الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حوار حول إصلاح التعليم الزيتوني
(1)
[من تقديم محرر المجلة]:
تفطنت الصحافة الإنكليزية والأمريكية منذ عشر سنوات إلى ضرب جديد من النشر فتح كنزًا ثريًّا أمام أعين محبي الاطلاع، ومكن الجمهور من أفكار الذين لا تمكنهم ظروفهم من التفرغ لتدوين خواطرهم وأفكارهم، وكشف به لجمهور المستطلعين عن دخائل وحالات ما كان الأدباء يأبهون لتدوينها مع أنها من الأهمية بمكان. وذلك أنهم فتحوا باب الأحاديث مع كبار الهيئات وأصحاب الأشغال، أو المواهب الفكرية، وخصها بعنوان (ساعة مع. . . .) فمكنوا الجمهور من مطالعات عديدة ودراسات ما كانت تصله لولا ذلك الاختراع.
وقد تابعت أوروبا هاته الخطوات فظهر نفس هذا العنوان في الصحافة البلجيكية والهلندية والإيطالية. وقد برعت في تحليل شخصيات الأدباء بواسطتها وإطلاع جمهور المتأدبين على عناصر روحهم وطريقتهم جريدة "الأخبار الأدبية" أكبر الصحف الفرنسية المتمحضة للأدب.
ثم رأينا مجلة "الهلال" المصرية تفتح هذا الباب في العام الفائت، ثم تسدد خطواتها فتوفق في أحاديثها الاجتماعية والأدبية. ومع أننا عزمنا في فتح هذا الباب على تعقب سنة زميلتنا الفرنسية لتمكن عموم قرائنا في الشمال الإفريقي من نافذة
(1) نشر هذا الحوار في مجلة العالم العربي (التي كانت تصدرها مكتبة العرب بتونس)، العدد 4، جوان [يونيو] 1930، (ص 14 - 18) بعنوان "ساعة مع صاحب الفضيلة الأستاذ محمد الطاهر ابن عاشور: إصلاح التعليم في الجامع".
يشرفون منها عن الأدب الإفريقي والأدباء الأفارقة في مجالسهم العادية وأفكارهم التي لا يشوبها تمحل ولا تطلية. مع ذلك فقد رأينا فتحه بهذا الحديث الذي نقدر له أهمية واسعة هائلة بين القراء المتشوفين لما يخيبه الخمول - السائد اليوم - للثقافة العربية في الشق الشرقي من إفريقيا الشمالية. ولا غرو فالمعهد الزيتوني ركن الدين الإسلامي والثقافة العربية هنا، يمتد نفوذه إلى حوالي الستة ملايين من النفوس بين تونسيين وجزائريين وغيرهم، ويرون فيه القبلة والملاذ.
وصاحب الفضيلة الأستاذ محمد الطاهر ابن عاشور أحد المشار إليهم بالبنان بين العناصر العاملة في تلك اللجنة التي ألفتها الحكومة لمشكلة إصلاح هذا المعهد المقدس على عاتقهم، هذا فضلًا عما لنا من الثقة في ثقافته المكتبية واطلاعه الواسع (. . .) وهكذا تلقانا الأستاذ ببشاشته المعهودة، وتقدم بنا إلى قاعة الاقتبال، فرجعنا معه إليها. وهي قاعة رحيبة مؤثثة برياش من نوع لويس 14، وتتوسطها منضدة مستديرة عليها كرة ضخمة من مصورات الأرض، وقد أطل من جدران البيت كبار رجال الدولة في العهود المتأخرة، قرأنا على بعضها مما كان قريبًا منا كلمات تلطف حبية قدمها بها أصحابها.
وأخيرًا جلسنا وبدئ الحديث، فأطلعناه عن خاطرتنا، فلم يتهيب، بل أظهر انشراحًا للأمر، واستحسن طريقة إمداد الجمهور بآراء نفس المسؤولين. ثم جرى الحديث الذي امتد إلى أكثر من ساعتين! فلم نر بدًّا من الالتحاق إلى تدوين نص أجوبة فضيلته. . .
