المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[من تقديم محرر المجلة]: - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌بشار بن برد: حياته وشعره

- ‌مقدمة:

- ‌نسب بشار:

- ‌اسمه وكنيته ولقبه:

- ‌أهل بشار:

- ‌مولده ونشأته ووفاته:

- ‌صفته:

- ‌عمى بشار:

- ‌لباسه:

- ‌خلق بشار:

- ‌بداهة جوابه وملحه:

- ‌مجلس بشار:

- ‌اعتقاد بشار:

- ‌سبب وفاته:

- ‌مكانته لدى الخلفاء والأمراء:

- ‌غرامه وهل هو حقيقة أو تصنع

- ‌سعة علمه بالعربية وتفننه:

- ‌البصرة وقبائل العرب حولها:

- ‌مرتبته من العلم:

- ‌شعر بشار

- ‌نظم شعره:

- ‌نسيب بشار:

- ‌هجاء بشار:

- ‌رجز بشار:

- ‌أقدم شعر بشار:

- ‌رواة بشار وكاتبو شعره:

- ‌توسع بشار في اللغة وقياسه فيها:

- ‌توسعه في العروض وفي الضرورة:

- ‌مكانة شعر بشار من حفظ فصيح اللغة ومستعملها:

- ‌مكان شعر بشار من حفظ التاريخ في الجاهلية والإسلام:

- ‌شهادة الأئمة لبشر بجزالة الشعر وسلامة الذوق:

- ‌اهتمام أهل الصناعة بشعر بشار:

- ‌من نقد بشارا ومن أجاب عنه:

- ‌نقده للشعر والشعراء:

- ‌مكانة بشار من النثر:

- ‌علاقة بشار بإفريقية:

- ‌أعلام شعر بشار:

- ‌ديوان بشار:

- ‌النسخة المستخرجة من هذا الجزء من الديوان:

- ‌[خاتمة: منهج المصنف في تحقيق الديوان]:

- ‌قراطيس من نقد الشعر

- ‌القرطاس الأول:

- ‌القرطاس الثاني:

- ‌القرطاس الثالث:

- ‌القرطاس الرابع:

- ‌طريقة من شعر العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة

- ‌السند التونسي في علم متن اللغة

- ‌ابن سيده:

- ‌اتصال السند الأندلسي بتونس:

- ‌المحْوَر الخامِسمُرَاجَعَات وَمُتَابَعَات وَمُتفَرَّقات

- ‌الفَرْع الأَوّلمُرَاجَعَات

- ‌نقد علمي لكتاب "الإسلام وأصول الحكم

- ‌[تقديم]

- ‌الكتاب الأول: الخلافة والإسلام

- ‌الباب الأول: الخلافة وطبيعتها:

- ‌الباب الثاني: في حكم الخلافة:

- ‌الباب الثالث: في الخلافة من الوجهة الاجتماعية:

- ‌الكتاب الثاني: الحكومة والإسلام

- ‌الباب الثاني: الرسالة والحكم:

- ‌الباب الثالث: رسالة لا حكم، دين لا دولة:

- ‌الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ

- ‌الباب الأول: الوحدة الدينية والعرب:

- ‌الباب الثاني: الدولة العربية:

- ‌الباب الثالث: الخلافة الإسلامية:

- ‌[خاتمة]

- ‌نظرة في الكتاب المعنون "‌‌مقدمةفي النحو" المنسوب إلى الإمام خلَف الأحمر

- ‌مقدمة

- ‌مؤلف هذه المقدمة:

- ‌هل يعد خلف الأحمر من أئمة النحو؟ وهل يعد من نحاة المذهب البصري أو من نحاة المذهب الكوفي

- ‌وصف هذه المقدمة:

- ‌إيضاح ما يحتاج إليه في المقدمة:

- ‌تفسير الشواهد الشعرية الواردة في هذه المقدمة وهي غير معروفة في شواهد النحو

- ‌نظرة في كتاب "الجامع الكبير" لابن الأثير

- ‌مقارنة وتحليل بين كتاب "المثل السائر" وكتاب "الجامع الكبير

- ‌تُحفةُ المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح

- ‌[مقدمة]

- ‌[نسب اللبلي وطرف من حياته ورحلته وأسماء أساتذته وتلاميذه]

- ‌مؤلفاته

- ‌صفة كتاب تحفة المجد الصريح

- ‌كتاب الفصيح وما عليه من الشروح

- ‌هل توجد نسخة أخرى من كتاب تحفة المجد الصريح

- ‌تكملة وتقفية للتعريف بكتاب "تحفة المجد الصريح" وصاحبه وأصله

- ‌تصحيح أخطاء وتحاريف في طبعة جمهرة الأنساب لابن حزم

- ‌الفَرْعُ الثَّانِيمُتَابعَات

- ‌أخطاء الكتاب في العربية: رد على نقد

- ‌تحقيق ترجمة عالم كبير وإصلاح وهْم في تسميته

- ‌نظرات على ترجمة السكاكي

- ‌نسبه:

- ‌اهتمام العلماء بكتاب المفتاح

- ‌نشأة السكاكي الجثمانية والعلمية:

- ‌نحلته ومذهبه

- ‌العصر الذي ألف فيه "المفتاح

- ‌تذييل لترجمة سعد الدين التفتازاني

- ‌الفَرْعُ الثَّالِثمُقَدِّمات كُتُب

- ‌النابغة الذبياني وشعره

- ‌نسبه:

- ‌مكانته في الشعر

- ‌ما عيب به شعره:

- ‌تحكيمه بين الشعراء:

- ‌اتصاله بالنعمان بن المنذر:

- ‌لحاق النابغة بملوك غسان بعد هربه من النعمان بن المنذر:

- ‌انقطاع أخريين النابغة والنعمان، ورجوعه إلى النعمان لما بلغه مرضه:

- ‌شرف النابغة ورفاهية عيشه

- ‌دين النابغة:

- ‌من لقب بالنابغة من الشعراء بعد النابغة الذبياني:

- ‌تنبيه لتكملة ديوان النابغة:

- ‌الواضح في مشكلات شعر المتنبي

- ‌الغرض من هذا الكتاب

- ‌طريقة هذا الكتاب:

- ‌ترتيب الأبيات التي فسرها في هذا الكتاب:

- ‌ترجمة مؤلف كتاب الواضح:

- ‌اسم الكتاب:

- ‌نسخة الكتاب:

- ‌سرقات المتنبي ومشكل معانيه

- ‌من هو ابن بسام صاحب الذخيرة

- ‌غرض هذا الكتاب وطريقته

- ‌مؤلف هذا الكتاب

- ‌صفة نسخة كتاب "سرقات المتنبي ومشكل معانيه" لابن بسام النحوي:

- ‌الفتح ابن خاقان وكتابه "قلائد العقيان

- ‌ترجمة مؤلف "قلائد العقيان

- ‌مشيخته:

- ‌مكانته من الإنشاء والشعر:

- ‌تآليفه:

- ‌أخلاقه وحاله:

- ‌كتاب "قلائد العقيان

- ‌اسم الكتاب:

- ‌حالةُ نسخ كتاب القلائد مخطوطها ومطبوعها:

- ‌النسخ التي أجريت المقابلة بها:

- ‌المطبوعات من "قلائد العقيان

- ‌الفَرْعُ الرَّابعُخُطَب وَرَسَائِل

- ‌خطاب ابن عاشور عند عودته لمشيخة جامع الزيتونة وفروعه عام 1364/ 1945

- ‌خطاب في حفل اختتام السنة الدراسية بجامع الزيتونة

- ‌فضيلة العلم وحظ الأمة التونسية منه:

- ‌النصح للزيتونة هو النصح لمتعلميها:

- ‌كيف كانت العلوم بالزيتونة وكيف يجب أن تكون

- ‌ضبط البرامج:

- ‌عناية ملوك تونس بالعلم:

- ‌شكر الأمة التونسية

- ‌شكر الطلبة الزيتونيين:

- ‌العناية بالفروع الزيتونية:

- ‌العناية بالتعليم الابتدائي:

- ‌دعوة أبوية لشيوخ التدريس:

- ‌النتيجة بعد اطراد العناية:

- ‌الحمد لله .. لنحمد الله

- ‌خطاب في احتفال جمعية الزيتونيين

- ‌خطاب بالفرع الزيتوني بصفاقس

- ‌خطاب في حفل الفرع الزيتوني بسوسة

- ‌خطاب في جامع عقبة خلال زيارة الفرع الزيتوني بالقيروان

- ‌خطاب في الاحتفال السنوي لمكتبة التلميذ الزيتوني

- ‌خطاب في الجلسة العامة للجنة الحي الزيتوني

- ‌خطاب في الذكرى السنوية الأولى لعودته إلى مشيخة الزيتونة

- ‌خطاب في موسم ختم السنة الدراسية

- ‌حوار حول إصلاح التعليم الزيتوني

- ‌[من تقديم محرر المجلة]:

- ‌الرسالة الأولى

- ‌الرسالة الثانية

- ‌الرسالة الثالثة

- ‌الرسالة الرابعة

- ‌الرسالة الخامسة

- ‌ملحق

- ‌رسالتان إلى الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌الرسالة الأولى

- ‌الرسالة الثانية

- ‌رسالة إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة بمناسبة تأبين الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور

- ‌قصيدة في مدح الشيخ محمد النخلي

- ‌دعوة إلى الشيخ محمد الخضر حسين:

- ‌مصادر التحقيق ومراجعه

- ‌أعمال المصنف:

- ‌أ) التأليف:

- ‌ب) التحقيق:

- ‌التفسير والدراسات القرآنية:

- ‌الحديث والسنة:

- ‌علم الكلام والفلسفة:

- ‌الفقه وأصول الفقه:

- ‌اللغة والأدب:

- ‌التاريخ والسير والتراجم والطبقات:

- ‌موسوعات ومعاجم وقواميس:

- ‌المجلات والدوريات:

- ‌خطب ورسائل:

- ‌مراجع متنوعة:

الفصل: ‌[من تقديم محرر المجلة]:

‌حوار حول إصلاح التعليم الزيتوني

(1)

[من تقديم محرر المجلة]:

تفطنت الصحافة الإنكليزية والأمريكية منذ عشر سنوات إلى ضرب جديد من النشر فتح كنزًا ثريًّا أمام أعين محبي الاطلاع، ومكن الجمهور من أفكار الذين لا تمكنهم ظروفهم من التفرغ لتدوين خواطرهم وأفكارهم، وكشف به لجمهور المستطلعين عن دخائل وحالات ما كان الأدباء يأبهون لتدوينها مع أنها من الأهمية بمكان. وذلك أنهم فتحوا باب الأحاديث مع كبار الهيئات وأصحاب الأشغال، أو المواهب الفكرية، وخصها بعنوان (ساعة مع. . . .) فمكنوا الجمهور من مطالعات عديدة ودراسات ما كانت تصله لولا ذلك الاختراع.

وقد تابعت أوروبا هاته الخطوات فظهر نفس هذا العنوان في الصحافة البلجيكية والهلندية والإيطالية. وقد برعت في تحليل شخصيات الأدباء بواسطتها وإطلاع جمهور المتأدبين على عناصر روحهم وطريقتهم جريدة "الأخبار الأدبية" أكبر الصحف الفرنسية المتمحضة للأدب.

