الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجاحظ في "كتاب الحيوان": وكان سليمان الأعمى الشاعر أخو مسلم بن الوليد الأنصاري من محبّي بشار، وكان يختلف إليه وهو غلام، ويقبل عنه معتقده (1).
توسع بشار في اللغة وقياسه فيها:
تلتئم اللغةُ العربية من نوعين: ألفاظ وأحكام. فأما الألفاظ - ويعبر عنها بالمفردات - فهي قسمان:
القسم الأول: الكلماتُ الموضوعة للدلالة على المعاني الخاصة بتركيب حروفها المعبر عنها (أي عن تلك الحروف) بالمادّة، وهي الجوامد من أسماء الأعيان، ومن الحروف والأفعال الجامدة، وأسماء المعاني المسماةِ بالمصادر الدالّة على الأحداث لا على الذوات.
= وسرق باقي الثمن، وكانت نعجة عبدلية من نعاج عبد الله بن دارم وهو نتاج مرذول، فلما أدخلت عليه قالت له جاريته ربابة: ليست هذه الشاة من الغنم التي كان يبعث بها إليك؛ فقال: أدنيها مني فأدنيتها ولمسها بيده ثم قال: اكتب يا غلام". ثم أملى عليه قصيدة من ثسعة وعشرين بيتًا أولها:
وَهَبْتَ لَنَا يَا فتَى مِنْقَرٍ
…
وَعِجْلٍ وَأَكْرَمَهُمْ أَوَّلَا
وَأَبْسَطَهُمْ رَاحَةً فِي النَّدَى
…
وَأَرْفَعَهُمْ ذِرْوَةً فِي العُلَا
عَجُوزًا قَدْ أَوْرَدَهَا عُمْرُهَا
…
وَأَسْكَنَهَا الدَّهْرُ دَارَ البِلَى
وآخرها:
سَالتُكَ لَحْمًا لِصِبْيَانِنَا
…
فَقَدْ زِدْتَنِي فِيهِمُ عَيِّلَا
فَخُذْهَا وَأَنْتَ بِنَا مُحْسِنٌ
…
وَمَا زِلْتَ بِي مُحْسِنًا مُجْمِلَا
كتاب الأغاني، ج 3، ص 227 - 229 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 704 - 705 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 152 - 155 (الملحقات)، وفيه زيادات على ما في الأغاني.
(1)
قال الجاحظ بعد أن ذكر أن سليمان الأعمى أخٌ لمسلم بن الوليد: "وكانوا لا يشكون بأن سليمان هذا الأعمى كان من مُسْتَجِيبِي بشار الأعمى، وأنه كان يختلف إليه وهو غلام فقبل عنه ذلك الدين". كتاب الحيوان، ج 4، ص 195. وقوله "من مستجيبي بشار"، أي ممن قبلوا دعوته (كذا فسره الأستاذ عبد السلام هارون).
القسم الثاني: الصِّيغ الدالة على معانٍ عارضة لمعاني المصادر زائدة عليها، كدلالة صيغة "فَعَل" على كون المعنى المصدري وقع في زمن مضى "ويَفْعَل" على كونه واقعًا في زمن الحال، ودلالة صيغه "فاعِلٍ" على كون المعنى صادرًا مِمَّنْ تلبَّسَ بالمصدر.
وهذه الألفاظ بقسميها يختص بالبحث عنها علمُ متن اللغة وعلمُ التصريف. وأما الأحكام فهي الكيفياتُ التركيبية التي يتألف الكلام العربي عليها تألفًا مطّرِدًا ولو بوجوه متعددة، بحيث لو أُخرج انتظامُه عن تلك الكيفيات لكان غيرَ جار على ما تكلم به العربُ أصحابُ هذه اللغة، وأصبح كلامه عسيرَ الفهم لأهل هذه اللغة، ككون الاسم الذي هو في أول الكلام ومخبرٌ عنه بخبر يكونُ الحرفُ الأخيرُ منه مضمومًا، وكونِ الفعل الدال على زمن الحال يكون آخر حروفه مضمومًا ما لم تسبقه كلمة من كلمات معروفة معدودة إذا سبقَت إحداها الفعلَ الدالَّ على الحدث صار آخره مفتوحًا. وكذلك استعمال الكلمات في غير ما وُضعت له لمناسبات وعلاقات، وكذلك النكتُ والمناسبات في الكلام المبنيُّ عليها أدبُ العرب، وكذلك موازينُ الشعر وطرقُ السجع. وهذه الأحكامُ يبحث عنها في علم النحو وعلم البلاغة وعلم العروض.
