الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبب وفاته:
اتفق جميعُ الرواة على أنه مات مقتولًا من ضربٍ ضُرِبَه على التهمة بالزندقة. قالوا: إن المهدي أزمع الانحدار إلى البصرة للنظر في أمورها، فلما وصل البطائح مرَّ بدارٍ كان بشار على سطحها، وكان سكران، فلما أحسّ بمرور المهدي خاف أن يعرفه، فاندفع بشار يؤذن. فقال المهدي: مَنْ هذا الذي يؤذِّن في غير وقت؟ قالوا: بشار، فقال: عليَّ به، فلما مثل بين يديه قال له: يا زنديق هذا مِنْ بذائك، تُؤَذِّنُ في غير الوقت، ثكلتْكَ أمُّك! ثم أمر صاحبَ الزنادقة - وهو ابنُ نُهيك وقيل محمد بن عيسى بن حمدُويْه - فأخرجه معه في زورق. فلما كانوا بالبطيحة أمر المهدي صاحب الزنادقة أن يضربه بالسياط ضربَ التلف ويلقيَه بالبطيحة (1). فأقيم في صدر السفينة، وأمر الجلادين أن يضربوه ضربًا متلفًا، فجعلَ بشارٌ يقول كلما وقع عليه السوط: حَسِّ (كلمة تقولها العرب عند الألم)، فقال بعض الراكبين: انظروا إلى زندقته، ما نراه يحمد الله! فقال بشار:"ويلكَ! أطعامٌ هو فأُسَمِّي الله عليه؟ أثريد أحمد الله عليه؟ "(2) فلما ضُرب سبعين سوطًا أشرف على الموت، فأُلقي في صدر السفينة حتى مات، فألقوه في خَرَّارَة البطيحة، فحمله الماء إلى البصرة، فأخذه أهلُه فدفنوه، وما تبع جنازته أحد غير أمَةٍ سوداء سِنْديّة تصيح:"واسيِّداه! واسيداه! "(3).
(1) ذكر الطبري أن الذي وجه بقتل بشار إنما هو يعقوب بن داود لا المهدي، وتابعه ابن الأثير على ذلك. الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 8، ص 181؛ الكامل في التاريخ، ج 5، ص 263.
(2)
في رواية أبي الفرج: "فقال له بعضهم: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول: حسِّ، ولا يقول: باسم الله! فقال: ويلك! أطعامٌ هو فأسمي الله عليه! فقال له الآخر: أفلا قلت: الحمد لله؟ قال: أوَنِعمة هي حتى أحمد الله عليها؟ " الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 244 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 715 (نشرة الحسين). وفي رواية أخرى له:"فقال بشار: أنعمة فأحمد الله عليها! إنما هي بلية أسترجع الله عليها"، وفي ثالثة:"أثريد هو فأسمي الله عليه". المصدر نفسه، ص 247 و 250/ 717 و 719.
(3)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 248 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 718 (نشرة الحسين).
وَتبَاشَرَ (1) عامّةُ أهل البصرة بموته، وهنّأ بعضهم بعضًا، وتصدقوا. ورُويَ أنه لم يبق أحدٌ من أشراف البصرة إلا مُنِيَ بشيء من هجاء بشار أو اتقى هجاءه، فكانت حياتُه أثقلَ شيء على الناس، ولم يكن له بها صديق. ودفن في قبر حمّاد عجرَد الذي قُتل على تهمة الزندقة سنة 166 هـ. وكتب أبو هشام الباهلي على قبرهِما:
قَدْ تَبِعَ الأَعْمَى قَفَا عَجْرَدٍ
…
فَأَصْبَحَا جَارَيْنِ في دَارِ
قَالَتْ بِقَاعُ الأَرْضِ لَا مَرْحَبًا
…
بقُرْبِ حَمَّادٍ وَبَشَّارِ (2)
تَجَاوَرَا بَعْدَ تَنَائِيهِمَا
…
مَا أَبْغَضَ الجَارَ إِلَى الجَارِ
صَارَا جَمِيعًا فِي يَدَيْ مَالِكٍ
…
فِي النَّارِ وَالكَافِرُ فِي النَّارِ
ذكر مجموعَ هذا صاحب "الأغاني"، والصفدي في شرح رسالة ابن زيدون، والبغدادي في خزانة الأدب، والوطواط في غرر الخصائص (3). وقد قيل إن سبب قتله أنه كان هجا يعقوب بن داود وزير المهدي، وعرَّض به إلى المهدي، فقال:
بَنِي أُمَيَّةَ هُبُّوا طَالَ نَوْمُكُمُ
…
إِنَّ الخَلِيفَةَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُودِ! (4)
ثم هجا المهديَّ في مجلس ببيتين:
(1) أي بشر بعضُهم بعضًا بموته، كما يمكن أن تعني هذه الصيغة: استبشروا.
(2)
في "الأغاني": "بروح" بدل "بقرب".
(3)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 244 - 249 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 718 - 719 (نشرة الحسين)؛ البغدادي: خزانة الأدب، ج 3، 230 - 232؛ الوطواط: غرر الخصائص، ص 513 - 514؛ الصفدي: تمام المتون، ص 111 و 237.
(4)
الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 8، ص 156؛ الشريف المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد، ج 1، ص 156 - 157. والبيت من مقطوعة في ستة أبيات من بحر البسيط قالها بشار في هجاء يعقوب بن داود، ويقال إنها سبب قتله، وقد ورد في آخرها بعد البيت المذكور قولُه:
ضَاعَتْ خِلَافَتُكُمْ يَا قَوْمُ فَالتَمِسُوا
…
خَلِيفَةَ الله بَيْنَ الزِّقِّ وَالعُودِ
وفي الديوان جاء صدر البيت الذي ذكره المصنف هنا بلفظ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ ضَاعَتْ خِلَافَتُكُمْ". ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 91.