ثم رأينا مجلة "الهلال" المصرية تفتح هذا الباب في العام الفائت، ثم تسدد خطواتها فتوفق في أحاديثها الاجتماعية والأدبية. ومع أننا عزمنا في فتح هذا الباب على تعقب سنة زميلتنا الفرنسية لتمكن عموم قرائنا في الشمال الإفريقي من نافذة

(1) نشر هذا الحوار في مجلة العالم العربي (التي كانت تصدرها مكتبة العرب بتونس)، العدد 4، جوان [يونيو] 1930، (ص 14 - 18) بعنوان "ساعة مع صاحب الفضيلة الأستاذ محمد الطاهر ابن عاشور: إصلاح التعليم في الجامع".

ص: 2007

يشرفون منها عن الأدب الإفريقي والأدباء الأفارقة في مجالسهم العادية وأفكارهم التي لا يشوبها تمحل ولا تطلية. مع ذلك فقد رأينا فتحه بهذا الحديث الذي نقدر له أهمية واسعة هائلة بين القراء المتشوفين لما يخيبه الخمول - السائد اليوم - للثقافة العربية في الشق الشرقي من إفريقيا الشمالية. ولا غرو فالمعهد الزيتوني ركن الدين الإسلامي والثقافة العربية هنا، يمتد نفوذه إلى حوالي الستة ملايين من النفوس بين تونسيين وجزائريين وغيرهم، ويرون فيه القبلة والملاذ.

وصاحب الفضيلة الأستاذ محمد الطاهر ابن عاشور أحد المشار إليهم بالبنان بين العناصر العاملة في تلك اللجنة التي ألفتها الحكومة لمشكلة إصلاح هذا المعهد المقدس على عاتقهم، هذا فضلًا عما لنا من الثقة في ثقافته المكتبية واطلاعه الواسع (. . .) وهكذا تلقانا الأستاذ ببشاشته المعهودة، وتقدم بنا إلى قاعة الاقتبال، فرجعنا معه إليها. وهي قاعة رحيبة مؤثثة برياش من نوع لويس 14، وتتوسطها منضدة مستديرة عليها كرة ضخمة من مصورات الأرض، وقد أطل من جدران البيت كبار رجال الدولة في العهود المتأخرة، قرأنا على بعضها مما كان قريبًا منا كلمات تلطف حبية قدمها بها أصحابها.

وأخيرًا جلسنا وبدئ الحديث، فأطلعناه عن خاطرتنا، فلم يتهيب، بل أظهر انشراحًا للأمر، واستحسن طريقة إمداد الجمهور بآراء نفس المسؤولين. ثم جرى الحديث الذي امتد إلى أكثر من ساعتين! فلم نر بدًّا من الالتحاق إلى تدوين نص أجوبة فضيلته. . .

سؤال: ما هو رأي فضيلتكم في إصلاح المعهد الزيتوني؟

جواب: قد كان المعهد الزيتوني بصفته كلية علمية دائم التطور حسب توافر المهيِّئات. فقد وضع أساس نظامه الحاضر المنعم المبرور أحمد باشا سنة 1258 ورقم نصَّ ذلك النظام بماء الذهب في معلقة ضخمة أقامها إلى جنب باب المعهد في إطارها البهيج لتكون تذكارًا شاهدًا.

ص: 2008

ثم في سنة نيف وتسعين جمع الوزير المصلح خير الدين لجنة تحت رئاسته، فصدر عنها القانون الأول الذي نص على دقائق التعليم هنالك، ووضع له أسسه المحكمة وأساليبه الملائمة لذلك الزمان.

ومنذ هذا القانون نجد الحكومة تجمع بين الفينة والفينة اللجان لتنقيح ما يظهر فوات زمانه حسب التهيؤ وتطور الشعور العام. فقد تشكلت عام 1315 [الموافق 1898] لجنة لإصلاح التعليم (1)، وهي التي نتج عنها إدخال بعض العلوم العصرية في مواد امتحان "التطويع" بالجامع الأعظم دون أن يخصص لتلك العلوم دروس في الجامع الأعظم، وإنما اعتمد في ذلك على الدروس الخارجية، وكانت المدرسة الخلدونية قد نظمت دروسًا ليلية لتلك العلوم.