وقد بذل أئمةُ علوم العربية جهودَهم في استقراء كلام العرب بنوعيه، فاستخرجوا من استقرائهم القسمَ الأول من النوع الأول، واتفقوا على أنه لا يؤخذ إلا بالسماع من العرب، ودوّنوا ذلك بمعانيه في مطولاتِ كتبهم التي أولها وأصلها كتاب العَيْن للخليل بن أحمد الفَرَاهيدي رحمه الله، وهو الذي بتهذيب من جاء بعده وتلخيصه وتصحيحه والزيادة عليه كملت كتبُ متن اللغة المعبر عنها عندنا (بالقواميس) أخذًا من اسم كتاب الفَيْرُوْزَبَاذِي المسمّى بالقاموس.
واختلفوا: هل يمكن ادعاءُ أنهم أحاطوا بكل ما تكلم به العرب؟ قال ابن فارس: "وما بلغنا أن أحدًا مِمَّنْ مضَى ادعى حفظَ اللغة كلها". (1) فلغة العرب لم تنته إلينا بكليتها، وإن كثيرًا من الكلام ذهب بذهاب أهله (2).
(1) ابن فارس: الصاحبي في فقه العربية، ص 24.
(2)
وقد ترجم ابن فارس بابًا بعنوان: "باب القول على أن لغة العرب لم تنته إلينا بكليتها، وأن الذي جاءنا عن العرب قليل من كثير، وأن كثيرًا من الكلام ذهب بذهاب أهله". المصدر نفسه، ص 36.
وأقول: إن العرب قبائلُ شتى منتشرة. ولَمَّا دخلوا في الإسلام تطوحوا في الفتوح وتفرقوا، وما انبرى علماء العربية للسعي في استقراء اللغة إلا في منتصف القرن الأول بعد الهجرة. وقد انقرض جمٌّ غفير من العرب، وليس بيد الناس من الكلام العربي غيرُ القرآن، فقيّد رواة اللغة ما استطاعوا تقييده مما وعته حوافظُ أبناء العرب من شعرهم ومُلحهم وأمثالهم ومحادثاتهم، ومما تلقوه بالسماع من البقية الباقية من العرب في البوادي، مثل العجَّاج ورؤبة وذي الرمة، ومن محادثة بعض الرواة في تَطْوافهم بالبوادي العربية، فدوّنوا من ذلك ما يرجع إلى النوعين المبدَّإِ بهما هذا المبحث بأقسامهما، وسَمّوه بالقياسي وبالجاري على القياس، لأن لكل متكلّم بالعربية أن ينطق بالألفاظ الداخلة تحت ذينك النوعين.
وقد اختلفوا في القياس على ما عدا ذينك، ومعنى القياس أنه إلحاق كلامٍ غير ثابتةٍ كثرةُ استعمال نظيره عن العرب بكلام ثابتٌ عنهم كثير استعماله؛ لمساواة الكلامين فيما يوجب ذلك الإلحاق. والمراد بمخالف القياس ما كان من التصرفات مخالفًا للنظائر الكثيرة الثابتة في كلام العرب، ولو كان هو بخصوصه ثابتًا في كلام العرب.