سؤال: ما هو رأي فضيلتكم في إصلاح المعهد الزيتوني؟
جواب: قد كان المعهد الزيتوني بصفته كلية علمية دائم التطور حسب توافر المهيِّئات. فقد وضع أساس نظامه الحاضر المنعم المبرور أحمد باشا سنة 1258 ورقم نصَّ ذلك النظام بماء الذهب في معلقة ضخمة أقامها إلى جنب باب المعهد في إطارها البهيج لتكون تذكارًا شاهدًا.
ثم في سنة نيف وتسعين جمع الوزير المصلح خير الدين لجنة تحت رئاسته، فصدر عنها القانون الأول الذي نص على دقائق التعليم هنالك، ووضع له أسسه المحكمة وأساليبه الملائمة لذلك الزمان.
ومنذ هذا القانون نجد الحكومة تجمع بين الفينة والفينة اللجان لتنقيح ما يظهر فوات زمانه حسب التهيؤ وتطور الشعور العام. فقد تشكلت عام 1315 [الموافق 1898] لجنة لإصلاح التعليم (1)، وهي التي نتج عنها إدخال بعض العلوم العصرية في مواد امتحان "التطويع" بالجامع الأعظم دون أن يخصص لتلك العلوم دروس في الجامع الأعظم، وإنما اعتمد في ذلك على الدروس الخارجية، وكانت المدرسة الخلدونية قد نظمت دروسًا ليلية لتلك العلوم.
ثم تشكلت اللجنة الثالثة التي صدر عنها قانون 1930، فأدخلت إصلاحات كثيرة على نظام التعليم وصيرت تدريس العلوم العصرية من مشمولات دروس الجامع الأعظم.
وفيما بين هذين الاجتماعين أصدرت الحكومة تراتيب مهمة ضبطت بها طرق التحصيل على خطة التدريس بطريق المناظرة والامتحانات المشتملة على الكتابي والشفاهي تدريسًا وأسئلة.
وما كادت تأتي سنة 1344 [1926] حتى كر الشعور بوجوب الإصلاح من جديد تبعًا لما ولده الزمان من التطورات الفكرية وغيرها. وبالفعل عينت اللجنة من جديد لتضع نظامًا للتعليم ملائمًا للحاجات والكفاءة المتوفرة. وقد أتمت أعمالها إذ ذاك في دائرة مناسبة لما دعت إليه الأحوال في ذلك الوقت، غير أن مقرراتها لم يتسن إبرازها، إلى أن دعي صوت أهل العلم وظهر قانون خطة العدالة.
(1) عين هذه اللجنةَ العالم الزيتوني النحرير والوزير الأكبر حينذاك الشيخ محمد العزيز بوعتور جد ابن عاشور لأمه، عليهما رحمة الله.
فوجوبُ الإصلاح ليس محلَّ نظر، بل هو حاجة وضرورة لا بد منها، فقد أحس بها الأساتذة، وأعلن بطلبها الطلبة، وجمعت الحكومة اللجنة الأخيرة تقديرًا لها وإجابة لصوتها.
وبهذا الاعتبار نعرف أن هذا الاجتماع اليوم هو ثاني اجتماع دعى إليه إجابة اقتراح التلامذة، إذ لا ننسى أن اجتماع عام 1330 [1912] كان هو أول اجتماع وقع لإجابة طلب الطلبة.
سؤال: ما هي غاية هذا التعليم؟
جواب: تأسس التعليم بجامع الزيتونة بباعث شريف جدًّا وهو رواج العلوم الإسلامية واللغوية وما عسى أن ينتدب إلى تعليمه من له براعة في علوم لا تنافيها، فقديمًا درست فيه الفلسفة والمنطق، والهندسة والحساب الراقي والطب على الأساليب التي كانت جارية في عصورها.
ثم كان المقصود من وضع أساس النظام فيه على عهد المقدس طيب الذكر بين أهل العلم أحمد باشا تخريج الأكفاء للوظائف السامية، سواء في ذلك العلمية أو الشرعية أو السياسية. وبالفعل ظهر من متخرجيه من زان هاته الوظائف، ولم تزل أغراضًا لمصلحيه راميةً إلى هاته الغاية بمراعاة ما تقتضيه العصور في كفاءة متخرجيه. فغايتنا الكبرى في إصلاح التعليم أن نجعل من المعهد طريقًا لتخريج طبقة كفيلة بحفظ كرامة علماء الإسلام بين مختلف عناصر هذا الجيل.
