المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

لَا يُؤْيِسَنَّكَ مِنْ مُخَدَّرَةٍ … قَوْلٌ تُغَلِّظُهُ وَإِنْ جَرَحَا (1) فقال - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌بشار بن برد: حياته وشعره

- ‌مقدمة:

- ‌نسب بشار:

- ‌اسمه وكنيته ولقبه:

- ‌أهل بشار:

- ‌مولده ونشأته ووفاته:

- ‌صفته:

- ‌عمى بشار:

- ‌لباسه:

- ‌خلق بشار:

- ‌بداهة جوابه وملحه:

- ‌مجلس بشار:

- ‌اعتقاد بشار:

- ‌سبب وفاته:

- ‌مكانته لدى الخلفاء والأمراء:

- ‌غرامه وهل هو حقيقة أو تصنع

- ‌سعة علمه بالعربية وتفننه:

- ‌البصرة وقبائل العرب حولها:

- ‌مرتبته من العلم:

- ‌شعر بشار

- ‌نظم شعره:

- ‌نسيب بشار:

- ‌هجاء بشار:

- ‌رجز بشار:

- ‌أقدم شعر بشار:

- ‌رواة بشار وكاتبو شعره:

- ‌توسع بشار في اللغة وقياسه فيها:

- ‌توسعه في العروض وفي الضرورة:

- ‌مكانة شعر بشار من حفظ فصيح اللغة ومستعملها:

- ‌مكان شعر بشار من حفظ التاريخ في الجاهلية والإسلام:

- ‌شهادة الأئمة لبشر بجزالة الشعر وسلامة الذوق:

- ‌اهتمام أهل الصناعة بشعر بشار:

- ‌من نقد بشارا ومن أجاب عنه:

- ‌نقده للشعر والشعراء:

- ‌مكانة بشار من النثر:

- ‌علاقة بشار بإفريقية:

- ‌أعلام شعر بشار:

- ‌ديوان بشار:

- ‌النسخة المستخرجة من هذا الجزء من الديوان:

- ‌[خاتمة: منهج المصنف في تحقيق الديوان]:

- ‌قراطيس من نقد الشعر

- ‌القرطاس الأول:

- ‌القرطاس الثاني:

- ‌القرطاس الثالث:

- ‌القرطاس الرابع:

- ‌طريقة من شعر العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة

- ‌السند التونسي في علم متن اللغة

- ‌ابن سيده:

- ‌اتصال السند الأندلسي بتونس:

- ‌المحْوَر الخامِسمُرَاجَعَات وَمُتَابَعَات وَمُتفَرَّقات

- ‌الفَرْع الأَوّلمُرَاجَعَات

- ‌نقد علمي لكتاب "الإسلام وأصول الحكم

- ‌[تقديم]

- ‌الكتاب الأول: الخلافة والإسلام

- ‌الباب الأول: الخلافة وطبيعتها:

- ‌الباب الثاني: في حكم الخلافة:

- ‌الباب الثالث: في الخلافة من الوجهة الاجتماعية:

- ‌الكتاب الثاني: الحكومة والإسلام

- ‌الباب الثاني: الرسالة والحكم:

- ‌الباب الثالث: رسالة لا حكم، دين لا دولة:

- ‌الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ

- ‌الباب الأول: الوحدة الدينية والعرب:

- ‌الباب الثاني: الدولة العربية:

- ‌الباب الثالث: الخلافة الإسلامية:

- ‌[خاتمة]

- ‌نظرة في الكتاب المعنون "‌‌مقدمةفي النحو" المنسوب إلى الإمام خلَف الأحمر

- ‌مقدمة

- ‌مؤلف هذه المقدمة:

- ‌هل يعد خلف الأحمر من أئمة النحو؟ وهل يعد من نحاة المذهب البصري أو من نحاة المذهب الكوفي

- ‌وصف هذه المقدمة:

- ‌إيضاح ما يحتاج إليه في المقدمة:

- ‌تفسير الشواهد الشعرية الواردة في هذه المقدمة وهي غير معروفة في شواهد النحو

- ‌نظرة في كتاب "الجامع الكبير" لابن الأثير

- ‌مقارنة وتحليل بين كتاب "المثل السائر" وكتاب "الجامع الكبير

- ‌تُحفةُ المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح

- ‌[مقدمة]