فأما الشاذُّ فالمراد به ما لم يُسمع عن العرب إلا نادرًا، فقد يكون قياسًا، وقد يكون مع شذوذه غير قياس. فإذا اجتمع الشذوذُ ومخالفةُ القياس فاستعمال ذلك الذي اجتمع فيه الأمران قبيحٌ عندهم. وإذا انفردت مخالفةُ القياس مع الشيوع فالاستعمال جائز. وإذا انفرد الشذوذ مع القياس فهو محل خلاف بينهم. وهنالك قسم آخر، وهو أن يكون اللفظ جاريًا على القياس وغير مسموع من العرب. قال ابن جنّي:
"يقلُّ الشيء وهو قياس، كقولهم في النسب إلى شَنُوءة: شَنَئِيّ، فلك في النسب إلى حَلوبَة أن تقول: حَلَبِيّ، وإلى رَكوبة: رَكَبيّ، لأنهم أجروا فَعُولَة مجرى فَعِيلة. فكما قالوا في حنيفة حَنَفيّ فكذلك قالوا في شنوءة، فجرت واوُ فعولَة مجرى ياء فَعِيلة، قال أبو الحسن الأخفش: إن قلتَ إنما جاء هذا النسبُ في حرفٍ واحدٍ، يعني شنوءة، قلت: هو جميعُ ما جاء، يعني أن الذي جاء هذا النسبُ في فَعُولَة هو هذا الحرف (أي الكلمة)، والقياس قابِلُه، ولم يأت فيه شيء ينقضه، فإذا قاس الإنسان
على جميع ما جاء وكان قياسه صحيحًا فلا غَرْوَ ولا ملَامَ. وقد يكثر الشيء ولا يكون هو على القياس، فلا يجوز أن يقاسَ عليه، كقولهم في النسب إلى ثَقِيف ثَقَفي، وفي قريش قُرَشي، فهذا كثير أكثر من شَنَئِيّ، والقياس عليه ضعيف عند سيبويه، فلا يجوز أن تقول في النسب إلى سعيد وكريم سَعَدى وكَرَمى، فقد بَرَدُ في اليد من هذا الموضع قَانُونٌ يُحمل عليه ويُردُّ غيره إليه". (1)
وقد أخذنا من كلام أئمة العربية قاطبةً أن القياس في اللغة العربية لمن شاء التكلم بها يتصور على أنحاء:
الأول: ما شاع وكثر وروده عن العرب من ألفاظ وصيغ، سواء وافق القياس أم خالفه وسواء ثبت عندهم لفظه، أي: ذاته أو نوعه، قال ابن جني في الخصائص:"قال لي أبو علي الفارسي [بالشام]: إذا صَحَّت الصفةُ فالفِعل في الكَفّ"، قال ابن جني:"وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل، لم يتخالج شكٌّ في الفعل الذي هو الفرع. . . لأن المصدر أشدُّ ملابسةً للفعل من الصفة". (2) وهذا النوع قد اتفق أئمة العربية على جواز استعماله فيما ورد فيه، وذلك موعَب في كتب النحو وكتب البيان.
الثاني: ما ثبت عنْهم ولم يَشِعْ، وذلك إن كان جاريًا على القياس لا يضره عدمُ الشيوع؛ لاحتمال أن الرواةَ لم يستقرئوا النقل. وهنالك نزاع بينهم في أنَّ هذا هل يُعد من الغريب المنافي للفصاحة التي اشترطوا فيها ألا يكون في الكلام كلماتٌ غريبة أو لا يُعَدّ منه.
الثالث: ما ثبت عنهم من ألفاظ ولم يَشِعْ في استعمالهم وخالف القياس، وقد اختلفوا فيه، والجمهور على أنه يقتصر على السماع، وهذا مثل القلب في بعض الجموع، كقولهم في جمع رِئم: آرَام، وقولهم: تَوَأَّدَ في تأوَّد بمعنى تثاقل في فعله مشتقًّا من الأود وهو الثقل. قال الأزهري: "والمقلوباتُ في كلام العرب كثيرة، ونحن
(1) ابن جني: الخصائص، ج 1، ص 154 - 155. وقد أورد المصنف كلام ابن جني بتصرف واختصار.
(2)
المصدر نفسه، ص 159. وما بين معقوفتين لم يذكره المصنف.
ننتهي إلى ما ثبت لنا عندهم، ولا نُحْدث في كلامهم ما لم ينطقوا به، ولا نقيس على كلمة نادرة جاءت مقلوبة" (1).
الرابع: ما ثبت نظيرُه من الصيغ، وهو جارٍ على نظائر في الاشتقاق، ولكنه سُمع عن العرب في بعض الألفاظ ولم يُسمع في البعض الآخر، وهذا مثل صَوْغ وزن فَعَالِ مصدرًا، فقد سمع فَجَارِ ولم يسمع كَفَافِ (2)، وكذلك وزن فَعَلى كالجَمَزَى ولم يسمع الغَزَلَى والوجَلَى، ومثل وَزن فِعْلان بكسر الفاء سُمع حُوت ولكم يُسمع في جمع نُون (3).
الخامس: ما لم يثبت لفظه ولا يثبت نظيره، ولكنه جارٍ على القياس في الاشتقاق، كصَوغ تَبَرْنَس بمعنى لبس البُرْنُس، قياسًا على تَعَمَّمَ وتَدَرَّعَ، وكجمع دَجَّال على دَجَاجِلة، وكذلك إشباع حروف بعض الكلمة نحو يَنْباعُ في يَنْبَعُ.