خَلِيفَةٌ يَزْنِي بَعَمَّاتِهِ
…
يَلْعَبُ بِالدَّبُّوقِ وَالصَّوْلَجَانْ!
أَبْدَلَنَا اللهُ بِهِ غَيْرَهُ وَدَسَّ
…
مُوسَى فِي حِرِ الخَيْزُرَانِ
فأنشدهما في حلقة يونس بن حبيب [الضبي] النحويّ، فسعى به يونس إلى الوزير (1). وقال المعري في رسالة الغفران:"وكان في الحلقة سيبويه، ويدعي بعضُ الناس أنه وشى به. وسيبويه - فيما أحسب - كان أجلَّ موضعًا من أن يدخل في هذه الدّنيات، بل يعمد لأمور سَنِيّات"(2). وعندي أن كل هذا مما يختلقه حسّادُه وأعداؤه الذين أغراهم به بذاؤه، وقد قال في خطابه للمهدي في قصيدة:
أَخَافُ انْقِطَاعَ الدَّرِّ بَعْدَ ابْتِزَازِهِ
…
وَتَبْلِيغَ مَنْ يَسْدِي الحَدِيثَ وَيَنْسُجُ (3)
ويظهر أن قتلَ بشار قد تقدمه قتلُ بعض أصحابه، وأن بشارًا لم يمنعه ذلك من رثاء مَنْ قُتل من أصحابه، فإن له أبياتًا ضاديّة ذكرها الشريف المرتضى في أماليه تشير إلى قتل اثنين من أصحابه، وهي:
غَمَضَ الجَدِيدُ بِصَاحِبَيْك فغمَّضَا
…
وَبَقِيتَ تَطْلُبُ فِي الحِبَالَةِ مَنْهَضَا
. . . إلخ (4)، وستأتي في الملحقات. وقال أيضًا في ديوانه:
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 243، 245 - 246 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 715، 717. (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 229.
(2)
المعري: رسالة الغفران، ص 430. وقد ذكر المصنف كلام المعري بتصرف وفضلنا سوقه بلفظه.
(3)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 65.
(4)
الشريف المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد، ج 2، ص 115 - 117. والقصيدة من الكامل، وبعضُها - دون البيت المذكور هنا - في المختار من شعر بشار (ص 25 - 26) مع اختلاف في الرواية وعدد الأبيات. والجديد: الزمان. ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 106 - 110.
تَبْكِي نَدِيمَيْكَ رَاحَا فِي حَنُوطِهِمَا
…
مَا أَقْرَبَ الرَّائِحَ المُبْقِي مِنَ الغَادِي! (1)
والذي يُستخلص من هذا كله يؤيد ما قدمتُه من تظاهر السببين على قتل بشار: كثرة الناقمين عليه لحسد أو هجاء أو فحش، وخفةُ دينه في سيرته وتهمته بسوء الاعتقاد. ولم يكن حقدُ الناقمين عليه كافيًا في أخذه بالعقوبة، إذ قد كان له في حاله شفيعان أو جُنَّتان تدفعان عنه الأذى، وهما الشعر والعَمَى. فإن مما وُطِّنتْ عليه النفوسُ أن الشاعر يقول ما لا يفعل، فكانت مؤاخذةُ الشعراء مزريةً على مَنْ يؤاخذهم إلا إذا جازاهم على الهجاء بمثله.
وكان مما استقرّ في النفوس أن الضعيفَ والعاجزَ لا يتنازل أهلُ الشرف إلى مضاهاتهما، وكان الناس يتمثّلون [قوله تعالى]:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} [النور: 61؛ الفتح: 17] ، فلم يجد الذين لَحِقهم أذى بشارٍ وهجاؤه مسلكًا إلى الانتقام لأنفسهم منه. ولذلك أرادوا تعريضَه لإثارة العامة عليه من جانب سوء العقيدة، وقد ظهرتْ هذه التهمةُ له من أواخر الدولة الأموية.
وأولُ مَنْ أشاع ذلك عليه واصل بن عطاء وأصحابُه من المعتزلة، ولقد مر أنه تسبب له في التغريب عن البصرة. إلا أن وَلَع العامة بشعره حالَ دونَهم ودونَ إلحاق الضُّرِّ به، فلم يزل أعداؤه للعقيدة والمنافسة وللأحقاد يتربصون به الدوائر حتى وجدوا فرصةً للإيقاع به في مدة المهدي حين أصبح الأخذُ على سوء الاعتقاد شديدًا مُرْهبًا. ويؤيّد ذلك أن المهدي في آخر حياة بشار قد تنكّر عليه، وصار يَحرمه جائزته، فمدحه بشارٌ بقصيدة، وذكره إمساكه جائزته، فقال:
إِمَامَ الهُدَى أَمْسَكْتَ بَعْدَ كَرَامَتِي
…
وَقَدْ كُنْتَ تُعْطِينِي وَوَجْهُكَ أَبْلَجُ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَشْمَتَّ بِي غَيْرَ نَائِم
…
فَنَامَ وَهَمِّي سَاهِرٌ يتَوَهَّجُ
(1) ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 208. والقصيدة من الكامل، يمدح فيها بشار المهدي ويفخر بخراسان.