الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطاب ابن عاشور عند عودته لمشيخة جامع الزيتونة وفروعه عام 1364/ 1945
(1)
الحمد لله الذي جعل أطناب الدين موثقة بأوتاد العرفان، وناط نتائج اليقين بدلائل النظر والبرهان، والصلاة والسلام على رسوله المؤيد بمعجز البيان، شرف الله ذكره كفاء ما شرف به نوع الإنسان والرضا عن آله وأصحابه الخالد فخرهم على الزمان.
أما بعد فيا أيها الأساتذة الجلة، والتلامذة المنوط بهم أمل الملة، إن المنزلة السامية التي يواتيها حسن ظن ملكنا الجليل، دام له العز والملك الأثيل، بأن أسند إلي مشيخة الجامع الأعظم وفروعه، قد مكنتني من فرصة مباركة، فرصة الاجتماع بهذه النخبة الباهرة من أبنائي الأساتذة الذين عرفت فيهم سموَّ الهمة في خدمة العلم، وبذل النصح في تلقينه، وهذا الجمهور النير من الناشئة الزيتونية الذين لم يزالوا يبرهنون على الإخلاص في تعلقهم بالدين والعربية، والحرص على استكمال مادة العلوم الواسعة من المناهج الناجعة في الإيصال إلى الغايات النافعة.
وإن ملاحظة هذه المباهج النفسية من التعاون مع المخلصين في خدمة علوم الدين هي التي تهون علي ما يوجبه هذا الإسناد من تجشم كلف كنت عنها بمعزل والانقطاع عن الاستغراق في الأشغال العلمية التي هي ريحانة النفس.
فليكن اجتماعُنا هذا أفضلَ ما اجتمع عليه المسلمون من التواصي بالحق، وتجديد عهدنا الذي قطعناه على أنفسنا من بذل المستطاع للنهوض بالتعليم، وتثقيف أذهان التلامذة بالعلم الصحيح والفهم القويم بما يمكنهم من مراتب
(1) المجلة الزيتونة، المجلد 5، العدد 9، 1364/ 1945 (ص 233).
السيادة الفكرية التي هم الأصفياء بها، فبذلك نخدم الأمة الإسلامية بالعنصرين اللازمين لارتقاء الأمم في مصاعد الكمال؛ وهما العلم الصحيح والتعليم الكامل.
إن تعليمَ هذا المعهد هو الحافظُ على الأمة علومَ دينها الذي به فوزُها في الحياة العاجلة، وسعادتها في حياتها الأبدية، والحافظُ عليها علومَ لغتها التي هي ضمانُ جامعتها ومظهرُ مفاخرها وعزتها. فانتقاء أقوم الأساليب، وتوخي أيسر المناهج لإيصال هذه العلوم إلى أذهان المتعلمين، هما معقد عملنا الذي نتكاتف لتحقيقه، ويهيب بنا داعي الإخلاص لطريقه.
فإذا نحن وفينا بعهدنا هذا، ووجدنا من أبنائنا الطلبة ما هو المأمول من حرصهم على استكمال التعليم الزيتوني وأجهزة صلاحه بصرف عنايتهم إلى تحقيق دروسهم والتملي من فهم المسائل العلمية وضبط ما يتلقونه من أساتذتهم ودوام المراجعة والمدارسة، تحقق لنا بعون الله وبتوافر هذه المعاني النجاحُ المأمول.
ولا شك أن أطيب ثمار التعليم الصحيح وأزكى نتائج التربية القويمة، هو ما يظهر في الناشئة المتعلمة من إدراك أسرار الشريعة، واستكمال تخلقهم بمكارم الأخلاق الإسلامية، واستقامة سيرهم على آداب الشريعة. ذلك ملاكُ السعادة الفردية، وأساس الرقي الاجتماعي المنشود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي طلب منه إيجازَ الوصية:"قل آمنت بالله ثم استقم". (1)
(1) عن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال، قلت:"يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل أحدًا بعدك"، فقال:"قل آمنتُ بالله ثم استقم"، قلت: ما أتقي يا رسول الله؟ قال فأومأ إلى لسانه. "مسند الإمام أحمد بن حنبل، الحديثان 15416 - 15417، ج 24، ص 141 - 142، والحديث 19431؛ ج 32، ص 170؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 62، ص 39 - 40، (وفيه "فاستقم" عوض "ثم استقم")؛ سنن الترمذي، "كتاب الزهد"، الحديث 2410، ص 572 - 573؛ المستدرك على الصحيحين، "كتاب الرقاق"، الحديث 7955، ج 4، ص 455 (وفيهما: "قل: ربي الله، ثم استقم").