السادس: ما لم يثبت عن العرب إطلاقُ لفظ عليه، ولكنه أُطلق لفظٌ على ما هو مشتمل على معناه، مثل لفظ الخمر على شيء مسكر، ولفظ السارق على النَّبَّاش، ولفظ الدابّة على الطائر (4).
(1) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد: تهذيب اللغة، تحقيق جماعة من العلماء وتقديم عبد السلام محمد هارون (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر والدار المصرية للتأليف والترجمة، نشر على مدى عدة سنوات بدءًا من 1384/ 1964)، ج 14، ص 244 (باب اللفيفي من حرف الدال - فصل "وأد"). وقد ذكر ابن منظور كلام الأزهري في فصل الهمزة من باب الدال عند الكلام على معاني تاود وتوأد واتأد. لسان العرب، ج 3، ص 75.
(2)
إشارة إلى طالع قصيدة قالها المعري في بغداد يرثي الشريف أبا أحمد الملقب بالطاهر ويعزي ابنيه أبي الحسن الملقب بالرضي وأبي القاسم الملقب بالمرتضى:
أَوْدَى فَلَيْتَ الحَادثَاتِ كَفَافِ
…
مَالُ المُسِيفِ وَعَنْبَرُ المُسْتَافِ
سقط الزند، ص 250.
(3)
إشارة إلى ما وقع في شعر بشار من ذلك، وسيأتي.
(4)
إشارة إلى ما وقع في حديث الموطأ في كتاب العدة: أخذت دابة من طير أو غيره فافتضت به. ولفظه في الموطأ 2/ 597 رقم (103): كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشًا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمرها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفت ضبه (أي: تمسح به جلدها. . .).
فإطلاق ما ثبت عن العرب من الألفاظ والصيغ والأحكام مما دل حالُ كلامهم على أنه كُلِّيَّاتٌ تقال في جزئياتها من معاني اللفظ أو أنواع الموادّ للصيغة الواحدة ليس من القياس، بل هو استعمال. وكذلك استعمالُ ما ثبت بالنوع كأنواع المجاز وذلك في النحوين الأول والثاني، كما أن ما لم يثبت بذاته ولا بقاعدة لا يجوز إطلاقه، لأنه يشبه وضعَ لغة جديدة، وهو أحد معاني القياس في قولهم لا تثبت اللغة بالقياس، وذلك في النحو السادس.
ولم يقل بجواز القياس في هذا النحو إلا بعضُ علماء الأصول من الشافعية، وهو خطأ منهم، وقائلوه ليسوا من أهل العربية (1). وبقي النزاع في الأنحاء الثالث والرابع والخامس.
قال ابن جني في الخصائص: "واعلم أن من قوة القياس عندهم اعتقادَ النحويين أن ما قِيسَ على كلام العرب فهو عندهم من كلام العرب، نحو قولك في قوله: كيف تبنى من ضَرَبَ مثل جعفر: ضَرْبَب هذا من كلام العرب، ولو بنيتَ مثله ضَيْرب، أو ضَوْرَب، أو ضَرْوَب، أو نحو ذلك، لم يُعتقد من كلام العرب؛ لأنه قياس على الأقلِّ استعمالًا والأضعفِ قياسًا". (2)
وفي لسان العرب في مادة كبر: " [والكبر معظم الشيء، بالكسر. وقوله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)} [النور: 11]؛ قال ثعلب: يعني معظم الإفك. قال الفراء: اجتمع القراء على كسر الكاف]، وقرأها حُميد الأعرج وحده: كُبْرَهُ، (بضم الكاف)، فقال الفراء: هو وجه جيد؛ لأن العرب تقول: فلان تولَّى عُظْمَ
(1) يقصد المصنف أنهم ليسوا من أهل الاختصاص في علوم اللغة العربية.
(2)
ابن جني: الخصائص، ج 1، ص 153. وقد خصص ابن جني بابًا كاملًا لهذه المسألة بعنوان:"باب في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب"(ج 1، ص 356 - 567).