- ‌[نسب اللبلي وطرف من حياته ورحلته وأسماء أساتذته وتلاميذه]

- ‌مؤلفاته

- ‌صفة كتاب تحفة المجد الصريح

- ‌كتاب الفصيح وما عليه من الشروح

- ‌هل توجد نسخة أخرى من كتاب تحفة المجد الصريح

- ‌تكملة وتقفية للتعريف بكتاب "تحفة المجد الصريح" وصاحبه وأصله

- ‌تصحيح أخطاء وتحاريف في طبعة جمهرة الأنساب لابن حزم

- ‌الفَرْعُ الثَّانِيمُتَابعَات

- ‌أخطاء الكتاب في العربية: رد على نقد

- ‌تحقيق ترجمة عالم كبير وإصلاح وهْم في تسميته

- ‌نظرات على ترجمة السكاكي

- ‌نسبه:

- ‌اهتمام العلماء بكتاب المفتاح

- ‌نشأة السكاكي الجثمانية والعلمية:

- ‌نحلته ومذهبه

- ‌العصر الذي ألف فيه "المفتاح

- ‌تذييل لترجمة سعد الدين التفتازاني

- ‌الفَرْعُ الثَّالِثمُقَدِّمات كُتُب

- ‌النابغة الذبياني وشعره

- ‌نسبه:

- ‌مكانته في الشعر

- ‌ما عيب به شعره:

- ‌تحكيمه بين الشعراء:

- ‌اتصاله بالنعمان بن المنذر:

- ‌لحاق النابغة بملوك غسان بعد هربه من النعمان بن المنذر:

- ‌انقطاع أخريين النابغة والنعمان، ورجوعه إلى النعمان لما بلغه مرضه:

- ‌شرف النابغة ورفاهية عيشه

- ‌دين النابغة:

- ‌من لقب بالنابغة من الشعراء بعد النابغة الذبياني:

- ‌تنبيه لتكملة ديوان النابغة:

- ‌الواضح في مشكلات شعر المتنبي

- ‌الغرض من هذا الكتاب

- ‌طريقة هذا الكتاب:

- ‌ترتيب الأبيات التي فسرها في هذا الكتاب:

- ‌ترجمة مؤلف كتاب الواضح:

- ‌اسم الكتاب:

- ‌نسخة الكتاب:

- ‌سرقات المتنبي ومشكل معانيه

- ‌من هو ابن بسام صاحب الذخيرة

- ‌غرض هذا الكتاب وطريقته

- ‌مؤلف هذا الكتاب

- ‌صفة نسخة كتاب "سرقات المتنبي ومشكل معانيه" لابن بسام النحوي:

- ‌الفتح ابن خاقان وكتابه "قلائد العقيان

- ‌ترجمة مؤلف "قلائد العقيان

- ‌مشيخته:

- ‌مكانته من الإنشاء والشعر:

- ‌تآليفه:

- ‌أخلاقه وحاله:

- ‌كتاب "قلائد العقيان

- ‌اسم الكتاب:

- ‌حالةُ نسخ كتاب القلائد مخطوطها ومطبوعها:

- ‌النسخ التي أجريت المقابلة بها:

- ‌المطبوعات من "قلائد العقيان

- ‌الفَرْعُ الرَّابعُخُطَب وَرَسَائِل

- ‌خطاب ابن عاشور عند عودته لمشيخة جامع الزيتونة وفروعه عام 1364/ 1945

- ‌خطاب في حفل اختتام السنة الدراسية بجامع الزيتونة

- ‌فضيلة العلم وحظ الأمة التونسية منه:

- ‌النصح للزيتونة هو النصح لمتعلميها:

- ‌كيف كانت العلوم بالزيتونة وكيف يجب أن تكون

- ‌ضبط البرامج:

- ‌عناية ملوك تونس بالعلم:

- ‌شكر الأمة التونسية

- ‌شكر الطلبة الزيتونيين:

- ‌العناية بالفروع الزيتونية:

- ‌العناية بالتعليم الابتدائي:

- ‌دعوة أبوية لشيوخ التدريس:

- ‌النتيجة بعد اطراد العناية:

- ‌الحمد لله .. لنحمد الله

- ‌خطاب في احتفال جمعية الزيتونيين

- ‌خطاب بالفرع الزيتوني بصفاقس

- ‌خطاب في حفل الفرع الزيتوني بسوسة

- ‌خطاب في جامع عقبة خلال زيارة الفرع الزيتوني بالقيروان

- ‌خطاب في الاحتفال السنوي لمكتبة التلميذ الزيتوني

- ‌خطاب في الجلسة العامة للجنة الحي الزيتوني

- ‌خطاب في الذكرى السنوية الأولى لعودته إلى مشيخة الزيتونة

- ‌خطاب في موسم ختم السنة الدراسية

- ‌حوار حول إصلاح التعليم الزيتوني

- ‌[من تقديم محرر المجلة]:

- ‌الرسالة الأولى

- ‌الرسالة الثانية

- ‌الرسالة الثالثة

- ‌الرسالة الرابعة

- ‌الرسالة الخامسة

- ‌ملحق

- ‌رسالتان إلى الشيخ محمد الخضر حسين

- ‌الرسالة الأولى

- ‌الرسالة الثانية

- ‌رسالة إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة بمناسبة تأبين الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور

- ‌قصيدة في مدح الشيخ محمد النخلي

- ‌دعوة إلى الشيخ محمد الخضر حسين:

- ‌مصادر التحقيق ومراجعه

- ‌أعمال المصنف:

- ‌أ) التأليف:

- ‌ب) التحقيق:

- ‌التفسير والدراسات القرآنية:

- ‌الحديث والسنة:

- ‌علم الكلام والفلسفة:

- ‌الفقه وأصول الفقه:

- ‌اللغة والأدب:

- ‌التاريخ والسير والتراجم والطبقات:

- ‌موسوعات ومعاجم وقواميس:

- ‌المجلات والدوريات:

- ‌خطب ورسائل:

- ‌مراجع متنوعة:

الفصل: لَا يُؤْيِسَنَّكَ مِنْ مُخَدَّرَةٍ … قَوْلٌ تُغَلِّظُهُ وَإِنْ جَرَحَا (1) فقال

لَا يُؤْيِسَنَّكَ مِنْ مُخَدَّرَةٍ

قَوْلٌ تُغَلِّظُهُ وَإِنْ جَرَحَا (1)

فقال أبو نواس:

صَرِّحَنْ لِلَّذِي تُحِبُّ بِحُبٍّ

ثُمَّ دَعْهُ يَرُوضُهُ إِبْلِيسُ (2)

وسيأتي في فصل شهادة الأئمة لبشار كيف أخذ أبو العتاهية معنى بشار في إخفاء البكاء، فانظره هناك. ويأتي في ذلك الفصل قولُ علي بن يحيى بن أبي منصور:"ما عُرف بشارٌ بسرقة شعرٍ جاهليٍّ ولا إسلاميٍّ"، وذكر المعري في شرحه على ديوان المتنبي (معجزِ أحمد) أن المتنبي أخذ قوله في الخيل:

شَوَائِلَ تَشْوَالَ العَقَارِبِ بِالقَنَا

لَهَا مَرَحٌ مِنْ تَحْتِهِ وَصَهِيلُ (3)

من قول بشار:

وَالخَيْلُ شَائِلَةٌ تَشُقُّ غُبَارَهَا

كَعَقَارِبٍ قَدْ رَفَّعَتْ أَذْنَابَهَا (4)

‌نظم شعره:

كان بشار يُعنى أن يصوغ كثيرًا من قصائده على طريقة النظم العربي القديم، سواء كان من جهة المعاني، فيذكر الأطلال والرسوم والغُدُر والمراعي إعجابًا

(1) كتاب الأغاني، ج 3، ص 209 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 691 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 72. والبيت هو الثاني من قصيدة اثنين وأربعين بيتًا من بحر السريع، قالها بشار في النسيب بسُعدى، وقد ساقه الأصفهاني بلفظ "مخبَّأة" بدل "مخبرة".

