الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بشار مع مثل عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء من العلماء، إلا أنهما عَظُما بالتقوى، واشتُهر بشار بالمجون.
و
شعر بشار
يدل على أن له رتبةً مكينة في السيرة النبوية، وفي الأخبار والآثار وأيام العرب، وتراجم الشعراء وما أخذ عليهم، وما اختير لهم من الشعر، ألا ترى قوله (في الورقة 132):
إِنَّ النُّحَيْلَةَ لَوْ يَمِيلُ بِهَا الصَّبِىُّ
…
كَالقِنْوِ مَالَ عَلَى أَبِي الدَّحْدَاحِ (1)
يشير إلى منقبة أبي الدّحداح التي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كم من عِذْق رَداح في الجنة لأبي الدحداح". (2)
شعر بشار:
معروفٌ من أصول الأدب تقسيم الشعراء إلى أربع طبقات: جاهلي، ومخضرم، وإسلامي متقدّم، ومولّد. فالجاهلي مَنْ نشأ وانقرض قبل الإسلام، وهم شعراء مدة مائة وخمسين سنة قبل الهجرة، لا يعدو المعروفُ منهم هذا الزمن. والمخضرَم مَنْ قال شعرًا في الجاهلية وأسلم، وهو بفتح الراء من الخَضْرمة، وهي القطع؛ لأن الإسلام قطعهم عن الكفر، قال ابن فارس: وهذا اللقب من الأسماء التي أحدثت لهم في الإسلام (3).
(1) ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 94. والبيت من قصيدة من سبعة وعشرين بيتًا من بحر الخفيف قالها بشار في بعض ندمائه. وقد جاءت في الديوان عبارة "البخيلة" بدل النحيلة.
(2)
عن أنس بن مالك: أن رجلًا قال: "يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها فمره أن يعطيني أقيم حائطي بها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطها إياه بنخلة في الجنة". فأبى، وأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلك بحائطي. قال: ففعل. قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، فجعلها له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة"، مرارًا. فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني بعته بنخلة في الجنة". الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، "كتاب البيوع"، الحديث 2249، ج 2، ص 25.
(3)
أورد المصنف كلامَ ابن فارس ببعض تصرف، ولفظه:"وقد كانت حدثت في الإسلام أسماء، وذلك قولهم لمن أدرك الإسلام من أهل الجاهلية: مخضرم". ثم قال: "وتأويل المخضرم مِن =
وأنا أحسب أن هذا اللقب سرى إليهم من وصف الإبل التي أسلم أهلُها وجعلوا لها سماتٍ تعارفوها تنبئ بأن أهلها مسلمون، وهي شق آذان إبلهم، وذلك الشق يسمى خضرمة. يدلّ لذلك ما ورد في حديث وفد جَسْر وهم بطن من قُضاعةَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن جسْرًا طلقاء الله أسلموا وخَضرَموا"، قال ابن منده:"والخضرمة شق آذان الإبل حتى إذا أغارت عليهم خَيْلُ المسلمين عرفوها فلم تُهَج". (1)
والإسلامي المتقدم، مثل عُمر بن أبي ربيعة والفرزدق وجرير؛ والمولدون مثل بشار ومَنْ بعده كأبي تمام. وقد قسمهم الأدباء أيضًا إلى أمويٍّ مثل أبي عطاء السِّندي، وعباسيٍّ مثل أبي تمام، ومخضرم الدولتين وهو الذي أدرك بشعره الدولةَ الأموية والدولة العباسية، مثل بشار والعجّاج وأبي النجم وذي الرمة. وبشارٌ إلى الدولة الأموية أقرب، وشعرُه في مدتها أكثر. وقد كان شعرُه شائعًا في زمن الخليفة الوليد بن يزيد، ففي الأغاني أن محمدًا بن عمران الضبِّي قال: أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشار:
أَيُّهَا السَّاقِيَانِ صُبَّا شَرَابِي
…
وَاسْقِيَانِي مِنْ رِيقِ بَيْضَاءَ رُودِ
. . . . الأبيات". (2)
= خضرم الشيء، أي: قطعه. وخضرم فلان عطيته، أي: قطعها، فسمي هؤلاء [يعني جماعة من الشعراء ذكرهم] مخضرمين، كأنهم قطعوا من الكفر إلى الإسلام". ابن فارس: الصاحبي في فقه اللغة، ص 53.
(1)
انظر الحديث وكلام ابن منده في ترجمة مالك بن أبي العيزار (الترجمة رقم 7682). ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق علي محمد البجاوي (بيروت: دار الجيل، 1412/ 1992)، ج 5، ص 744. وفيه:"حتى إذا غارت عليهم خيلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت ولم تهج".
(2)
وهي ستة أبيات من بحر الخفيف. والرود: الشابة الحسناء الناعمة، والأصل فيها الهمز (رؤد)، وقد خففت للضرورة الشعرية. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 187 (نشرة القاهرة)؛ =
وقد أظهر بشارٌ تشيّعَه للأمويين في قصيدته التي طالعها: "جَفَا وِدُّهُ فَازْوَرَّ أَوْ مَلَّ صَاحِبُهْ"(1)، والقصيدة التي طالعها:"أَأَحْزَنَك الأُلَى ظَعَنُوا فساروا"(2). فهو أقربُ إلى أبي عَطاء السِّنْديّ (3)، إلا أن أبا عطاء ترك قولَ الشعر عند ظهور الدولة العباسية، وبشارًا قَلَبَ ظهْرَ المِجَن، فصانع العباسيين. وقد عُدّ بشار أولَ المولدين وآخِرَ المتقدمين من الإسلاميين، هكذا يقول أهل الأدب، ولقبه في العُباب (4) بأبي المحدثين.
وأنَا أُبَيِّنُ لك وجهَ هذا الحكم: اعلمْ أن الشعراء الذين طوّروا الشعرَ فيما عُرِف من أزمان تاريخ الشعر العَربي قبل بشار (5) هم: المُهَلْهل، وامرؤُ القيس،
= الأغاني، ج 1/ 3، ص 676 (نشرة الحسين)؛ المختار من شعر بشار، ص 296؛ الحصري القيرواني، أبو إسحاق إبراهيم بن علي: زهر الآداب وثمر الألباب، تحقيق يوسف علي طويل (بيروت: دار الكتب العلمية، 1417/ 1997)، ج 1، ص 380. ويبدو أن المصنف عليه رحمة الله سها عن ضم هذه الأبيات إلى ما حققه من شعر بشار، فإني لم أعثر عليها فيه بما في ذلك الملحقات التي تكون الجزء الرابع. وكذلك لم يدرجها مهدي محمد ناصر الدين في نشرته لشعر بشار بعنوان ديوان بشار بن برد (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1413/ 1993).
(1)
وتمام البيت: "وَأَزْرَى بهِ أَنْ لَا يَزَالَ يُعَاتِبُهْ". وهو من قصيدة من خمسة وثمانين بيتًا من بحر الطويل، ذكر أبو الفرج أن بشارًا قالها في مدح يزيد بن عمر بن هبيرة. وجاء في الديوان أنه قالها في مدح مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية (وهو الملقب بالحمار لحرونه وبسالته في الحرب لا يتزحزح) وفي مدح قيس عيلان من قبائل العرب المضرية. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 236 - 237 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 710 (نشرة الحسين). وانظر القصيدة كاملة في: ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 325 - 340.
(2)
وعجز البيت: "أَجلْ فَالنَّوْمُ بَعْدَهُمْ غِرَارُ"، والقصيدة تشتمل على أربعة وسبعين بيتًا من بحر الوافر. ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 223 - 233.
(3)
واسمه مرزوق، وهو من موالي أسد بن خزيمة، وكان في لسانه لثغة. انظر أخباره في الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 17، ص 327 - 340 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 6/ 17، ص 499 - 508 (نشرة الحسين).
(4)
"العباب شرح أبيات الآداب" لشرف الدين حسن بن صالح العدوي اليمني، شرح على أبيات كتاب الآداب لمجد الملك بن شمس الخلافة. مخطوط بمكتبتي. - المصنف.
(5)
أما الذين طوروا الشعرَ بعد بشار، فأبو تمام، وأبو الطيب المتنبي، وأبو العلاء المعري، والوشاحون من الأندلسيين. - المصنف.