ثم تشكلت اللجنة الثالثة التي صدر عنها قانون 1930، فأدخلت إصلاحات كثيرة على نظام التعليم وصيرت تدريس العلوم العصرية من مشمولات دروس الجامع الأعظم.

وفيما بين هذين الاجتماعين أصدرت الحكومة تراتيب مهمة ضبطت بها طرق التحصيل على خطة التدريس بطريق المناظرة والامتحانات المشتملة على الكتابي والشفاهي تدريسًا وأسئلة.

وما كادت تأتي سنة 1344 [1926] حتى كر الشعور بوجوب الإصلاح من جديد تبعًا لما ولده الزمان من التطورات الفكرية وغيرها. وبالفعل عينت اللجنة من جديد لتضع نظامًا للتعليم ملائمًا للحاجات والكفاءة المتوفرة. وقد أتمت أعمالها إذ ذاك في دائرة مناسبة لما دعت إليه الأحوال في ذلك الوقت، غير أن مقرراتها لم يتسن إبرازها، إلى أن دعي صوت أهل العلم وظهر قانون خطة العدالة.

(1) عين هذه اللجنةَ العالم الزيتوني النحرير والوزير الأكبر حينذاك الشيخ محمد العزيز بوعتور جد ابن عاشور لأمه، عليهما رحمة الله.

ص: 2009

فوجوبُ الإصلاح ليس محلَّ نظر، بل هو حاجة وضرورة لا بد منها، فقد أحس بها الأساتذة، وأعلن بطلبها الطلبة، وجمعت الحكومة اللجنة الأخيرة تقديرًا لها وإجابة لصوتها.

وبهذا الاعتبار نعرف أن هذا الاجتماع اليوم هو ثاني اجتماع دعى إليه إجابة اقتراح التلامذة، إذ لا ننسى أن اجتماع عام 1330 [1912] كان هو أول اجتماع وقع لإجابة طلب الطلبة.

سؤال: ما هي غاية هذا التعليم؟

جواب: تأسس التعليم بجامع الزيتونة بباعث شريف جدًّا وهو رواج العلوم الإسلامية واللغوية وما عسى أن ينتدب إلى تعليمه من له براعة في علوم لا تنافيها، فقديمًا درست فيه الفلسفة والمنطق، والهندسة والحساب الراقي والطب على الأساليب التي كانت جارية في عصورها.

ثم كان المقصود من وضع أساس النظام فيه على عهد المقدس طيب الذكر بين أهل العلم أحمد باشا تخريج الأكفاء للوظائف السامية، سواء في ذلك العلمية أو الشرعية أو السياسية. وبالفعل ظهر من متخرجيه من زان هاته الوظائف، ولم تزل أغراضًا لمصلحيه راميةً إلى هاته الغاية بمراعاة ما تقتضيه العصور في كفاءة متخرجيه. فغايتنا الكبرى في إصلاح التعليم أن نجعل من المعهد طريقًا لتخريج طبقة كفيلة بحفظ كرامة علماء الإسلام بين مختلف عناصر هذا الجيل.

هذا من جهة، ثم أن نرفع مستوى الكفاءة من جهة أخرى بين خريجيه لنمكنهم من تبوء مركزهم في خدمة بلادهم عن جدارة واستحقاق لا يمكن أن يفوقهم فيها خريجو المعاهد الأخرى، فإن تطور الزمان ضيق من الدائرة أمام المتخرج الزيتوني بما كاد أن يحصره في المناصب الشرعية والعلمية داخل المعهد، بحيث إن المتخرج يضطر إلى حضور دروس تكميلية كلما أراد سلوك غير هذين الطريقين.

ص: 2010

لا سيما وأن تزايد الإقبال على الالتحاق بالكلية الزيتونة يضطرنا للتفكير في مستقبل هذا العدد الذي سيتكاثف محصوله على توالي السنين.