الأمر (بضم العين وسكون الظاء)، يريدون أكثره. قال أبو منصور: قاس الفراء الكُبْرَ على العُظْمِ، وكلامَ العرب على غيره". (1)
فبشار قد نشأ في مواطن العرب بالبادية، وأدرك العربَ الباقين من بني عامر بن صعصعة وتلقى اللغة بسمعه، ولم يخلط في معاشرته بين العرب والمولدين. فهو لنشأته في ذلك العصر لا يُتَّهم بأنه يخترع لغةً أو يقيس فيها على غير أصل؛ إذ ليس به مُلجئ إلى ذلك، وله في سعة العربية مَنْدُوحةٌ عن الدخول في مضايق الاختراع والقياس. فما نجده في شعره من صيغ لموادَّ عربية مما لا شاهدَ لثبوته في كتب اللغة فليس ذلك بسبيل أن يُعَدَّ عليه لَحْنًا، كيف وهو عربي السليقة باتفاقهم؟ ولكنه لا يُظَن به إلا أن يكون قد سمع ذلك من العرب فاستعمله، أو عَلم من عادتهم اشتقاقَ مثله وجوازَ قياسه.
فإذا كان رواةُ العربية وعلماؤها قد أبَوْا أن يتلقَّوا من كلامه ما يجعلونه شاهدًا للعربية، لأجل دخوله الحواضِرَ، ومعلوم ما كان في نفوسهم من الظِّنَّة لمن تطرقوا الحواضر بسكناهم، حياطةً للعربية أن يُثبتوا فيها ما يطرقه الاحتمال، فهو أيضًا بعربيته لا يعبأُ بإِباءِ رُواة العربية مما أبَوْه عليه، وهذا مثارُ الخلاف بينه وبين سيبويه والأخفش في عدة مسائل (2).
(1) ابن منظور: لسان العرب، ج 5، ص 128 - 129. ما بين الحاصرتين لم يورده المصنف، وأبو منصور هو الأزهري. انظر ما ذكره ابن منظور في: الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد: تهذيب اللغة، تحقيق جماعة من العلماء (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والنشر، 1384/ 1964)، ج 10، ص 209.
(2)
ذكر الأصفهاني أن الأخفش طعن على بشار في بعض شعره، "فبلغ ذلك بشارًا فقال: ويلي على القصارين [يعني الخياطين]! متى كانت الفصاحةُ في بيوت القصارين! دعوني وإياه، فبلغ ذلك الأخفشَ فبكى وجزع، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: وما لي لا أبكي وقد وقعتُ في لسان بشار الأعمى! فذهب أصحابه إلى بشار فكذّبوا عنه واستوهبوا منه عِرضَه وسألوه ألا يهجوه، فقال: قد وهبته للؤم عرضه. فكان الأخفش بعد ذلك يحتج بشعره في كتبه ليبلغه فكفَّ عن ذكره بعد هذا". الأغاني، ج 1/ 3، ص 692 (نشرة الحسين).
وقد جزم علماءُ العربية بأن ناسًا من المولَّدين قد بلغ حظُّهم في العربية مبلغَ أن يكون كلامُهم حجةً فيها، مثل الإمام محمد بن إدريس الشافعي؛ لأنه نشأ في هُذَيل حتى إن الأصمعي روى عنه عربيةً كثيرة، ومثل أبي الطيب المتنبي وأبي القاسم الزمخشري. فليس بشارٌ بالقاصر عن هذه المرتبة التي وُضِع هؤلاء فيها؛ إذ هو معاصرٌ العجاجَ وذا الرمة ورؤبةَ بنَ العجاج.
على أن بشارًا كان يُدِلُّ بعلمه في العربية، فيعمد إلى تغيير في بعض الكلمات إذا رأى لذلك داعيًا. قال أبو هلال العسكري في "ديوان المعاني": ذكر بشار في قصيدة له داليّة بناها على فتح حرف الرِّدْف (1) فوقع له فيها لفظ "صِنْدد" و"رِمْدد" ففتح دَالَيها، إذ حَكى محمد بن حبيب أنه رواهما بفتح الدالين، والفتح خطأ، إذ ليس في العربية فِعْلَل إلا دِرْهَم، وهِجْرَع الطويل الأحمق، وهِبْلَع الكثير البلع، وقِلْعَم الكثير القلع للأشياء. قال أبو هلال:"وكابَرَ في فتح الراء من دَرَم في القصيدة التي أولها: أَفيضَا دمًا إن الرَّزايا لها قِيم". (2)
(1) أراد بالردف الحرف الذي قبل حرف الروي على اصطلاح المتقدمين، وإن كان أهلُ العروض لا يسمون بالردف إلا الواو والياء اللينتين إذا وقعتا قبل حرف الروي. - المصنف.