والنّابغة الذبياني، والأعشى ميمون، وعُمر بن أبي ربيعة. فأما المهلهل فهو أول من هَلْهَلَ الشعر، كما قال أئمةُ الأدب في وجه تلقيبه بالمهلهِل، ومعنى هلهل الشعر: رقّقه وحسّنه (1). واما امرؤ القيس فقد ابتكر التشبيهات البديعة، ووصَفَ مجالسه مع النساء. وأما النابغة فقد ذكر المقاولاتِ والاعتذارات، ووصف مجالس الملوك. وأما عُمر بن أبي ربيعة، فقد ابتكر وصفَ أحوال النساء في مجالسهن الغزلية. وكلُّ هؤلاء لم يَعْدُوا الطريقةَ المعروفة عند العرب.
أما بشار بن برد فقد أحدث طريقةً وسطًا، فهو آخرُ المتقدِّمين؛ لأن لهجةَ شعره وجَزالة ألفاظه ورواجَ اللغة العربية في شعره وطريقتَه العربية في كثير من شعره، وذِكْرَه مفاخر القبائل وأيامها وانتصارها، كلُّ ذلك لم يقصر في شيء منه عن المتقدمين، وكان يحتذي حذوَه في هذه الصفة البحتري في شعره.
وبشار أولُ المولدين؛ لأن امتلاء شعره بالمعاني الجديدة والعادات الحضرية من نسيب رقيق وخمريات وزَهريات وهجاء مقذع، مع النُّزوع إلى بعض العناية بالمحسنات اللفظية والمعاني العلمية؛ كُلُّ ذلك سُنّة خالف بها طرائقَ الشعر العربي القديم، وقد سنها للمولَّدين، فهم يقتفون آثاره، ويلحقون غباره. وأولُ مَنْ اقتفى طرائقَه سَلْمٌ الخاسر وأبو نُوَاس ومسلم بن الوليد وأبو تمّام، وكلٌّ في ناحية من نواحي شعر بشار، على تفاوتٍ فيهم من إكثار وإقلال.
(1) كذا قال ابن قتيبة. وأما الجمحي فقال: "وإنما سمي مهلهلًا لهلهلة شعره كهلهلة الثوب، وهو اضطرابه واختلافه"، وهو غير المعنى الذي ذكر هنا. الدينوري: الشعر والشعراء، ص 168؛ الجمحي: طبقات الشعراء، ص 38. وذكر القالي سببًا آخر في تلقيبه هذا اللقب، فقال: "وقرأت على أبي بكر بن دريد، وأملى علينا أبو الحسن الأخفش، قال: مهلهِل بن ربيعة، ومهلهل لقب، وإنما سمي مهلهلًا بقوله:
لمَّا تَوَعَّرَ فِي الغُبَارِ هَجِينُهُمْ
…
هَلْهَلْتُ أَثْأَرُ جَابِرًا أَوْ صِنْبِلَا
هذا قول أبي الحسن وأبي بكر"، ثم قال: "وقرأت على أحمد، عن أبيه: إنما سمي مهلهِلًا؛ لأنه أول مَنْ أَرقَّ المراثي". القالي: كتاب الأمالي، ص 384 - 385.
ثم إن بشارًا قد رُزق ذهنًا وقّادًا وفطرةً سليمة، ثم أعانه على نماء ذلك فقدُ بصره، فقوي خيالُه، وأيضًا إحاطة حفظه وعلمه. ثم قُدِّر له أن رُبِّيَ بين فصحاء العرب في بني عُقيل، وسكن البصرة التي هي مصر البادية العربية، وهي سوق سائر العرب يومئذ، وفيها تسمع مبتكرات أشعارهم ومحفوظاتهم من أشعار سلفهم، ولذلك كان النحوُ العربي مقرُّه البصرة.
نبغ بشارٌ في خلافة هشام بن عبد الملك، أيام عَظُمَ مُلك الإسلام، واجتمعت أمتُه تحت دولة واحدة. قال الخطيب في تاريخ بغداد إن "بشارًا قال الشعر ولم يبلغ عشر سنين" (1). وقد قال بشار:"هجوت جريرًا فاستصغرني، وأعرض عني، ولو أجابني لكنتُ أشعر الناس". (2)
وفي الأغاني أن أحمد بن المبارك قال: "قلت لبشار: ليس لأحد من شعراء العرب شعرٌ إلا وقد قال فيه شيئًا استنكرتْه العربُ من ألفاظهم وشُكَّ فيه، وإنه ليس في شعرك ما يُشَكُّ فيه. قال (بشار): ومن أين يأتيني الخطأ؟ وُلدتُ ها هنا، ونشأتُ في حجور ثمانين شيخًا من فصحاء بني عُقيل، ما فيهم أحدٌ يعرف كلمةً من الخطأ. وإن دخلتُ إلى نسائهم فنساؤُهم أفصحُ منهم، وأيْفَعْتُ فأُبْدِيتُ (أي سكنت البادية) إلى أن أدركتُ، فمن أين يأتيني الخطأ؟ "(3)
وقد قال في وصف شعره:
(1) الخطيب البغدادي: تاريخ مدينة السلام، ج 7، ص 611.
(2)
قال الأصفهاني: "وأخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: قال أبو عبيدة: قال بشار الشعر ولَمْ يبلغ عشر سنين، ثم بلغ الحُلُم وهو مخشيٌّ معرة لسانه. هجا جريرًا فأعرض عنه استصغارًا له. قال: وكان بشار يقول: هجوتُ جريرًا فأعرض عني واستصغرني، ولو أجابني لكنتُ أشعرَ الناس". كتاب الأغاني، ج 3، ص 143 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 646 (نشرة الحسين).
(3)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 149 - 150 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 651 (نشرة الحسين).
وَشِعْرٍ كَنَوْرِ الرَّوْضِ لَاءَمْتُ بَيْنَهُ
…
بِقَوْلٍ إِذَا مَا أَحْزَنَ الشِّعْرُ أَسْهَلا (1)
لذلك قال أئمةُ الأدب: إنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غَزِلٌ ولا مغنيةٌ ولا نائحةٌ إلا يَروي من شعر بشار فيما هو بصدده (2). ومما أقبل بالناس على شعر بشار أنه لم يَقصِرْ نفسه على متابعة المتقدمين من الشعراء في معانيهم، بل أودعه المعاني الحضرية المستجدَّة في عصره، فوصف حالةَ الناس في عصره ومحاسن شرابهم وبستانهم، كما في قوله:
فِي جِنانٍ خُضْرٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
…
قَيْصَرِيٍّ حَفَّتْ بِهِ الأَعْنَابُ
فَوْقَهَا مَلْعَبُ الحمَامِ وَيَسْتَـ
…
ـنُّ خَلِيجٌ مِنْ دُونِهَا صَخَّابُ (3)
وضمّنه أحوالَ الناس، كقوله:
(1) ذكر هذا البيت مع أبيات أخر له عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز، ص 368، وقد ذكرتُها في الملحقات. - المصنف. وهذا البيت واحدٌ من ثلاثة في معنى واحد يصف فيها بشار نفسَه وحاله من حيث العلم والمعرفة، والبيتان قبله:
عَمِيتُ جَنِينًا، وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى
…
فَجِئْتُ عَجِيبَ الظَّنِّ لِلْعِلْمِ مَوْئِلَا
وَغَاصَ ضِياءُ العَيْنِ لِلْعِلْمِ رَافِدًا
…
لِقَلْبٍ إِذَا مَا ضَيَّعَ النَّاسُ حَصَّلَا
الجرجاني، عبد القاهر: كتاب دلائل الإعجاز، ص 512 - 513.
(2)
زيدان، جرجي: تاريخ آداب اللغة العربية، طبعة راجعها وعلق عليها الدكتور شوقي ضيف (القاهرة: دار الهلال، بدون تاريخ)، ج 2، ص 57.
(3)
البيتان من قصيدة من أربعة وستين بيتًا من بحر الخفيف، قالها بشار في مدح روح بن حاتم، طالعها:
طَرَقَتَنَا بالزَّابيَيْنِ الرَّبَابُ
…
رُبَّ زَوْرٍ عَلَيْكَ منْهُ اكْتِئَابُ
وآخرها:
يَابْنَ روحٍ أَشْبَهْتَ رَوْحًا وَمَنْ يُشْـ
…
ـبِهْ أَبَاهُ تُتْمَمْ لَهُ الأَنْسَابُ
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 348 - 355.
