الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك أن أبا بكر بَيَّن لعمر أن مجرد النطق بالشهادتين مانعٌ من القتل لأجل الكفر، وبقي القتل لأجل حقوق الإسلام، وقد ثبت القتل على الصلاة، وثبتت مقارنة الزكاة للصلاة في آيات القرآن، مع أن الزكاة حق المال. وفيه منزع جليل؛ فإن الله تعالى خاطب بني إسرائيل حين خاطبهم بالدعوة للإسلام في سورة البقرة فقال:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [البقرة: 43]، فخص هذين العملين من بين أعمال الإسلام تنبيهًا على أنهما الدليلُ على صدق إسلام من أسلم؛ لأن كلمة الشهادة قد يسهل النطق بها؛ لأنه لو لم يكن صادقًا لمَا تجشم كلفة الصلاة ولمَا هان عليه بذلُ ماله. فلما قرن الله الصلاةَ بالزكاة فذلك تنبيهٌ على اتحاد حكمهما، فكما يعد تارك الصلاة - إبايةً لا جحودًا - كافرًا عند بعض العلماء يستوجب القتلَ عند بعض والتعزيرَ الذي قد يبلغ القتلَ عند آخرين، فكذلك شأنُ الزكاة.
ثم قال: ربما كانت هناك ظروفٌ ساعدت على أن تُشرب إمارةُ أبي بكر معنًى دينيًّا؛ لأنه كانت له منزلةٌ رفيعة عند الرسول، وكان يحذو حذوَه في خاصته وعامة أموره. فذلك من أسباب تسرب الخطأ إلى عامة المسلمين، ففشا بينهم أن الخلافة مقامٌ ديني، ثم روج ذلك السلاطينُ حتى صارت مسألةُ الخلافة من عقائد التوحيد (ص 101 - 103).
[خاتمة]
ونحن نكتفي بما قدمناه في تضاعيف ردودنا مما أراك أيها المطالع أن الخلافة بمعناها الحقيقي هي ركن ديني، بل هو الحافظ الأركان الدين كلها. ولا يخفى عن فطنتك أن الحكم في مثل هذه المهمات لم يكن يومئذ من شؤون العامة، بل إن الذين سموا أبا بكر خليفة ولقبوا إمارته بخلافة هم أعيان الصحابة وجميع أهل الحلّ والعقد، وإن مثلهم ممن لا تختلط عليه الأحوال.
وختم كلامَه بأن الحق أن الدين بريء من الخلافة، وليست هي بخطة دينية، لا هي ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم. فتلك خططٌ سياسية كتدبير
الجيوش وعمارة المدن. وكلها لم يعرفها الدين ولم ينكرها، وإنما تركها لنا لنرجع إلى إحكام العقل وقواعد السياسة إلخ.
وفي هاته الجمل كشفَ القناعَ عن مراده، وترك التوريةَ والتوجيه، ونفى عن الخلافة وعن القضاء الارتباطَ بالدين، وجعل ذلك خططًا سياسية، وجزم بأن ربطهما بالدين غلطٌ وتمويه، وبذلك سفّه كلَّ خليفة وفقيه.
فإن مَنْ يطلع على كتب الحديث والسيرة والتاريخ يرى أن علماء المسلمين وقواد جيوشهم وأفاضلَ كل عصر، كانوا إذا بايعوا الخليفة من عهد أبي بكر فما بعد بايعوه على كتاب الله وسنة رسوله. فإذا كانت الخلافةُ خطةً سياسية فما وجهُ ربطها بالكتاب والسنة؟ وقد جعلوا خروجَ الخليفة عن أصول الدين في مواضع معينة موجبًا لخلعه، كما جعلوا خروجَ القاضي عن الشروط المعروفة في الفقه أو عن القضاء بالطريق الشرعي موجبًا لعزله لعدم انعقاد حكمه. فإذا كان يرى جميع ذلك من التهويل والتمويه، ولا يرى أن سلف الأمة وعلماءها عن هاته المقاصد في مقام التنزيه، فحسبك بهذا دليلًا على قيمة كتاب أصول الحكم وما فيه.
ولعل فيما أتينا به من مجمل القول وتفصيله ما يكون لتعطش المطلع خيرَ شاف، ولا حاجةَ إلى زيادة الإطناب، فليس الرأي عن المتشاف.