(2)
الصحيح أن كلام أبي هلال يدور على أبيات لابن الرومي لا بشار، فقد قال تعليقًا على بيت ابن الرومي:
مَنَاكَ لَهُ مِقْدَارُهُ فَكَأَنَّمَا
…
تَقَوَّضَ ثَهْلانٌ عَلَيْهِ وَصِنْدَدُ
"فقال: صندَد، بفتح حرف الردف، وهو خطأ. وليس في العربية فعلَل، إلا درهم، وهجرع وهو الطويل الأحمق، وهبلع وهو الكثير البلع، وقلعم وهو الكثير القلع للأشياء. وكان بنى قصيدتَه على فتح الردف، ولم يلزمه ذلك، وكابر على فتح صندد ورمدد، وهما مكسوران، فزعم محمد بن حبيب أنه رواهما بالفتح. وكابر أيضًا على فتح الراء في "درم" في قصيدته التي أولها: أَفيضَا دمًا إن الرَّزايا لها قِيم، وإنما هو دَرِم". العسكري: ديوان المعاني، ص 405. والبيت محل النقد من قصيدة طويلة من بحر الطويل يمدح فيها الشاعرُ ذا الوزارتين صاعد بن مخلد (توفي سنة 272 هـ) طالعها: أبين ضلوعي جمرة تتوقد. وثُهلان: جبل بالعالية، وصِندد: جبل بتهامة. وكذلك فإن قصيدة "أَفيضَا دمًا" هي لابن الرومي وليست لبشار كما يوحي به كلام المصنف عليه رحمة الله، والبيت موضع النقد فيها هو قوله: =
ومن إدلاله بعلمه أيضًا ارتكابُه ما لا يجوز في اللغة عند الضرورة - علمًا بأنه لا يُتّهم بالجهل - فسلك مسالكَ شعراء العرب في إقدامهم على ما بسبب الإقدام عليه اتسعت الوجوهُ في اللغة، فقد قال بشار (في الورقة 197):
زُرِي رَوْحًا فَلَنْ تَجِدِي كَرَوْحٍ
…
إذَا أَزِمَتْ بِكِ السَّنَةُ الجَمَادُ (1)
فقوله: "زُرِي" صوابه "زوري" بإثبات الواو التي هي عين الكلمة، إذ لا موجب لحِذفها؛ فإنها في أمر المذكر لالتقاء الساكنين، إذ الأمر مجزوم، وأما في أمر المؤنثة فلا موجب لحذفها، لأن ما بعدها متحرك بحركةٍ مناسبة الياء.
فشعرُ بشار يُسْتَخْلَصُ منه مَذْهبُه في طريقة اشتقاق اللغة للمتكلِّم بها، فهو يرى جوازَ اشتقاق الألفاظ بصيغة من صيغ الاشتقاق التي اشتقّ جها العربُ من كل مادة عربية أصلية على حسب القواعد والضوابط المستقراةِ من كلام العرب، دون توقّفٍ على سماع تلك الصيغة بعينها من تلك المادّة. ومثال هذا قوله:
وَإِذَا سَرَى كَحَلَ الزَّميلَ بأَرْقةٍ
…
مِنْ قَرْعِ بَازِلهِ وَمِنْ قَيْقَابِهِ (2)
فصاغ القيقابَ مصدرًا من قبَّ الفحل قَبًّا إذا قَعْقَعَتْ أنيابُه، والفِيْعَال يكون مصدر فَاعَلَ، نحو القِيتال، وهو يأتي للمبالغة، فأتى به كذلك، وجاء بصيغته، وهي
= سَمَا نَحْوَهَا خَطْبٌ مِنَ الدَّهْرِ فَاتِكٌ
…
فَطَاحَتْ جُبَارًا مِثْلَ صَاحِبِهَا دَرَم
وانظر البيتين في: ديوان ابن الرومي، ج 1، ص 381؛ ج 3، ص 294. ومما يؤيد ما قررناه أن المصنف لم يلحق الأبيات المذكورة في ديوان بشار.
(1)
ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 56. والبيت من قصيدة طويلة من بحر الوافر يمدح فيها بشار رَوح بن حاتم، ويشبب فيها بامرأة اسمها ريمة.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 303. البيت هو الثامن والعشرون من قصيدة واحد وسبعين بيتًا من بحر الطويل يمدح فيها بشار داود بن حاتم. والقيقاب خرزة تُصقل بها الثياب، شبه بها ناب البعير.