وَأَصَابَهُ سِحْرُ النُّحَيْلَةِ بَعْدَ مَا
…
أَلِفَ الصَّلَاةَ وَعَاذَ بِالمِسْبَاحِ (1)
فذكر المسباح، وهو المسبِّحة. وكقوله:
وَيُعْطِيكَ ذُلًّا إِذَا رُعْتَهُ
…
كَمَا ذَلَّ لِلْقَدَمِ المِرْبَدُ (2)
يعني مربدَ البصرة، لكثرة مَنْ يدخله من الناس فقد ذل للأقدام.
وعبر عن مصطلحات عصره، كقوله:
إِنِّي وَإِنْ كُنْتُ حَمَّالًا أُجَاوِرُهُ
…
صَرَّامَ حَبْلِ التَّمَنِّي بِالأَكَاذِيبِ (3)
فذكر الحمال، وقوله:
أَرَاكُمْ أُنَاسًا سَمْنُكُمْ فِي أَدِيمِكُمْ
…
مَجُنْتُمْ فَلَا تَسْتَغْفِرُونَ لِحُوبِ (4)
وعبر عن عقائد العامة، فقال:
إِذَا خَدِرَتْ رِجْلِي شَفَيْتُ بِذِكْرِهَا
…
أَذَاهَا فَأَهْفُو بِاسْمِهَا حِينَ تُنْكَبُ (5)
(1) المصدر نفسه، ج 1/ 2، ص 93. والبيت من قصيدة من سبعة وعشرين بيتًا من بحر الكامل، وهي في النسيب والمجون. وجاء في الديوان لفظ "البخيلة" بدل "النحيلة".
(2)
المصدر نفسه، ج 2/ 3، ص 118. البيت من واحد وخمسين بيتًا من بحر المتقارب قالها بشار في هجاء حماد عجرد وكذلك في التشبيب بامرأة اسمها مهدد.
(3)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 223. والبيت من قصيدة من واحد وعشرين بيتًا من بحر البسيط قالها في النسيب بعبدة.
(4)
الحوب: الظلم والذنب. والبيت هو الحادي والثلاثون من قصيدة من خمسة وأربعين بيتًا من بحر الطويل قالها بشار في هجاء أبي هشام الباهلي، ومطلعها:
ذَكَرْتُ شَبَابِي اللَّذَّ غَيْرَ قَرِيبِ
…
وَمَجْلِسَ لَهْوٍ طَابَ بَيْنَ شُرُوبِ
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 378.
(5)
المصدر نفسه، ج 1/ 1، ص 313. والبيت من قصيدة من سبعة وستين بيتًا من بحر الطويل قالها بشار في مدح سليمان بن هشام بن عبد الملك.
وجاء بلفظ "ست" وهي كلمة جديدة في عصره بمعنى السيدة، وكانوا يعيبون استعمالها، وبشار لم يعبأ بهم، قال البهاء زهير:
أُنَادِيهَا إِذَا حَضَرَتْ بسِتِّي
…
فَيَلْحَظُنِي النحاةُ بِعَيْنِ مَقْتِ (1)
ونظم ألفاظ التحبب - كقولهم: "نور عيني" - في مواضع، منها ما في الورقة 31 (2). وكما ذكر الرواحل في الأسفار، ذكر الزوارقَ واختراقَها الفرات ودجلة (3). وأشار إلى الحكايات، كقوله:
(1) هو الوزير أبو الفضل زهير بن محمد المهلبي الملقب ببهاء الدين، كان وزيرًا للملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل. له شعر يتميز برقة الأسلوب وسهولته وسلاسته. توُفِّي سنة 656 هـ. والبيت المذكور هو الأول من مقطوعة ثلاثية من بحر الوافر، وهو مختلف عما ساقه المصنف هنا، والمقطوعة هي:
بِرُوحِي مَنْ أُسَمِّيهَا بِسِتِّي
…
فَتَنْظُرُنِي النُّحَاةُ بِعَيْنِ مَقْتِ
يَرَوْنَ بِأَنَّنِي قَدْ قُلْتُ لَحْنًا
…
وَكَيْفَ وَإِنّي لَزُهَيْرُ وَقْتِي
وَلَكِنْ غَادَة مَلَكَتْ جِهَاتِي
…
فَلَا لحْنٌ إِذَا مَا قُلْتُ سِتِّي
ديوان البهاء زهير، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ومحمد طاهر الجبلاوي (القاهرة: دار المعارف، ط 2، 1982)، ص 49.
(2)
سيأتي ذكر بعض تلك الأبيات بعد قليل، فانظرها في موضعها.
(3)
من ذلك قوله في الرواحل من قصيدة يمدح فيها سليمان بن داود الهاشمي من ولد عبد الله بن العباس:
يَا سُعْدُ إِنِّي عَدَانِي عَنْ زِيَارَتِكُمْ
…
تَقَاذُفُ الْهَمِّ وَالمَهْرِيَّةُ النُّجُبُ
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 256؛ وانظر كذلك الأبيات السادس والعشرين حتى الثالث من قصيدة قالها في مدح داود بن حاتم (المصدر نفسه، ص 303 - 304). أما ذكره السفن والزوارق فمنه قوله يصف سير رواحل إبلٍ أثناء مطر شديد:
يَسْبَحْنَ فِي عَدْرَةِ السَّمَاءِ كَمَا
…
شَقَّ الْعَدَوْلِيُّ زَاخِرًا صَخِبَا
(المصدر نفسه، ج 1/ 1، ص 345). والبيت هو الأربعون في قصيدة من بحر المنسرح قالها بشار يمدح المهدي، والْعَدَوْلِيُّ السفين أو الزورق المنسوب إلى عَدَوْلَى (بياء مقصورة)، قبيلة من أهل البحرين مشهورة بإجادة صناعة السفن.
كَقَائِلَةٍ إِنَّ الحِمَارَ - فَنَحِّهِ
…
عَنِ القَتِّ - أهلُ السِّمْسِمِ المُتهَذِّبِ (1)
وقوله:
فَصِرْتُ كَالهِقْلِ غَدَا طَالِبًا
…
قَرْنًا فَلَمْ يَرْجِعْ بِأُذْنَيْنِ (2)
(1) البيت من قصيدة من اثني عشر بيتًا من بحر الطويل، قالها بشار في النسيب بمحبوبته عبدة. وفي شرح هذا البيت وبيان ما فيه من نكت بلاغية، قال المصنف عليه رحمة الله: "أي كالتي حاولت إكرام الحمار فقطعت عنه أكلَ القت، وأطعمته السمسم وهو لا يريده. والقت (بقاف مفتوحة): الفصفصة، وهي نبتٌ شهي للدواب، وتُعرف في تونس بالفصة. والسمسم: الجلجلان، وبذلك يظهر وجهُ التشبيه. فالفاء في قوله: فنحه عن القت، فاء الفصيحة، أي إن كان من أهل السمسم فنحه عن القت، كالفاء في قول عباس بن الأحنف:
قَالُوا: خُرَاسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا
…
ثُمَّ القُفُولُ، فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا
وقد أتى بجملة: "فنحه" مقدمة على دليل شرطها للضرورة، كما قال في البيت 21 من هذه الورقة:
إنَّ الحَبِيبَ - فَلَا أُكَافِئُهُ -
…
بَعَثَ الخَيَالُ عَلَيَّ وَاحْتَجَبَا
ونظيره تقديم المعطوف على المعطوف عليه عند هشام [لعله ابن هشام الأنصاري] في ضرورة الشعر". انتهى كلام ابن عاشور. ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 198 (الحاشية رقم 1). وانظر بيت بشار في المصدر نفسه، ص 200، وهو من قصيدة قالها في النسيب بعبدة. أما بيت العباس بن الأحنف فهو الأول من مقطوعة من خمسة أبيات، وقد غناه الموصليان: إسحاق وابنه إبراهيم. الأصفهاني: الأغاني، ج 3/ 8، ص 481 (نشرة الحسن)؛ ديوان العباس بن الأحنف، تحقيق عاتكة الخزرجي (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1373/ 1954)، ص 279.