(2)

ديوان أبي نواس، ص 379، وفيه:"عَرِّضَنْ" بدل "صَرِّحَنْ".

(3)

البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج 3، ص 221. والبيت من قصيدة قالها يمدح سيف الدولة، وطالعها:

لَيَالِيَّ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ شُكُولُ

طِوَالٌ وَلَيْلُ العَاشِقِينَ طَوِيلُ

(4)

المعري، أبو العلاء: شرح ديوان أبي الطيب المتنبي: معجز أحمد، تحقيق عبد المجيد دياب (القاهرة: دار المعارف، ط 2، 1413/ 1992)، ج 3، ص 339. وبيت بشار هذا لم ينشده غير أبي العلاء الذي اعتمد المصنف في تحقيقه عليه. ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 28 (الملحقات).

ص: 1631

بمقدرته على الالتحاق بشأن العرب الخلَّص، أم كان من جهة نسج نظمه، فيأتي على طريقة العرب في أساليب تراكيب الجمل عندهم وفي توخي الكلمات الواقعة في أشعارهم، وكل ذلك دليل على سعة علمه بالعربية الحقة وسلامة ذوقه، وقد أفصح عن عنايته هذه لِخلَفٍ الأحمرِ حين سأله عن وقوله:

بَكِّرَا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ

إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ (1)

كما سنذكره. وقد كان التنافسُ في التحاق شأوِ شعراء الجاهلية مرمى همم الشعراء والعلماء في ذلك العصر، حتى إن خلفًا الأحمر كان يتبجح بأنه يستطيع أن يضع في شعر كل واحد من شعراء الجاهلية أبياتًا، أو يعزوَ إليه قصائدَ تشتبه بشعره أتَمَّ الاشتباه. وقد قيل: إنه وضع اللامية التي أولها: "أقيموا بني أمِّي صدورَ مطيَّتكم" ونسبهما إلى الشنفَرَى لهذا الغرض، وإنه وضع القصيدة التي أولها:

إِنَّ بِالشَّعْبِ الَّذِي دُونَ سَلْعٍ

لَقَتِيلًا دَمُهُ مَا يُطَلُّ

وعزاها إلى الشنفرى أيضًا (2).

(1) ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 184.

(2)

والقصيدة من ستة وعشرين بيتًا من بحر المديد، ذكر منها أبو تمام أربعة وعشرين. وقد نسبت كذلك لتأبط شرًّا، قال المرزوقي:"ذُكر أنه لخلف الأحمر، وهو الصحيح". وعلق عليه الأستاذ عبد السلام هارون بقوله: "وعبارة التبريزي مطابقة لهذه"، وزاد:"وقيل: قال ابن أخت تأبط شرًّا، قال النمري: ومما يدل على أنها لخلف الأحمر قوله فيها: جل حتى دق فيه الأجل؛ فإن الأعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا. قال أبو محمد الأعرابي: هذا موضع المثل: ليس بعشك فادرجي. وليس من هذه الجهة عُرف أن الشعر مصنوع، لكن من الوجه الذي ذكره لنا أبو الندى قال: مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه سلعًا، وهو بالمدينة، وأين تأبط شرًّا من سلع؟ وإنما قتل في بلاد هذيل ورمي به في غار يقال له رخمان". المرزوقي: شرح ديوان الحماسة، ج 2، ص 827. ولكن الشيخ محمود شاكر عليه رحمة الله نهض لتحقيق القصيدة تحقيقًا دقيقًا ودراستها دراسة تاريخية ضافية وتحليلها تحليلًا عميقًا أفضيا به إلى تأكيد نسبتها إلى ابن أخت تأبط شرًّا. انظر: شاكر، محمود محمد: نمط صعْب، ونمط مخيف (جدة: دار المدني/ القاهرة: دار المدني، ط 1، 1416/ 1996). وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر الألماني غوته قام بترجمة هذه القصيدة إلى اللغة الألمانية.