صيغة معروفة ولكنها لم تُسمع في هذه المادة (1). واستعمل جَنَابَاوَيْه في مَيْمَنة الجيش ومَيْسَرته، وإنما يسمَّيان مُجنَّبَتَيْ الجيشِ، فلما قال أهل اللغة: إنما سُمِّيَتا مُجَنِّبَتَيْن لأنهما تأخذان جَنَابَي الطريق، سمّاهما باسم المكان، هذا إذا لم يكن قد ثبت سماع هذا الإطلاق من أهل اللسان، وقد أهمله مدونو اللغة. واستعمل وصف مُقْوَدّ في قوله:
كَأَنَّهُ مِنْ غُلَوَاءِ الجُرْدِ
…
فِي العَسْكَرِ المُسْلَنْطِحِ المُقْوَدِّ
ولم ينقل عن العرب مُقْوَدّ ولا اقْوَدَّ، ولكنه جاء على وزن مُعْوَجٍّ ومُزْورّ ومُحْمرّ، من اعوجّ وازورّ واحمرّ، فقدّر بشار فِعْل اقْوَدّ، وصاغ منه مُقْوَدّ (انظر البيت في الورقة 157) (2). ونظيره قوله أيضًا في هذه القصيدة:"تَرْقَدُّ في رَيْعانِها المُرْقَدِّ". (انظر البيت 21 في الورقة 155)(3). وأما قول بشار (في الورقة 209):
دَعْ عَنْكَ حمَّادًا وخُلْقَانَهُ
…
لَا خَيْرَ فِي خُلْقَانِ حَمَّادِ (4)
فاستعمل خُلقان بمعنى الخُلُق، والمعروف أنه جمع خَلَق، وهو الثوب الرثّ، ولا يصح أن يكون هذا قياسًا على جمع خَلَق، إذ ليس من باب واحد، ولا أن يكون مَصدرًا كالكُفْران والغُفْران، والشُّكْران، فتعين أن يكون قد سمع هذا اللفظ من العرب أو رأي جواز اشتقاقه. وكذلك قوله (في الورقة 101):
(1)[إذا صغنا "فاعل" من قب، كان "قاب" بباء مشددة، وكان مصدر "الفيعال" منها "القيباب" لا "القيقاب". والرأي عندنا أن "قيقابه" في البيت تحريف، والأصل: "قبقابه" والقبقاب: الجمل الهدار. ولعل بشارًا استعمل القبقاب مصدرًا لقبقب]- الناشر.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 169.
(3)
وتمام البيت:
تَرْقَدُّ في رَيْعانِها المُرْقَدِّ
…
وَعَاصِفٍ مِنْ آلِهَا المُشْتَدِّ
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 161.
(4)
ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 93.
وَأَفْلَتَ يَمْرِي ذَاتَ عَقِبٍ كَأَنَّهَا
…
حُذَارِيَّةٌ مِنْ رَأْسِ نَيْقٍ تَدَلَّتِ (1)
استعمل حذارية للصخرة من الجبل، والمعروف في اللغة حِذْرِيَّة، فلعله حَفِظ عن العرب حِذَارية بالإشباع، أو لعله أراد النسبَ إلى الجمع، أي واحدة من هذا الجمع، فيكون بتشديد الياء (2). ومن ذلك إشباع الحركات في نحو قول بشار (في الورقة 197):
أَغَرُّ عَلَى المَنَابِرِ أَرْيَحِيٌّ
…
كَأَنَّ جَبِينَهُ القَمَرُ الفَرَادُ (3)
ولم يسمع فراد، وإنما سمع فَرَد بفتحين. واستعمل الثِّيبَ بكسر الثاء في جمع الثَّيِّب، وهو غير مسموع، إذ لم يقولوا: امرأة ثيباء ولا رجل أَثْيَب، كما قالوا: رجل أَشْيَب وليلة شيباء، فجمعه بوزن فُعْل الذي يصير إلى فِعْل بكسر الفاء لأجل استثقال الضمة قبل الياء الساكنة، وكأنه قد جوّز أن يقال: امرأة ثَيْبَاء، وذلك في قوله (في الورقة 30):
(1) ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 11. والبيت هو الثاني قبل الأخير من قصيدة من ثمانية وعشرين بيتًا من بحر الطويل قالها بشار "يتغزل ويفتخر بأيام بني عامر مواليه في اليمامة بلاد بني حنيفة". انظر مزيدًا من التفاصيل عن أحداث مناسبة هذه القصيدة في المصدر نفسه، ص 8 (الحاشية *).