(2)
والحكاية المشار إليها في هذا البيت هي قولهم: "ذهب يبتغي قرنًا فلم يرجع بأذنين". وقد رُوي البيتُ بألفاظ مختلفة، فجاء - كما رواه ابن قتيبة - بلفظ:
فَكُنْتُ كَالعَيْرِ غَدَا يَبْتَغي
…
قَرْنًا فَلَمْ يَرْجِعْ بأُذُنَيْنِ
وكذلك جاء بلفظ:
لَا تَكُنْ كَالحِمَارِ إذْ طَلَبَ القَرْ
…
نَ لِنَفْعٍ فَضَيَّعَ الأُذُنَيْنِ
وهو ما أثبته المصنف في الديوان. وهذا ثان لبيتين قيل إنهما يُرويان لأبي العيناء، وأولهما:
لَقَبيحٌ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ
…
بَعْدَ وَصْلٍ قَطيعَةُ الأَخَوَيْنِ
الدينوري: عيون الأخبار، ج 3، ص 141؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، (الملحقات)، ص 247. والهقل: الظليم، والفتي من النعام.
وهو - فيما رأيت - أولُ شاعرٍ ذكر شربَ الخمر على ذكر الأحبة في الحزن وضده، كقوله في الديوان:
فَاشْرَبْ عَلَى مَوْتِ إِخْوَانٍ رُزِئْتَهُمُ
…
بَابُ المَنِيّةِ عَنِّي غَيْرُ مَسْدُودِ (1)
وقوله في الملحقات:
فَاشْرَبْ عَلَى أُبْنَةِ الزَّمَانِ فَمَا
…
تَلْقَى زَمَانًا صَفَا مِنَ الأُبنِ (2)
وقوله أيضًا:
فَاشْرَبْ عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مُرْتَفِقًا
…
لَا يَصْحَبُ الهَمُّ قَرْعَ السِّنِّ بِالكَاسِ (3)
وقد سرى ابتكارُ بشار من ابتكاره المعاني إلى أن ابتكر الأساليب، فنظم الشعرَ على طريقةٍ لم تكن معروفة، وهي طريقة المراسلة، و [من] ذلك رسالةٌ شعرية راسل بها عَبدة، وهي في الديوان:
مِنَ المَشْهُورِ بِالحُبِّ
…
إِلَى قَاسِيَةِ القَلْبِ
سَلَامُ الله ذِي العَرْشِ
…
عَلَى وَجْهِكِ يَا حِبِّي
فَأَمَّا بَعْدُ يَا قُرَّ
…
ةَ عَيْنِي وَمُنَى قَلْبِي (4)
إلى آخره.
(1) ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 143. والبيت من قصيدة من خمسة وثلاثين بيتًا من بحر البسيط قيلت في التحسر على صديقين أحدهما صالح بن عبد القدوس، وفيها يفخر بشار بجلده وصبره على المصائب، كما يتعرض لهجاء حماد عجرد.
(2)
البيت هو الثالث من مقطوعة من تسعة أبيات. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 241 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 713 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 230.
(3)
البيت هو الأخير من أربعة قالها بشار في التذمر من هموم الدهر. المختار من شعر بشار، ص 166؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 100.
(4)
الأبيات من مقطوعة من ثمانية أبيات من بحر. ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 233.
إن العصر والحالة اللذين تيسر لبشارٍ أن يوجد فيهما قد كانا بحكم المصادفة سببًا قويًّا خَوَّل مواهبَه الفطرية النادرة أن تظهر في مظهر الشاعر العربي الفائق المعاني الفصيح البليغ. فقد كان عصرُ الدولة الأموية عصرًا نضِجَتْ فيه الحضارةُ العربية الخالصة، وكان آخرُ ذلك العصر هو آخرَ عهدٍ بالأدب العربي السليم من الدخائل، وكان نزولُ قبائل العرب الخُلَّص حول أول مصر إسلامي عربي، وهو البمرة التي ظهر فيها شباب حضارة إسلامية عربية بريئة من العجمة. وكانت نشأةُ بشار بين ظهراني أولئك العرب الأقحاح.
كان كلُّ ذلك عونًا كبيرًا على تكوين شاعرية بشار، وجمعه مخيلةً تحوي دقةَ المعاني الحضرية الجارية على الذوق العربي، من رفاهية وغرام ومجون وأصالة رأي وسعة علم، ثُم من فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني. فإذا افتقدتَ مجموعَ ما تأتَّى له، وجدتَه لم يتَأتَّ لأحد غيره، مِمَّنْ تقدمه ولا لِمَنْ تأخر عنه. فلذلك كان بحق هو أولَ الشعراء المتأخرين من حيث الوجهةُ الأولى، وآخر الشعراء المتقدمين من حيث الوجهةُ الثانية.
فإذا كان الذين تقدموه - مثل النابغة وحسان وعُمر بن أبي ربيعة والعَرْجِي (1) - قد شاركوه في الفصاحة والبلاغة والمعاني القديمة، فإنهم لم يكتسبوا
(1) قال الأصفهاني في نسبه من قبل أبويه: "هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. وقد شرح هذا النسب في نسب أبي قطيفة. وأم عفان وجميع بني أبي العاص آمنة بنت عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب. وأم عثمان أروى بنت كريز بن ربيعة بن حيب بن عبد شمس. وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهي أخت عبد الله بن عبد المطلب أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأمه وأبيه ولدا في بطنٍ واحدٍ. وأم عمرو بن عثمان أم أبان بنت جندب الدوسية. . . [و] لقب العرجي لأنه كان يسكن عرج الطائف. وقيل: بل سمي بذلك لماءٍ كان له ومالٍ عليه بالعرج. وكان من شعراء قريش، ومن شهر بالغزل منها، ونحا نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك وتشبه به فأجاد. وكان مشغوفًا باللهو والصيد، حريصًا عليهما، قليل المحاشاة لأحدٍ فيهما. ولم يكن له نباهةٌ في أهله، وكان أشقر أزرق، جميل الوجه. وجيداء التي شبب بها هي أم محمد بن هشام بن =
ما أكسبتْه الحضارةُ من دقة معاني المعارف والحكمة وعظمة الدولة ورقة الغرام والمجون. وإذا كان المتأخرون عنه - مثل أبي نواس وأبي تمام والبحتري - قد شاركوه في هذه الرقة ونسجوا على منواله، فإنهم لم يَسْعَدوا بما سعِد به بشارٌ من النشأة في الفصاحة والبلاغة الخالصتين. وإذا كان معاصروه - مثلُ صالح بن عبد القدوس وحمّاد عجرد وأبي العتاهية من شعراء الحضر - قد شاركه بعضُهم في المعاني الحضرية وبعضُهم في المعارف العقلية، فإنهم لم يتفق لأحدٍ منهم أن ينال مثلَ حظ بشار في نشأته العربية البدوية.
إذا عددتَ من معاصريه ومَنْ تقدمه قليلًا من شعراء البادية أمثالِ رُؤْبَةَ وذي الرمَّة وأمثال الفرزدق وجرير، لم تجد في شعرهم ما تجد في شعر بشار من دقّة المعاني ولا من رقّة الألفاظ. وهذا سر اللقب الذي منحه أئمةُ الأدب بشارًا - وهو أن سموه "أول المُحْدَثين وآخر المتقدمين" - الذي انْبَهَم توجيهُه على الأدباء. ألا ترى أنهم لا يعنُون بذلك تاريخ وجوده ضرورة أنه لم يوجد منفردًا في عصره، وإنَّما عَنَوا ديباجةَ شعره وطريقته! فمعاصروه يلحق بعضُهم بالمحدَثين مثل صالح بن عبد القدوس، وبعضُهم بالمتقدمين مثل رؤبة وذي الرمّة.
فصاحةُ ألفاظ بشارٍ بلغت الحدَّ الأقصى؛ فإنك لا تجد في ألفاظه ثِقلًا ولا تنافرًا ولا كُلفة. وصراحةُ دلالة ألفاظه على المعاني بينةٌ واضحة، ترى فيها كيف يخطر له المعنى الجليل والدقيق والعامّي، فلا يتريث في التعبير عنه بأفصح الألفاظ دون استعانة بزيادة أو حذف، بحيث تلوح لك الفصاحةُ العربية برُوائها والانسجام المولَّد ببهائه، كقوله (في الورقة 42):
مَا زِلْتُ أَذْكُرُكُمْ وَليْلَتَكُمْ
…
حَتَّى جَفَا عَنْ مَضْجَعِي جَنْبِي
= إسماعيل المخزومي، وكان ينسب بها ليفضح ابنها لا لمحبةٍ كانت بينهما؛ فكان ذلك سبب حبس محمد إياه وضربه له، حتى مات في السجن". كتاب الأغاني، ج 1، ص 383 - 385 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 1، ص 245 - 246 (نشرة الحسين).