سؤال: ما رأيكم في درجات التعليم؟

جواب: التعليم في المعهد اليوم ثلاث مراتب، ولكنها لا تتمايز بشهادات تعطى في ختام كل مرتبة إذا استثنينا شهادة ما نسميه بالتطويع، وهي شهادة انتهاء التعليم الثانوي. فهاته المراتب يجب أن تتمايز بشهادات تعين كفاءة حاملها فتصبح:1. درجة ابتدائية، 2. درجة ثانوية، 3. درجة عالية، بعد أن نحدد كفاءة داخلي الابتدائية نفسها.

فمما هو جار اليوم أن كل وافد على المعهد يمكن من المرتبة الابتدائية بقطع النظر عن درجة قصوره مما قد يضطر معه الطالب إلى البقاء مدة طويلة قبل أن يتمكن من مسايرة الدروس، وفي ذلك من التشويش على الأستاذ وإضاعة الوقت عن الطالب ما فيه.

فإن المعهد ليس فيه شيء من "التعليم الأولي"، بل المفهوم في طلبته معرفة القراءة والاستعداد لفهم القواعد ليتمرنوا على تطبيقها، فلا يمكن أن يقبل فيه الأميون بحال. ومن هنا قام التساؤل عن الوسائل التي تؤهل الوافدين للحالة التي ستشترط عليهم، خصوصًا مع قلة المدارس الحرة التي تراعي التهيئة للمعهد وحالة الكتاتيب والزوايا التي لا تزال في ضمور.

سؤال: ما هي مميزات الشهادات؟

جواب: تدركون أن عمل اللجنة يقف عند حد وضع الطريق لرفع مستوى الكفاءة التي تجعل الخريج جديرًا بخدمة بلاده وحكومته، ثم تقديم "الاقتراح" إلى الحكومة بما تراه مناسبًا لهاته الكفاءة من الميزات، أما تثبيت تلك الميزات عمليًّا فشيء ليس في دائرة نظرنا ولا هو من شأننا، لما يقتضيه من مخابرات مع مختلف فروع الدولة ومختلف إدارتها.

ص: 2011

أما اختصاص المعهد فيتناول: 1. الديني الشرعي، 2. العربي من لغة وأدب. فيخرج الأيمة والوعاظ والقضاة والموثقين ويخرج الأساتذة الأكفاء.

سؤال: كيف تقرأ العلوم العصرية في الجامع؟

جواب: العلوم العصرية موجود بعضها، إلا أن المفكرين من أهل العلم اتفقوا على أن الموجود اليوم غير كاف في تكوين ثقافة صحيحة في متخرجي المعهد.

لذلك اتفقوا على وجوب إلحاق كثير من العلوم التي لها أثر صالح في تثقيف الأذهان. وقد قررت لجنة سنة 44 ما يجب من هاته العلوم، وأهمها علم صناعة التعليم وما يتوقف عليه من العلوم الأخرى التي منها علم النفس وعلم الفلسفة.

كما حصل الشعور منذ مدة بأن دراسة الموجود من العلوم العصرية بين أساطين الجامع وفروعه لا تأتي بالنتيجة المطلوبة لما تتوقف عليه دراستُها في المادة والأسلوب من وسائل لا يسمح بها مكان هو مسجد قبل كل شيء. فلذلك فكرت النظارة - باتفاق مع الوزارة وبتسهيلات من بعض أهل الخير (1) - في تخصيص محل لتدريس هاته العلوم في البيت الملقب "بمحكمة ابن عصفور"(2)، ووقع فتحُه أوائل هاته السنة الدراسية لتعليم العلوم العصرية، بل وما يحتاج إلى طريقة تشبه طريقة تدريسها كعلم الفرائض العملي وعلم الرسم والإنشاء. غير أن هذا المحل سيصبح إزاء البرنامج الجديد غير كاف لإيواء تلامذة هاته العلوم وما سيلحق بها.