هذا من جهة، ثم أن نرفع مستوى الكفاءة من جهة أخرى بين خريجيه لنمكنهم من تبوء مركزهم في خدمة بلادهم عن جدارة واستحقاق لا يمكن أن يفوقهم فيها خريجو المعاهد الأخرى، فإن تطور الزمان ضيق من الدائرة أمام المتخرج الزيتوني بما كاد أن يحصره في المناصب الشرعية والعلمية داخل المعهد، بحيث إن المتخرج يضطر إلى حضور دروس تكميلية كلما أراد سلوك غير هذين الطريقين.
لا سيما وأن تزايد الإقبال على الالتحاق بالكلية الزيتونة يضطرنا للتفكير في مستقبل هذا العدد الذي سيتكاثف محصوله على توالي السنين.
سؤال: ما رأيكم في درجات التعليم؟
جواب: التعليم في المعهد اليوم ثلاث مراتب، ولكنها لا تتمايز بشهادات تعطى في ختام كل مرتبة إذا استثنينا شهادة ما نسميه بالتطويع، وهي شهادة انتهاء التعليم الثانوي. فهاته المراتب يجب أن تتمايز بشهادات تعين كفاءة حاملها فتصبح:1. درجة ابتدائية، 2. درجة ثانوية، 3. درجة عالية، بعد أن نحدد كفاءة داخلي الابتدائية نفسها.
فمما هو جار اليوم أن كل وافد على المعهد يمكن من المرتبة الابتدائية بقطع النظر عن درجة قصوره مما قد يضطر معه الطالب إلى البقاء مدة طويلة قبل أن يتمكن من مسايرة الدروس، وفي ذلك من التشويش على الأستاذ وإضاعة الوقت عن الطالب ما فيه.
فإن المعهد ليس فيه شيء من "التعليم الأولي"، بل المفهوم في طلبته معرفة القراءة والاستعداد لفهم القواعد ليتمرنوا على تطبيقها، فلا يمكن أن يقبل فيه الأميون بحال. ومن هنا قام التساؤل عن الوسائل التي تؤهل الوافدين للحالة التي ستشترط عليهم، خصوصًا مع قلة المدارس الحرة التي تراعي التهيئة للمعهد وحالة الكتاتيب والزوايا التي لا تزال في ضمور.
سؤال: ما هي مميزات الشهادات؟
جواب: تدركون أن عمل اللجنة يقف عند حد وضع الطريق لرفع مستوى الكفاءة التي تجعل الخريج جديرًا بخدمة بلاده وحكومته، ثم تقديم "الاقتراح" إلى الحكومة بما تراه مناسبًا لهاته الكفاءة من الميزات، أما تثبيت تلك الميزات عمليًّا فشيء ليس في دائرة نظرنا ولا هو من شأننا، لما يقتضيه من مخابرات مع مختلف فروع الدولة ومختلف إدارتها.
أما اختصاص المعهد فيتناول: 1. الديني الشرعي، 2. العربي من لغة وأدب. فيخرج الأيمة والوعاظ والقضاة والموثقين ويخرج الأساتذة الأكفاء.
سؤال: كيف تقرأ العلوم العصرية في الجامع؟
جواب: العلوم العصرية موجود بعضها، إلا أن المفكرين من أهل العلم اتفقوا على أن الموجود اليوم غير كاف في تكوين ثقافة صحيحة في متخرجي المعهد.
لذلك اتفقوا على وجوب إلحاق كثير من العلوم التي لها أثر صالح في تثقيف الأذهان. وقد قررت لجنة سنة 44 ما يجب من هاته العلوم، وأهمها علم صناعة التعليم وما يتوقف عليه من العلوم الأخرى التي منها علم النفس وعلم الفلسفة.
كما حصل الشعور منذ مدة بأن دراسة الموجود من العلوم العصرية بين أساطين الجامع وفروعه لا تأتي بالنتيجة المطلوبة لما تتوقف عليه دراستُها في المادة والأسلوب من وسائل لا يسمح بها مكان هو مسجد قبل كل شيء. فلذلك فكرت النظارة - باتفاق مع الوزارة وبتسهيلات من بعض أهل الخير (1) - في تخصيص محل لتدريس هاته العلوم في البيت الملقب "بمحكمة ابن عصفور"(2)، ووقع فتحُه أوائل هاته السنة الدراسية لتعليم العلوم العصرية، بل وما يحتاج إلى طريقة تشبه طريقة تدريسها كعلم الفرائض العملي وعلم الرسم والإنشاء. غير أن هذا المحل سيصبح إزاء البرنامج الجديد غير كاف لإيواء تلامذة هاته العلوم وما سيلحق بها.