وَعَلِمْتُ أَنَّ الصَّرْمَ شِيمَتُكُمْ
…
فِي النَّأْيِ وَالهِجْرَانِ فِي القُرْبِ
فضَلَلْتُ لَا أَدْرِي: أُقِيمُ عَلَى الـ
…
ـهِجْرَانِ أَوْ أَغْدُو مَعَ الرَّكْبِ (1)
فقولُه: "أو أغدو مع الركب" قابَل به قولَه: "أقيم على الهجران" فلم يعجزه الميزان ولا القافية إذ عبر عن السفر بأغدو مع الركب، وكذا قوله فيها:
نَادَيْتُ: إِنَّ الحُبَّ أَشْعَرَنِي
…
قَتْلًا وَمَا أَحْدَثْتُ مِنْ ذَنْبِ (2)
فقوله: "أشعرني قتلًا" دون أن يقول: "قتلني" لتجنّب الابتذال. وأما بلاغته فقد شهد له بها أئمّة البلاغة وفحول الشعراء، وكانت أبياته شواهد في ذلك، مثل قوله:
كَأَنَّ مُثَارَ النّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ
…
وَأَسْيَافَنَا ليلٌ تهَاوَى كَوَاكِبُهْ (3)
وغير ذلك.
وقد وجدتُ له أربعَ استعارات في مصراع بيت، وهو قوله (في الورقة 149):
غَابَ القَذَى فَشَرِبْنَا صَفْوَ لَيْلَتِنَا
…
حِبَّيْنِ نَلْهُو وَنَخْشَى الوَاحِدَ الصَّمَدَا (4)
فإنه شبّه الرقيب بالقذى، لأنه يكدر عليه التذاذه بالحبيب، كما يكدر القذى الالتذاذ بالخمر، وهي تصريحية، وشبّه الليلة بالخمر على طريقة المكنيَّة، ورمز بقوله
(1) ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 240. وقد جاء في البيت الأول لفظ "وليلكم" بدل "وليلتكم"، وفي الثالث لفظ "فظَلِلْت" بدل "فضللت". والأبيات من قصيدة من تسعة وعشرين بيتًا من بحر الكامل قالها في عبدة.
(2)
المصدر نفسه، ج 1/ 1، ص 239. والبيت من القصيدة نفسها المذكورة في الحاشية السابقة.
(3)
المصدر نفسه، ج 1/ 1، ص 335. والبيت من قصيدة قالها بشار يمدح مروان بن محمد بن مروان ويفتخر بقيس عيلان، وهي تتكون من أربعة وثمانين بيتًا من بحر الطويل.
(4)
المصدر نفسه، ج 1/ 2، ص 142. والبيت من قصيدة من بحر البسيط قالها في النسيب بسعدى، وهي تشتمل على تسعة وخمسين بيتًا.
شربنا، وشبَه تلذذَ تلك الليلة بشرب الخمر، وشبّه خلوّ الليلة من المغنيات بصفاء الخمر، وقوله:"صفو ليلتنا" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ليلتنا الصفو، أي: الصافية، ففي هذا المصراع أربع استعارات: مصرّحة، ومكنية، ومصرّحتان بُنيتا على المكنية.
ومن أبدع الإبداع في صناعة البلاغة قوله (في الورقة 157):
لَا تَفْرَحِي بِالجَلَبِ الأَشَدِّ
…
قَدْ يُخرج الليثَ سهامُ الوُغْدِ (1)
إذ شبّه حال عبد القيس في إقدامهم على حرْب عُقبة بالمقامر، وجعل خيبتَهم في الحرب كخروج السهم الوغد لمقامر، وجعل عقبة كأسد في الاغتيال، وجعل بأسه كإخراج الأسد أنيابه، وجعل الأنياب المحازية كالسهام لكنها أوغاد تنذر بالشر لمن خرجت له. فجمع في مصراع واحد: مُكنيةً، ومصرِّحةً مرشِّحة وترشيحُها مكنيةٌ أخرى، وأعقبها بمصرّحة، وتلك المصرحة فيها احتراس بديعي، ومجموع ذلك استعارة تمثيلية، أجزاؤها استعارات، مع نهاية الإيجاز.
وأما تفننه في الأغراض الشعرية فقد سلك فيه طرائق ابتكرها، منها افتتاح الهجاء بالنسيب، وقد كان العرب يفتتحون المديح بالنسيب، مثل قصائد زهير والأعشى والنابغة وعلقمة الفحل، وتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة كثير في شعر بشار، سئل أبو عمرو ابن العلاء: مَنْ أبدع الناس بيتًا؟ فقال الذي يقول:
لَمْ يَطُلْ لَيْلي وَلَكنْ لَمْ أنَمْ
…
وَنَفَى عَنِّي الكَرَى طَيْفٌ أَلَمْ
رَوِّحِي عَنِّي قَلِيلًا وَاعْلَمِي
…
أَنَّنِي يَا عَبْدَ مِنْ لَحْم ودَمْ (2)
(1) البيت من أرجوزة بشار "يا طلل الحي"، وانظر تعليق المصنف على البيت وشرحه لألفاظه: ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 170 (الحاشيتان رقم 3 و 4).
(2)
وقد روى الأصفهاني البيت الثاني على نحوين، ما ذكره المصنف هنا، والثاني:
نَفِّسِي يَا عَبْدَ عَنِّي وَاعْلَمِي
…
أَنَّنِي يَا عَبْدَ مِنْ لَحْمٍ ودَمْ
وقد أثبته المصنف في الديوان بهذا اللفظ، والبيتان من مقطوعة من خمسة أبيات غناها إبراهيم الموصلي. كتاب الأغاني، ج 3، ص 151 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 651؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 187.
وأما أبواب الشعر فقد طرقها كلَّها وأبدع فيها. فباب الهجاء قد اشتهر به بشار ونبغ فيه، وقد قال: إنه هجا جريرًا في صغره فأعرض عنه جرير (1). وكان الشرُّ قد نشأ بين حماد عجرد وبشار، فكانا يتقارضان الهجاء، فأجمع أئمةُ الأدب بالبصرة على أنه ليس في هجاء حمادٍ بشارًا شيءٌ جيد إلا أربعين بيتًا معدودة، وأن لبشار في حماد من الهجاء أكثر من ألف بيت جيد. وقد روى أبو العيناء أن الرشيد سأل الأصمعي عن أهجى بيت قالته العرب، فقال له الأصمعي: قول الحُطيئة:
قَوْمٌ إِذَا اسْتَنْبَحَ الأضْيافُ كَلْبَهُمُ
…
قَالُوا لأُمِّهُم: بُولِي عَلَى النَّارِ
فَتُمْسِكُ البَوْلَ بُخْلًا أَنْ تَجُودَ بِهِ
…
فَمَا تَبُولُ لَهُمْ إِلَّا بمِقْدَارِ (2)
فقال الرشيد: أهجى منه قولُ بشار:
إِذَا أَنْكرْتَ نِسْبَةَ بَاهِلِيٍّ
…
فكَشِّفْ عَنْهُ حَاشِيَةَ الإِزَارِ
عَلَى أسْتَاهِ سَادَتِهمْ كِتَابٌ
…
مَوَالِي عَامِرٍ وَسْمًا بِنَارِ (3)
(1) قال بشار: "هجَوْتُ جريرًا فأعرض عني واستصغرني، ولو أجابني لكنتُ أشعرَ الناس"، وفي رواية:"فاستصغرني وأعرض عني، ولو أجابني لكنت أشعر أهل زماني". كتاب الأغاني، ج 3، ص 143 - 144 (نشرة القاهرة)؛ كتاب الأغاني، ج 1/ 3، ص 646 - 647 (نشرة الحسين).
(2)
البيتان ليسا للحطيئة على الأرجح، فهما غيرُ موجودين في ديوانه برواية ابن السكيت وشرحه (تحقيق نعمان محمد أمين طه، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1407/ 1987) ولا في غير هذه النشرة (انظر مثلًا نشرة دار المعرفة ببيروت بعناية حمدو طمَّاس الصادرة سنة 1426/ 2005). وهما للأخطل من قصيدة من بحر البسيط قالها في هجاء جريرٍ وقومه، ومطلعها:
مَا زَالَ فِينَا رِبَاطُ الخَيْلِ مُعَلَّمَةً
…
وَفِي كُلَيْبٍ رِبَاطُ الذُّلِّ وَالعَارِ
ديوان الأخطل، نشرة بعناية مهدي محمد ناصر الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، 1414/ 1994)، ص 166.