ص: 1632

ومعلوم أن كل متعاطي صناعة هو مفتون بسمعة أساطينها ونوابغها. فالذي دعا أهلَ الأدب العربي إلى نزعة النسج على منوال المتقدمين أن الذي يفرع منهم ذروة البلاغة لا يزن هواة ذلك الفن مقداره إلا بميزان قربه من مشاهير أهل صناعتهم، فذلك الذي كان يبعث فحول شعراء الإسلام على التشبه في شعرهم بفحول الجاهلية تحديًا للناقدين ابتداءً، ثم لا يلبث ذلك التحدي حتى يصير لهم عادة، فلا يزالون يُعْجَبون بانتفاء الفروق بين شعرهم وشعر العرب القح؛ لأن الموازنةَ بين الشعرين تكون أمكنَ متى اتحدت طريقةُ الشعرين.

ولم يزل المحكمون في الأدب وفي العلوم يشترطون على المتناظرين وَحدةَ الموضوع. وعلماء الأدب يكلّفون المتأدبين نظمَ القصائد في الغرض الواحد والوزن والروي ليظهر القرب والبعد في الإجادة، كما يشهد بذلك اشتراط بديع الزمان وأبي بكر الخوارزمي على أنفسهما محاكاةَ قصيدة أبي الطيب:"أرَقٌ على أرقٍ ومثلي يأرَقُ" في مناظرتهما في الأدب. وبذلك يتبين صنيعُ الحريري في التحدي بمحاكاة شعر البحتري في المقامة الثانية (1)، وليس في المولَّدين من إذا أراد أن يشابه العرب في شعرهم شابههم مثل بشار، وخذ مثالًا من ذلك قصيدته التي طالعها - وهي في الديوان (2) -:

طَرِبْتَ إِلَى "حَوْضَى" وَأَنْتَ طَرُوبُ

وَشَاقَكَ بَيْنَ "الأَبْرَقَيْنِ" كَثِيب

(1) انظر "المقامة الحلوانية" في: الحريري، أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان: مقامات الحريري المسمى بـ المقامات الأدبية (بيروت: دار الكتب العلمية، بدون تاريخ)، ص 24 - 31.

(2)

وهي تشتمل على ثمانية وثلاثين بيتًا من بحر الطويل، قالها بشار في النسيب بسعدى بنت صقلا بن قعقاع المالكية من بني بكر. ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 208 - 214. و"حوضى" اسم مكان ورد في شعر النابغة، و"الأَبرقان": تثنية أبرق، جبل فيه لونان من رمل وحجارة فيكون أسود أبيض. والأبرقان: اسم غلب على أبرق حجر اليمامة، وهو منزل بعد رميلة اللوى من طريق البصرة للقاصد إلى مكة. المصدر نفسه، ص 208 (الحاشية رقم 1). وعبارة "وهي في الديوان" جاءت في الأصل بعد البيت مستغرقة مساحة سطر كامل، وقدمناها لغرض التحكم في تنسيق النص.

ص: 1633

وقد جمع بشار في ملكته الشعرية بين متانة المعنى وفصاحة اللفظ وبداهة القريحة، وقلما اجتمعت في شاعر. أحضره المهدي فقال له: "قل في الحب شعرًا ولا تطِلْ، واجعل الحبَّ قاضيًا بين المحبِّين، ولا تسمِّ أحدًا، فقال (على البديهة):

أَجْعَلُ الحُبَّ بَيْنَ حِبّي وبَيْنِي

قَاضِيًا إِنَّنِي بِهِ اليَوْمَ رَاضِي

فَاجْتَمَعْنَا فَقُلْتُ: يَا حِبَّ نَفْسِي

إِنَّ عَيْنِي قَلِيلَةُ الإغْمَاضِ

أَنْتَ عَذَّبْتَنِي وَأَنْحَلْتَ جِسْمِي

فَارْحَمِ اليَوْمَ دَائِمَ الأَمْرَاضِ

قَالَ لِي: لَا يَحِلُّ حُكْمِي عَلَيْهَا

أَنْتَ أَوْلَى بِالسُّقْمِ والإِحْرَاضِ

قُلْتُ لَمَّا أَجَابَنِي بِهَوَاهَا:

شَمِلَ الجورُ فِي الهَوَى كُلَّ قَاض

فبعث إليه المهدي: حكمتَ علينا ووافقَنا ذلك، وأمر له بألف دينار". (1)