(2)
لنا في كلمة "حذارية" توجيه آخر، وسنذكره في موضع البيت من الديوان. - المصنف. قال:"والحذارية الظاهر أنه أراد بها الحِذرية (بكسر الحاء وتحتية بعد الراء)، وهي القطعة من أرض غليظة، وتُجمع على حَذَارَى (بفتح الحاء وبالقصر). فلعل بشارًا أراد النسبَ وأخذه من هذا الجمع، فتكون بفتحل الحاء المهملة، وضبطها في الديوان بضم الحاء، ولا وجهَ له". (المصدر نفسه، ص 11، الحاشية رقم 4).
(3)
ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 56. البيت من قصيدة طويلة من ستة وخمسين بيتًا من بحر الوافر يمدح فيها رَوْح بن حاتم بن المهلب بن أبي صفرة، وروح - كما ذكر المصنف - "كان عاملًا للدولة العباسية على السند ثم على فلسطين، وعمل لخمسة من الخلفاء: السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد. . . ولما مات يزيد بن حاتم أخو روح أمير إفريقية بالقيروان، وجه الرشيد روحًا إلى إمارة إفريقية سنة 171، فبقي بالقيروان إلى أن توفي سنة 174 في رمضان، ودفن في قبر أخيه يزيد في باب سلم من أبواب مدينة القيروان. . . وبشار مدح روحًا بهذه القصيدة في خلافة المهدي، وكان روح أمير الكوفة ثم البصرة والسند في زمن المهدي". المصدر نفسه، ص 348 (الحاشية *).
فَلَا بُدَّ أَنْ تَغْشَاكَ - حِينَ غَشِيتَهَا
…
هَوَاجِدُ أَبْكارٍ عَلَيْكَ وَثِيبُ (1)
وأما في اشتقاق الأفعال فتوسعه كثير، ولا عجب في ذلك لأنه أخف من القياس على الأسماء إلا أن بشارًا يعمد إلى ضربٍ من اشتقاق الأفعال، وهو عدم اكتراثه بالتعدية واللزوم، فربما استعمل القاصرَ متعديًا كقوله:
وَحَاسِدُ قُبَّةٍ بُنِيَتْ لِرَوْحٍ
…
أَطَالَ عِمَادَهَا سَلَفٌ وَآدُوا (2)
فاستعمل آد بمعنى قوّى متعدّيًا من الأيْد، والمعروف في كلام العرب أنه قاصر، يقال: آدَ فلان، إذا اشتدّ وقوِي (3).
وأما توسُّعه في مخالفة قواعد الإعراب، فله شذوذاتٌ غير مسموع نظيرها، ولعلها من التنادر الذي أهمله أئمّة العربية لشدة ندوره، كقوله:
كَلَا المَيْتِ وَإِيَّانَا
…
كَمَا لَاقَى وَلَاقَيْتُ (4)
فأضاف "كَلَا" إلى اسم ظاهر، وهو وارد في الضرورة بالعطف، كقول الشاعر:
كَلَا أَخِي وَخَلِيلي وَاجِدِي عَضُدًا
…
فِي النَّائِبَاتِ وَإلمَامِ المُلِمَّاتِ (5)
(1) ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 210. البيت هو السادس من قصيدة من سبعة وثلاثين بيتًا من بحر الطويل قيلت في النسيب بسعدى بن صقر بن قعقاع المالكية من بني بكر.
(2)
ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 56.
(3)
هذا القول موضع نظر نبسطه في مكان البيت من الديوان. - المصنف. قال في التعليق على البيت: "آدوا هنا بمعنى ثبَّتوا وقَوَّوْا، فإما أن يكون مأخوذًا من الأَيْد وهو القوة، فيكون فعلًا ثلاثيًّا متعديًا. ولكن المعروف في كتب اللغة أن الثلاثيَّ من الأيد إنما هو قاصر، يقال: آد يئيد إذا اشتد وقوي. فالعهدة على بشار في هذا الاستعمال. وإما أن يكون من الأود - بالواو - وهو الثقل، فيكون هنا مجازًا في التثبيت؛ لأن الشيء الثقيل يثبت على الأرض ولا يتزلزل". ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 56 (الحاشية رقم 1).
(4)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 24. البيت هو الخامس والعشرون من قصيدة من اثنين وأربعين بيتًا من بحر الهزج، قالها في النسيب بعبدة.
(5)
هذا البيت من الشواهد النحوية التي لم ينسبها العلماء لقائل معين، والله أعلم.