(3)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 243 - 244. والبيتان من قصيدة من واحد وثلاثين بيتًا من بحر الوافر قالها في هجاء باهلة. وفي الديوان أثبت المحقق في البيت الأول "فرَفِّعْ"، كما أثبت "ناحية الإزار" بدل "وحاشية الإزار". وكذلك أثبت "وسمٌ" =
وقال أبو عمرو بن العلاء: أهجَى بيتٍ قولُ بشار:
رَأَيْتُ السُّهَيْلَيْنِ اسْتَوَى الجُودُ فِيهِمَا
…
عَلَى بُعْدِ ذَا مِنْ ذَاكَ فِي حُكْمِ حَاكِمِ
سُهَيْلُ بنُ عُثْمَانَ يَجُودُ بِمَالِهِ
…
كَمَا جَادَ بِالوَجْعَا سُهَيْلُ بنُ سَالِمِ (1)
وأما باب النسيب فهو فاتحه على مصراعيه، وتارك امرئ القيس فيه عيِيًّا. وقد أبدع بشار في وصف خلوات الحب، ومشاكلة المتحابين، وتوسّط الرسل، ومراقبة الرقباء، وعَذْل العذَّال، بما لم يسبقه إلى تفصيل التوصيف فيه أحدٌ من الشعراء. وهو الذي فتح لأبي نواس وأتباعه هذه الطريقة، وانظر قصيدتَه التي أولُها:
تَعَجَّبَتْ جَارَتِي مِنِّي وَقَدْ رَقَدَتْ
…
عَنِّي العُيُونُ وَبَاتَ الهَمُّ مُحْتَشِدَا (2)
تجدْ خمسين بيتًا في صفة زيارته محبوبته سعدَى.
وأما المديح فقد قيل لأبي عمرو بن العلاء: من أمدح الناس؟ قال الذي يقول (يعني بشارًا):
لمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الغِنَى
…
وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
فَلَا أنا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الغِنَى
…
أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَأَتْلَفْتُ مَا عِنْدِي (3)
= بالنصب بدل الرفع. وقال: "ورُوي في كتب الأدب: فكشف، عوض فرفع". المصدر نفسه، ص 243 (الحاشية رقم 5).
(1)
سنذكرهما في الملحقات ونبين مراده بهما. - المصنف. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 151 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 651 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 204. والوجْعَاء: الدبر، قصره للضرورة.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 138. والقصيدة من تسعة وخمسين بيتًا من بحر البسيط، وهي في النسب بسعدى.
(3)
البيتان رواهما أبو تمام وأبو الفرج دون نسبة. أبو تمام حبيب بن أوس الطائي: ديوان الحماسة برواية الجواليقي، نشرة بعناية أحمد حسن بسج (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1418/ 1998)، ص 340 (الحماسية 739)؛ الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 150 (نشرة القاهرة)، الأغاني، ج 1/ 3، ص 651 (نشرة الحسين)؛ المرزوقي: شرح ديوان الحماسة، ج 4، ص 1630 (الحماسية =
وأما الفخر والحماسة فقد قيل: إن أفخر بَيت قول بشار:
إذا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً
…
هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أو تُمْطِرُ الدَّمَا
إذَا مَا أَعَرْنَا سَيِّدًا مِنْ قَبِيلَةٍ
…
ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَينَا وَسَلَّمَا (1)
يريد أن الخطباء يصلّون على الرسول وآله، وهم مُضَر الذين منهم بنو عُقيل بن كعب من بني عامر بن صعصعة مولى بشار (2).
وأما باب الوصف، وهو الذي يُقصد منه حكايةُ واقعةٍ تامة بدون تلميح ولا كناية، ولكن بتفصيل قصير أو طويل، فهو فنٌّ من الشعر نادرٌ في كلام العرب
= 712). قال التبريزي في شرحهما: "وقال أبو هلال: هذا الشعر لعبد الله بن سالم بن خياط مولى هذيل، دخل على المهدي فأنشده هذين البيتين، فأمر له بخمسين ألف درهم، ففرقها ولم يرجع إلى منزله منها بشيء". شرح ديوان الحماسة، ج 2، ص 961 - 962 (الحماسية 713)؛ وفضلًا عن أبي هلال العسكري، نسب البيتين إلى ابن الخياط كلٌّ من الجرجاني والمرتضى والوطواط، وذكر الجرجاني أن أبا تمام أخذهما في قوله:
عَلَّمَنِي جُودُكَ السَّمَاحَ فَمَا
…
أَبْقَيْتُ شَيْئًا لَدَيَّ مِنْ صِلَتِكْ
الجرجاني: الواساطة بين المتنبي وخصومه، ص 191؛ المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد، ج 1، ص 492؛ الوطواط: غرر الخصائص، ص 318. [وبيت أبي تمام أورده الأصفهاني في قطعة من أربعة أبيات وذكر أنها قيلت في مدح خالد بن يزيد بن مَزْيَد. الأغاني، ج 6/ 16، ص 270 (نشرة الحسين)]. أما البيت الذي نسبه الجرجاني إلى أبي تمام فلم أعثر عليه في ديوانه، وقد ذكره الأصفهاني ضمن أربعة أبيات منسوبة إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأنه قالها في طلحة بن طاهر أمير خراسان (المتوفى سنة 213/ 828). الأغاني، ج 2/ 5، ص 506 (نشرة الحسين)]. قال المصنف عليه رحمة الله بين يدي البيتين:"وأنشد له في الأغاني صفحة 26 جزء 3 ولم يذكر الممدوح بهما"، ثم ذكر في الحاشية نسبتهما إلى ابن الخياط. ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 55 (الملحقات).
(1)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 150 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 659 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 184. وفي رواية "أو تقطر". والدما: يجوز فتح داله على الإفراد وكسرها على أنه جمع دم، وقصر للضرورة". من حاشية المصنف في شرح البيت.
(2)
قال ابن رشيق: "وأفخر بيت صنعه محدث عندهم قول بشار"، ثم ساق البيتين اللذين ذكرهما المصنف. العمدة، ج 2، 93.
وشعراء صدر الدولة الأموية. فمنه في شعر العرب قولُ زهير في المعلقة في وصف سير الحي:
تَبَصَّرْ خَلِيلي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ
…
تَحَمَّلْنَ بِالعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ
الأبيات (1). ومنه قول عمر بن أبي ربيعة وأوجز:
وَلَقَدْ قَالَتْ لأَتْرَابٍ لَهَا
…
وَتَعَرَّتْ ذَاتَ يَوْمٍ تَبْتَرِدْ
أَكَمَا يَنْعتُنِي تُبْصرْنَنِي؟
…
عَمْرُكُنَّ الله أَمْ لَا يَقْتَصِدْ
فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا
…
حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنِ مَنْ تَوَدْ (2)
وقال أبو حيّة النُّمَيري من شعراء الحماسة:
رَمَتْهُ أناةٌ مِنْ ربِيعَةَ عَامِرٍ
…
نَؤُومُ الضُّحَى فِي مأتَمٍ أيِّ مَأْتَمِ
فَجَاء كَخُوطِ البَان لَا مُتَتَابعٌ
…
وَلَكِنْ بِسِيمَا ذِي وقارٍ وميْسَمِ
فَقُلْنَ لَهَا سِرًّا: فَدَيْنَاكِ لَا يَرُحْ
…
صَحِيحًا، وإن لَمْ تَقْتُلِيه فَألمِمِي
فَألقَتْ قنَاعًا دُونَهُ الشمسُ واتَّقَتْ
…
بأحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٍّ وَمِعْصَمِ
وَقَالَتْ فَلَمَّا أَفْرَغَتْ فِي فُؤَادِهِ
…
وَعَيْنَيْهِ مِنْهَا السِّحْرَ قُلْنَ لَها: أنعَمِ
(1) البيت هو السابع في قصيدة مدح بها زهير الحارثَ بن عوف بن أبي حارثة وهرم بن سنان، وذكر فيها سعيهما بالصلح بين عبس وذُبيان، وطالعها:
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ
…
بِحَوْمَانَةِ الدُّرَّاجِ فَالمُتَلَثِّمِ
ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 102 - 112.
(2)
الأبيات من قصيدة "ليت هندًا". ديوان عمر بن أبي ربيعة، ص 79. وصدر البيت الأول في الديوان المطبوع:"زعموها سألت جاراتها".