وفي العقد الفريد: "قال الربيع: خرجنا مع المنصور مُنصرَفَنَا من الحج، فنزلنا الرَّضمة، واستقبله الناسُ وفيهم بشار، فلما أراد الرحيلَ في وقت الهاجرة لم يركب القبَّة وركب نَجيبًا فسار والناس حوله، فجعلت الشمس تضحك بين أعينهم، فقال المنصور: إني قائل بيتًا فمَنْ أجابه وهبتُ له جبّتي هذه، فقالوا: يقول أمير المؤمنين:

وَهَاجِرَةٍ نَصَبْتُ لَهَا جَبِينِي

يُقَطِّعُ ظَهْرُهَا ظَهْرَ العَظَايَهْ

فبادر بشار فقال:

وَقَفْتُ بِهَا القَلُوصَ فَفَاضَ دَمْعِي

عَلَى خَدِّي وَأقْصَرَ وَاعِظَايَهْ

(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 222 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 700 - 701 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 105 - 106 (الملحقات). وما بين القوسين زيادةٌ من المصنف. والإحراض: إدناف الحب، ومنه قول العرجي:

إِنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي

حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ

الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 1، ص 389 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 1، ص 248 (نشرة الحسين). وفيه "أنا" بدل "إني".

ص: 1634

فوهب له الجبّة، فباعها بأربعمائة دينار". (1)

ودعا عقبة بن سَلْم المالكي بشارًا وحماد عجرد وأعشى باهلة، فقال لهم: "إنه خطر ببالي البارحةَ مثَلٌ يتمثله الناس: ذهب الحمار يطلب قَرنَيْن فجاء بلا أذُنين (2)، فأخرجوه في الشعر، ومن أخرجه فله خمسةُ آلاف درهم، وإن لم تفعلوا جلدتكم كلكم خمسمائة. فقال حماد: أَجِّلنا أعزَّ الله الأميرَ شهرًا، وقال الأعشى: أجِّلنا أسبوعين، وبشار ساكتٌ لا يتكلم، فقال له عقبة: ما لك يا أعمى لا تتكلم، أعمَى الله قلبَك! فقال: أصلح الله الأمير، حضرنِي شيء، فإن أمرتَ قلتُه. قال: قل، فأنشد:

شَطَّ بِسَلْمَى عَاجِلُ البَيْنِ

وَجَاوَرَتْ أُسْدَ بَنِي القَيْنِ

وَرَنَّتِ النَّفْسُ لَهَا رَنَّةً

كَادَتْ لها تَنْشَقُّ نِصْفَيْنِ

طَالَبْتُهَا دَيْنِي فَرَاغَتْ بِهِ

وعَلَّقَتْ قَلْبي مَعَ الدَّيْنِ

فَصِرْتُ كَالعِيرِ غَدَا طَالبًا

قَرْنًا فَلَمْ يَرْجِعْ بِأُذُنَيْنِ

فانصرف بشار بالجائزة". (3)

(1) ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، ج 6، ص 227 - 228. هذا وقد أورد المصنف كلامَ ابن عبد ربه بتصرف، حذفًا وزيادة، وتقديما وتأخيرًا. وانظر القصة كذلك في الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 178 - 179؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 669 - 670 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 252 - 253 (الملحقات). قال المصنف في التعليق على البيتين (ص 253، الحاشيتان 1 و 2): "والعَظاية، بفتح العين وتخفيف الظاء المعجمة: دويبة من صنف الوزغ، أي إن حر وقت الظهر من تلك الهاجرة يشق ظهر العظاية مع اعتياده ملاقاة الشمس".

(2)

وقد جاء هذا المثل أيضًا بلفظ النعامة عوض الحمار، ولذلك رُوي بيت بشار أيضًا بلفظ الهقل، وهو ذكر النعام، عوض العير.

(3)

لم يورد المصنفُ البيتين الثالث والرابع من هذه المقطوعة، فانظرها كاملة في: الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 205 - 206 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 688 - 689 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، 2/ 4، ص 222 - 223 (الملحقات).

ص: 1635