الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأغرب من ذلك أنه لم يأت بالاسم الثاني معطوفًا على المضاف إليه، بل جاء به مفعولًا معه. وهذا لا نَظير له، وإن كان صحيحًا من جهة المعنى؛ لأن فيه قضاء حقِّ معنى كلا فهو مساوٍ للعطف.
توسعه في العروض وفي الضرورة:
على أن بشارًا لم يقتصر شعرُه على التوسع في اللغة والاشتقاق فحسب، بل كان يتوسع في العروض أيضًا، فلم يقتصر على قوانين الخليل بن أحمد عَصري بشار، فهو في ذلك مثل أبي العتاهية عصريّه، فإنه نظم قصيدة يقول فيها:
عُتْبَ ما للخيال
…
خبِّرْني ومالي
عتْبَ مالي أراه
…
طَارِقًا من ليالي (1)
فقيل له: خالفْتَ العروض، فقال:"سبقتُ العروض".
فقصيدة بشار التي أولها:
تَحَمَّلَ الظَّاعِنُونَ فَادَّلَجُوا
…
وَالقَلْبُ مِنِّي الغَدَاةَ مُخْتَلَجُ (2)
من بحر المنسرح، والمعروف في المنسرح أن تكون عروضُه صحيحة وضَرْبُه مطْوِيًّا:
مستفعلن مفعولات مستفعلن
…
مستفعلن مفعولات مفتعلن
وبشارٌ استعملها بعروض مَطْوِيّة وضرْبٍ مطوِيّ، فعروضها مفتعلن وضربها مفتعلن في جميع أبياتها، ولو اقتصر على ذلك في البيت الأول لاغْتُفر؛ لأن القصيدة إذا وقع فيها التصريح، وهو مجيءُ مصراعها الأول مقفَّى كالمصراع الثاني
(1) الموشحات الأندلسية - سليم الحلو - ML 332 H 917 ديوان أبي العتاهية، ج، ص.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 52.
يكون المصراع الأول على وزن الثاني عَروضًا وضرْبًا، ولكنه عمّم ذلك في جميع القصيدة. وقد تكرر ذلك منه في قصائده التي من بحر المنسرح، كقوله:
لَا فَجْعَ إِلَّا كَمَا فُجِعْتُ بِهِ
…
مِنْ فَارِسٍ كَانَ دُونَنا حَدِبَا (1)
وكذلك قصيدته التي أولها:
يَا مَالِكَ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمُ
…
وَفِي المُقَامِ المُطِيرِ مِنْ رَهَبِهْ (2)
فهي من بحر المُجْتَثّ، وقد استعمله تامًّا كما رسمه الخليل في الدائرة الرابعة: مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن مرتين، غير أنه لم يُسمع عن العرب تامًّا، وإنما سمع مَجْزُوًّا: مستفعلن فاعلاتن مرتين، وشذ استعماله عند المولدين تامًّا، ومن ذلك قولُ بعضهم:
يَا ذَا الَّذِي فِي الحُبِّ يَلْحَى مُسْتَهَامَا
…
لَا تَلْحَنِي إِنَّ مِثْلِي لَنْ يُلَامَا (3)
والتزم بشار في قصيدته هذه زِحَافَين ليخفّفَ ثقلَ الميزان، وهما زِحاف الكفّ في فاعلاتن الأول فصيّره [فاعلاتُ، والقبض في فاعلاتن الثاني فصيّره](4) فاعلتن، ولقد أجمل فيما صنع.
وقد ذكر أبو هلال العسكري في ديوان المعاني أن بشارًا فتح الدال الأولى من لفظ صِنْدَد ورِمْدَد وهما مكسوران، إذ ليس في العربية فِعْلَل بفتح اللام إلا دِرْهم وهِجْرَع وهو الطويل الأحمق، وهِبْلَع وهو الكثير البَلع، وقِلْعَم وهو الكثير القَلع للأشياء. قال: وكان بنى قصيدته على فتح الرِّدْف ولم يلزمه ذلك وكابر على فتح صِنْدَد
(1) ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 277. البيت هو الأول من قطعة ذات خمسة أبيات في الرثاء.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 182. البيت هو طالع قصيدة من أربعة وعشرين بيتًا من بحر المجتث ظاهرها حكاية الخليفة المهدي بشارًا عن التشبيب بالنساء ووصف حاله في ذلك.
(3)
بين صدر البيت وعجزه اختلاف وزن. المصنف. لم نعثر لهذا البيت على نسبة.
(4)
هذه الزيادة من شرح المصنف لهذا البيت في موضعه في الديوان].