فَرَاحَ وَمَا يَدْرِي: أَفِي طَلْعَةِ الضُّحَى
…
تَروَّحَ أَمْ دَاجٍ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمِ (1)
ولبشار فيه اليدُ الطُّولَى، والنفس الأطول، كقوله يصف ليلةَ زفافِ حبيبته وسفرها (2):
دَعَوْتُ بِوَيْلٍ يَوْمَ رَاحَ عَتَادُهَا
…
وَأَوْدَعَنِي الزَّفْزَافَ لَيْلَةَ أَدْلَجُوا
وَقَدْ زَادَنِي وَجْدًا عَلَيْهَا وَمَا دَرَتْ
…
مَجَامِرُ فِي أَيْدِي الجَوَاري تَأَجَّجُ
بعمن مَنْصُور المُغِيرِي جِمَالَهُ (3)
…
وَقَلْبِي لَهُ هَذَا مِنَ الحلْمِ أَعْوَجُ
وَمَا خَرَجَتْ فِيهِنَّ حَتَّى عَذَلْنَهَا
…
قيَامًا وَحَتَّى كَادَت الشَّمْسُ تَخْرُجُ
فَقَامَتْ عَلَيْهَا نَضْرَةٌ وَاسْتِكَانَةٌ
…
تَسَاقَطُ كَالنَّشْوَى حَيَاءً وَتَنْهَجُ
وَمَا كَانَ مِنّي الدَّمْعُ حَتَّى تَوَجَّهَتْ
…
مَعَ الصُّبْح يَقْفُوهَا الفَنيدُ المُسرَّجُ
فَيَا عِبَرًا مِنْ بَيْنِهَا قَبْلَ نَيْلهَا
…
وَمِنْ سَفَطٍ فِيهِ القَوَاريرُ تَحْرَجُ
خَرَجْنَ بِهِ في حَجْر أُخْرَى كَأَنَّهُ
…
بُنَيُّ لَيَالٍ فِي المَعَاوزِ يُدْرَجُ
(1) الطائي: ديوان الحماسة برواية الجواليقي، ص 269؛ المرزوقي: شرح ديوان الحماسة، ج 3، ص 1368 - 1369. الخطيب التبريزي: شرح ديوان الحماسة، ج 2، ص 817 - 819. وانظر الأبيات كلها في قصيدة من واحد وستين بيتًا من بحر الطويل في: شعر أبي حية النميري، ص 73 - 82. والبيت الأخير - وهو العشرون في قصيدة الديوان - ليس في ديوان الحماسة، أما البيت الذي قبل الأخير فجاء فيه: "قُلْنَ لَه: قُمِ" بدل "قُلْنَ لَها: أنعَمِ"، وهو ليس في ديوان أبي حية.
(2)
الأبيات من قصيدة من بحر الطويل أنشأها بشار في الحنين إلى حبيبته خشابة وقد زوجت. ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 68 - 70.
(3)
قال المصنف أثناء شرح هذا البيت في الديوان: "منصور: اسم الكريِّ الذي جاء بالجمال، وكتب المعيري بعين مهملة، والظاهر أنه بالغين المعجمة نسبةً لبني المغيرة. وقوله جماله بكسر الجيم. والكلمة الأولى من البيت "بعمن" لم تُفهم، ولعلها تحريف يعمد، أي يقوم، بدليل المقابلة بقوله: أعوج. وأحسب أن في هذا البيت تحريفًا؛ لأنه لم يتضح معنى المصراع الثاني". ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 69 (الحاشية رقم 1).
وَقَرَّبْنَ مَمْهُودَ السَّرَاةِ كَأنَّمَا
…
غَدَا فِي دَيَاجِيرِ الكِسَا يَتَرَجْرَجُ (1)
[كَنَجْمِ الدُّجَى إِذْ لَاحَ، لَا، بَلْ كَأَنَّهُ
…
سَنَا نَارِ نَشْوَانٍ تَشُبُّ وَتَبْلُجُ]
فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَكَتْ مِنْ دُنُوِّهِ
…
وَقُلْنَ لَهَا قُومِي ارْكَبِي الصُّبحُ أَبْلَجُ
وَفَدَّيْنَهَا كَيْمَا تَخِفُّ فَأَعْرَضَتْ
…
تَجَشَّمُ مِما سُمْنَهَا وَتَغَنَّجُ
وَلمَّا جَلَاهَا الشَّمْعُ سَبَّحَ نَاظِرٌ
…
وكَبَّرَ رفَّافٌ وَسَارُوا فَأَرْهَجُوا (2)
وأما باب الأدب فشعر بشار مُلئَ حكمةً وأخلاقًا وضرْبَ أمثال؛ لأن بشارًا نشأ على معرفة الحكمة، وقرأ على الفلاسفة، وقد عُدّ من نظراء واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كما تقدم. وأما صناعة الشعر فلبشار فيها غايةُ السبق وآيةُ الحذق، قال في الأغاني: قال الأئمّة: أحسن الناس ابتداءً في شعراء الجاهلية امرؤ القيس حيمث يقول: "قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ"(3). وفي شعراء صدر الإسلام القطامي حيث يقول:
إنا مُحيُّوك فَاسْلَمْ أَيُّهَا الطَّلَلُ
…
وَإن بَلِيتَ، وَإن طَالَتْ بِكَ الطِّيَلُ (4)
ومن المولدين بشار؛ إذ يقول:
(1) جاء في الديوان "دَيَايُور" بدل "دياجير"، وعلق المصنف على هذا البيت بقوله:"كتب في الديوان: ممهود، بالدال، وقد تقدم (في صفحة 318 من الجزء الأول من هذه المطبوعة) أنه كتب نظيرُه بالراء، فلعله أراد هنا جملًا ممهود السراة، أي مدرب الظهر للركوب، والسراة الظهر، أو كان ما هنا تحريفا. وقوله: ديايور، كذا كتب، ولم يتضح". المصدر نفسه، ص 70 (الحاشية 2).
(2)
الأبيات من قصيدة في ستة وعشرين بيتًا من بحر الطويل قالها بشار في الحنين إلى حبيبته "خشابة". ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 67 - 71.
(3)
هذا هو صدر البيت الأول من معلقته، وتمامه:"بِسَقْطِ اللِّوَى بّيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ". ديوان امرئ القيس، ص 8.
(4)
ديوان القطامي، ص 23؛ الأصفهاني: الأغاني، ج 8/ 24 - ، ص 422 (نشرة الحسين). والبيت هو الأول من القصيدة التي قالها الشاعر في مدح عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاصي، وقد سبق ذكرها. والطِّيَلُ: الرسن يطول للدابة لترعى، وهو هنا بمعنى الدهور.
أبَى طَلَلٌ بِالجِزْعِ أَنْ يَتكَلَّمَا
…
وَمَاذَا عَلَيْهِ لَوْ أَجَابَ مُتَيَّمَا
وَبِالفَرْعِ آثَارٌ بَقِينَ وَبِاللِّوَى
…
مَلَاعِبُ لَا يُعْرَفْنَ إِلَّا تَوَهُّمَا (1)
وروى في الأغاني بسنده عن بشار أنه قال: "ما زلتُ منذ سمعتُ قولَ امرئ القيس في تشبيهه شيئين في بيت واحد إذ يقول:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا
…
لَدَى وَكْرِها العنّابُ وَالحَشَفُ البَالِي (2)
أُعمِل نفسي في أن آتي بتشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت:
كَأَنَّ مَثَارَ النّقْع فَوْقَ رُؤُوسهمْ
…
وأسيافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكبُه". (3)
وقد اتفق أئمة الأدب على أن تشبيه بشار قد فاق تشبيه امرئ القيس الذي تقدمه، وفاق تشبيه مَنْ تأخر عن بشار. فأما كونُه فاق امرأَ القيس فأمر واضح؛ لأن امرأ القيس شبه شيئين بشيئين على التفريق، وقد أشار إلى فضل بيت بشار عليه كلامُ عبد القاهر في فصل من أسرار البلاغة (4)، وكذلك فاق عَمر بن كلثوم. وأما كونه فاق من تأخره، فقد قال الشيخ عبد القاهر في ص 139 من أسرار البلاغة: "ألا ترى
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 148 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 650 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 184.
(2)
البيت هو الرابع قبل الأخير من قصيدة من اثنين وخمسين بيتًا، طالعها:
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالِي
…
وَهَلْ يَعِمْنَ مَنْ كَانَ فِي العُصُرِ الخَالِي
ديوان امرئ القيس، ص 38.