هذا وستشتغل اللجنة بالبحث عن الوسائل التي تسمح بتلقي هاته العلوم عمن لهم كفاية فيها ومقدرة صحيحة على تعليمها بكيفية نافعة، ولو كان من غير أساتذة المعهد إذا لم يتوفر فيهم الشرط المذكور.

سؤال: ما هو رأيكم في محلات التعليم؟

(1) هو السيد الحاج قاسم بن يوسف - محرر المجلة.

(2)

لعلها سميت بالمحكمة؛ لأن أبا البركات بن عصفور الذي كان إمامًا وخطيبًا بجامع الزيتونة كان قد أسند ولاية (الحسبة) هي ولاية تتناول محاكمة أهل السوق. - محرر المجلة.

ص: 2012

جواب: تلقى دروس المعهد اليوم بصورة محاضرات منتظمة يحضرها من شاء متى شاء! فإن طبيعة المسجد لا تمكن الإدارة - مهما حاولت - من وضع البرامج الدقيقة لحضور تلك الدروس. وهذا النظام ليس من شأنه التعكير على طبقة التعليم العالي، إلا أن المشكلة على أشدها في دروس الطبقة الابتدائية التي اضطرت النظارة اليوم لإخراجها من جامع الزيتونة وتخصيصها بالجامع اليوسفي في العاصمة.

ومن أهم الإصلاحات التي سيكون لها أثرها الكبير تعميمُ نظام الجامع اليوسفي على خمسة المساجد الكبرى التي تقوم بوظيفة التعليم بالجهات الخمس من المملكة، بحيث تصبح هذه المساجد فروعًا من الكلية الزيتونة بجميع معاني الكلمة. فإذا انتقل الطالبُ منها إلى العاصمة، اعتبرنا له ما شهد له به الفرعُ الذي هو منه.

وهذا إصلاح كبير يخف به تيار الوافدين على معهد العاصمة، ويسهل على الراغب طلب العلم حيث يجد نفس النظام ودرجة الكفاءة بالقرب منه. غير أنه يتوقف على تأسيس نظام متين في هاته الفروع، لا يوجد اليوم منه إلا أشباحٌ لا أرواحَ فيها. ولذلك لم ينكف تلامذة تلك الجهات عن تجشم مشاق الاغتراب لتلقي تعليمهم الابتدائي بالحاضرة.

سؤال: ما هو رأي فضيلتكم في إلحاق مواضع التعليم الابتدائي الأولي كالكتاتيب والزوايا بدائرة فروع المعهد الزيتوني؟

جواب: هذه مسألة من الأهمية بمكان عظيم، وقد اشتغلت النظارة بمخابرة الوزارة الكبرى في الأمر منذ سنين. إذ لا يخفى أن هاته المواضع التعليمية الصغيرة لو تمنح تنظيمًا وضبطًا لأمكن أن تصبح مدارس ابتدائية أولية للتعليم الإسلامي العربي، فتسد بها تلك الثلمة الواسعة التي بقيت مفتوحة في أول حد من حدود تعليمنا، بحيث يكون خريجها كفؤًا لتلقي تعليم الفروع الستة للمعهد الزيتوني بكفاءة تامة.

ص: 2013

سؤال: ولكن هل يمكن الجمع بين أجزاء ذلك الضبط عليها وبين كونها معتبرة للآن كمدارس حرة؟

جواب: إن التعليم الحر في جميع البلاد يخضع لمراقبة إدارات التعليم، حتى لا تصبح حريته سبيلًا لتضليل أفهام التلامذة أو السير بهم إلى طرق تبلغ إلى غايات غير مقصودة لأوليائهم، لا سيما وهم في فجر النشأة الفكرية، فتجب المحافظة على أوقاتهم وأذهانهم. فكل تفريط يصبح خسارة لا تصيبهم وحدهم بل تتعداهم إلى الأمة، وهو ما نشاهده في كثير منها بمزيد الأسف، فهو يرجع إلى أساس اجتماعي وهو تقييد الحرية غير المنظمة بما فيه نفع المجتمع.

ص: 2014