هذا وستشتغل اللجنة بالبحث عن الوسائل التي تسمح بتلقي هاته العلوم عمن لهم كفاية فيها ومقدرة صحيحة على تعليمها بكيفية نافعة، ولو كان من غير أساتذة المعهد إذا لم يتوفر فيهم الشرط المذكور.
سؤال: ما هو رأيكم في محلات التعليم؟
(1) هو السيد الحاج قاسم بن يوسف - محرر المجلة.
(2)
لعلها سميت بالمحكمة؛ لأن أبا البركات بن عصفور الذي كان إمامًا وخطيبًا بجامع الزيتونة كان قد أسند ولاية (الحسبة) هي ولاية تتناول محاكمة أهل السوق. - محرر المجلة.
جواب: تلقى دروس المعهد اليوم بصورة محاضرات منتظمة يحضرها من شاء متى شاء! فإن طبيعة المسجد لا تمكن الإدارة - مهما حاولت - من وضع البرامج الدقيقة لحضور تلك الدروس. وهذا النظام ليس من شأنه التعكير على طبقة التعليم العالي، إلا أن المشكلة على أشدها في دروس الطبقة الابتدائية التي اضطرت النظارة اليوم لإخراجها من جامع الزيتونة وتخصيصها بالجامع اليوسفي في العاصمة.
ومن أهم الإصلاحات التي سيكون لها أثرها الكبير تعميمُ نظام الجامع اليوسفي على خمسة المساجد الكبرى التي تقوم بوظيفة التعليم بالجهات الخمس من المملكة، بحيث تصبح هذه المساجد فروعًا من الكلية الزيتونة بجميع معاني الكلمة. فإذا انتقل الطالبُ منها إلى العاصمة، اعتبرنا له ما شهد له به الفرعُ الذي هو منه.
وهذا إصلاح كبير يخف به تيار الوافدين على معهد العاصمة، ويسهل على الراغب طلب العلم حيث يجد نفس النظام ودرجة الكفاءة بالقرب منه. غير أنه يتوقف على تأسيس نظام متين في هاته الفروع، لا يوجد اليوم منه إلا أشباحٌ لا أرواحَ فيها. ولذلك لم ينكف تلامذة تلك الجهات عن تجشم مشاق الاغتراب لتلقي تعليمهم الابتدائي بالحاضرة.
سؤال: ما هو رأي فضيلتكم في إلحاق مواضع التعليم الابتدائي الأولي كالكتاتيب والزوايا بدائرة فروع المعهد الزيتوني؟
جواب: هذه مسألة من الأهمية بمكان عظيم، وقد اشتغلت النظارة بمخابرة الوزارة الكبرى في الأمر منذ سنين. إذ لا يخفى أن هاته المواضع التعليمية الصغيرة لو تمنح تنظيمًا وضبطًا لأمكن أن تصبح مدارس ابتدائية أولية للتعليم الإسلامي العربي، فتسد بها تلك الثلمة الواسعة التي بقيت مفتوحة في أول حد من حدود تعليمنا، بحيث يكون خريجها كفؤًا لتلقي تعليم الفروع الستة للمعهد الزيتوني بكفاءة تامة.
سؤال: ولكن هل يمكن الجمع بين أجزاء ذلك الضبط عليها وبين كونها معتبرة للآن كمدارس حرة؟
جواب: إن التعليم الحر في جميع البلاد يخضع لمراقبة إدارات التعليم، حتى لا تصبح حريته سبيلًا لتضليل أفهام التلامذة أو السير بهم إلى طرق تبلغ إلى غايات غير مقصودة لأوليائهم، لا سيما وهم في فجر النشأة الفكرية، فتجب المحافظة على أوقاتهم وأذهانهم. فكل تفريط يصبح خسارة لا تصيبهم وحدهم بل تتعداهم إلى الأمة، وهو ما نشاهده في كثير منها بمزيد الأسف، فهو يرجع إلى أساس اجتماعي وهو تقييد الحرية غير المنظمة بما فيه نفع المجتمع.