَيْدِي الأُسَارَى أَثْقَلَتْهَا الْجَوَامِعُ
وقد قال بعضُ أهل أفقنا، وهو يوسف بن هارون الرمادي (1):
(1) يوسف بن هارون الرمادي الكندي أبو عمرو، من أهل قرية رمادة بفتح الراء وتخفيف الميم. ترجمه في "المغرب في حلى المغرب (صفحة 392 جزء 1، طبع دار المعارف) وقال: هو من مداح المنصور بن أبي عامر. - المصنف.