(3)
وأضاف الأصفهاني: "قال يحيى: أخذ هذا المعنى منصور النمري، فقال وأحسن:
لَيْلٌ مِنَ النَّقْعِ لَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرُ
…
إِلَّا جَبِيبُكَ وَالمَذْرُوبَةُ الشُّرُعُ
والمذروبة: المحددة، والشُّرع: المشروعة، والمراد بها السيوف. كتاب الأغاني، ج 3، ص 196 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 682 (نشرة الحسين).
(4)
انظر صفحة 156. - المصنف. وانظر كلام الجرجاني على بيت بشار في: الجرجاني: كتاب أسرار البلاغة، ص 194 - 195.
أن أحد التفصيلين في التشبيه يفضل الآخر بأن تكون قد نظرتَ في أحدهما إلى ثلاثة أشياء أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين؟ والمثال في ذلك قول بشار:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا
…
وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ
مع قول المتنبّي:
يَزُورُ الأَعَادِي فِي سَمَاءِ عَجاجَةٍ
…
أَسِنَّتُه فِي جَانِبَيْهَا الكَوَاكِبُ (1)
أو قول عمرو بن كلثوم:
تَبْنِي سَنَابكُها مِنْ فَوْق أَرْؤُسِهم
…
سَقْفًا كَوَاكِبُهُ البِيضُ المَبَاتِيرُ (2)
(1) البيت هو الثالث من قصيدة يمدح فيها محمد بن إسحاق التنوخي، وينفي الشماتة عن بني عمه، وطالعها:
لأّيِّ صُرُوفِ الدَّهْرِ فِيهِ نُعَاتِبُ
…
وَأَيَّ رَزَايَاهُ بِوِتْرٍ نُطَالِبُ
البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج 1، ص 234 - 235.
(2)
الجاحظ: كتاب الحيوان، ج 3، ص 127. على أن المصنف شكك في نسبة البيت إلى عمرو بن كلثوم ورجح نسبته إلى بشار ملحقًا إياه بديوانه، وسوغ ذلك بقوله: "وهذا البيت عزاه عبد القاهر الجرجاني في كتاب أسرار البلاغة (صفحة 140) إلى عمرو بن كلثوم"، ثم ذكر البيت وأضاف: ولما ثبت عند رواة الأدب أن بشارًا قال: ما زلتُ منذ سمعتُ قولَ امرئ القيس في تشبيهه شيئين في بيت واحد إذ يقول:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا
…
لَدَى وَكْرِها العنّابُ وَالحَشَفُ البَالِي
أُعمِل نفسي في أن آتي بتشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت:
كَأَنَّ مَثَارَ النّقْع فَوْقَ رُؤُوسهمْ
…
وأسيافَنَا لَيْلٌ تهَاوَى كَوَاكبُهْ
ولو كان البيت الذي عزاه الشيخ عبد القاهر إلى عمرو بن كلثوم ثابت النسبة إليه لم تكن لبشار مزية التقفية على آثار امرئ القيس، ولكان بيت بشار "كأن مثار النقع" الذي هو مضرب المثل في التشبيه المركب مسروقًا من معنى بيت عمرو بن كلثوم. وقد تضافرت أقوال أئمة الأدب على أن بشارًا لم يُسبق بمثل التشبيه الذي في بيت: كأن مثار النقع". ويبدو أن المصنف قد قرأ في بعض طبعات كتاب الحيوان نسبة البيت إلى بشار حيث أورد صدره في الملحقات على النحو الآتي: "كأنما النقع يومًا فوق أرؤسهم *** سقفٌ. . ."، ثم قال: "ولو كان البيت لعمرو بن كلثوم لما سلم =
التفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد؛ لأن كل واحد منهم شبه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل ومن كرم الموقع ولطف التأثير في النفس ما لا يَقِلُّ مقدارُه ولا يمكن إنكاره، وذلك لأنه راعى ما لم يُراعه غيره، وهو أنْ جعل الكواكبَ تَهَاوى فأتَمَّ التشبيه، وعبّر عن هيئة السيوف وقد سُلَّت من الأغماد وهي تعلو وترسُب، وتجيء وتذهب، ولم يَقْتصر على أن يريَك لمَعانَها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران، وكان لهذه الزيادة التي زادها حظٌّ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل" (1).
قال أئمة الأدب: حام حول هذا المعنى من التشبيه كثيرٌ من الشعراء، فلم يبلغوا مبلغَ بشار، مثل منصور النُّميري ومسلم بن الوليد وابن المعتزّ والمتنبّي. وقد بينتُ ذلك عند شرح هذا البيت، وليس هذا بالتشبيه الوحيد لبشار، فإن له تشبيهاتٍ بديعة، كقوله في وصف خفق السراب في فلاة:
كَأَنَّ فِي جَانِبَيْهَا مِنْ تَغَوُّلِهَا
…
بَيْضَاءُ تَحْسِرُ أَحْيَانًا وَتَنْتَقِبُ (2)
التغوّل: التلوّن، أي: مختلف اضطراب السَّراب للناظر مرة يغشى منظره ومرة يتجلّى، وكأنّ تلك الفلاة امرأة حسناء تكشف القناع تارة وتنتقب أخرى.
= بشار من أن يفضحه أدباء عصره وهم متوافرون، وليس لقائل أن يقول: لعل البيت الذي نسبه الجاحظ إلى بشار غير البيت الذي نسبه عبد القاهر إلى عمرو بن كلثوم بآية اختلاف بعض ألفاظ البيتين؛ لأنا نقول: إنما الاختلاف اختلاف في رواية البيت، ومثل ذلك كثير في رواية الأشعار". ثم قال أخيرًا:"وليس بين يدي ديوان عمرو بن كلثوم لأنظر هل ذكر فيه هذا المعنى الذي عزاه إليه عبد القاهر، فحَقِّقْه". ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 72 - 73 (الحاشية رقم 5). وقد أورد البيت محقق ديوان عمرو بن كلثوم، تحقيق إميل بديع يعقوب (بيروت: دار الكتاب العربي، ط 2، 1416/ 1996)، ص 41.
(1)
الجرجاني: كتاب أسرار البلاغة، تحقيق محمود محمد شاكر، ص 174 - 175.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 257. والبيت من قصيدة من بحر البسيط يمدح فيها سليمان بن داود الهاشمي عم السفاح والمنصور، أولاه السفاح على الكوفة سنة 131 هـ ثم على الحجاز واليمن سنة 132 هـ. توُفِّيَ سنة 133 هـ.
هذا، وأما ابتكار المعاني فلبشار معان مبتكرة كثيرة، حتى إن الشعراء ليعمِدون إلى معانيه فيسرقونها ويتصرفون فيها، قال بشار:
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ
…
وَفَازَ بِالطَّيّبَاتِ الفَاتِكُ اللهجُ
فأخذه سَلَم بن عمرو الملقب بالخاسر، فقال:
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غَمًّا
…
وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الجَسُورُ (1)
وقال بشار:
تذَكَّرُ مَنْ أَحْبَبْتَ إِذْ أَنْتَ يَافِعٌ
…
غُلَامٌ فَمَعْنَاهُ إِلَيْكَ حَبِيبُ (2)
فأخذه علي بن العباس في قوله:
وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إِلَيْهُمُ
…
مَعَاهِدُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا
إِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ ذَكَّرَتْهُمُو
…
عُهُودَ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّوا لِذَلِكَا (3)
وقال بشار:
(1) انظر البيتين في: كتاب الأغاني، ج 3، ص 200 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 3، ص 685 (نشرة الحسين). وبيت بشار من قصيدة من تسعة عشر بيتًا من بحر البسيط، قالها في التودد إلى حبيبته خشابة، وطلعها:
خُشَّابُ هَلْ لِمُحِبٍّ عِنْدَكُمْ فَرَجُ
…
أَوْ لَا فَإِنِّي بِحِبْلِ المَوْتِ مُعْتَلِجُ
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 55 - 58.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 211. والبيت من قصيدة من بحر الطويل قالها بشار في النسيب بسُعدى بنت صقر بن قعقاع المالكية من بني بكر.
(3)
البيتان هما الخامس والسادس من قصيدة من أربعة وعشرين بيتًا من بحر الطويل يمدح فيها ابن الرومي سليمان بن عبد الله. ديوان ابن الرومي، نشرة بعناية علي حسن بسج (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، 1423/ 2002)، ج 3، ص 14.