الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَا يُؤْيِسَنَّكَ مِنْ مُخَدَّرَةٍ
…
قَوْلٌ تُغَلِّظُهُ وَإِنْ جَرَحَا (1)
فقال أبو نواس:
صَرِّحَنْ لِلَّذِي تُحِبُّ بِحُبٍّ
…
ثُمَّ دَعْهُ يَرُوضُهُ إِبْلِيسُ (2)
وسيأتي في فصل شهادة الأئمة لبشار كيف أخذ أبو العتاهية معنى بشار في إخفاء البكاء، فانظره هناك. ويأتي في ذلك الفصل قولُ علي بن يحيى بن أبي منصور:"ما عُرف بشارٌ بسرقة شعرٍ جاهليٍّ ولا إسلاميٍّ"، وذكر المعري في شرحه على ديوان المتنبي (معجزِ أحمد) أن المتنبي أخذ قوله في الخيل:
شَوَائِلَ تَشْوَالَ العَقَارِبِ بِالقَنَا
…
لَهَا مَرَحٌ مِنْ تَحْتِهِ وَصَهِيلُ (3)
من قول بشار:
وَالخَيْلُ شَائِلَةٌ تَشُقُّ غُبَارَهَا
…
كَعَقَارِبٍ قَدْ رَفَّعَتْ أَذْنَابَهَا (4)
نظم شعره:
كان بشار يُعنى أن يصوغ كثيرًا من قصائده على طريقة النظم العربي القديم، سواء كان من جهة المعاني، فيذكر الأطلال والرسوم والغُدُر والمراعي إعجابًا
(1) كتاب الأغاني، ج 3، ص 209 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 691 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 72. والبيت هو الثاني من قصيدة اثنين وأربعين بيتًا من بحر السريع، قالها بشار في النسيب بسُعدى، وقد ساقه الأصفهاني بلفظ "مخبَّأة" بدل "مخبرة".
(2)
ديوان أبي نواس، ص 379، وفيه:"عَرِّضَنْ" بدل "صَرِّحَنْ".
(3)
البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج 3، ص 221. والبيت من قصيدة قالها يمدح سيف الدولة، وطالعها:
لَيَالِيَّ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ شُكُولُ
…
طِوَالٌ وَلَيْلُ العَاشِقِينَ طَوِيلُ
(4)
المعري، أبو العلاء: شرح ديوان أبي الطيب المتنبي: معجز أحمد، تحقيق عبد المجيد دياب (القاهرة: دار المعارف، ط 2، 1413/ 1992)، ج 3، ص 339. وبيت بشار هذا لم ينشده غير أبي العلاء الذي اعتمد المصنف في تحقيقه عليه. ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 28 (الملحقات).
بمقدرته على الالتحاق بشأن العرب الخلَّص، أم كان من جهة نسج نظمه، فيأتي على طريقة العرب في أساليب تراكيب الجمل عندهم وفي توخي الكلمات الواقعة في أشعارهم، وكل ذلك دليل على سعة علمه بالعربية الحقة وسلامة ذوقه، وقد أفصح عن عنايته هذه لِخلَفٍ الأحمرِ حين سأله عن وقوله:
بَكِّرَا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ
…
إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ (1)
كما سنذكره. وقد كان التنافسُ في التحاق شأوِ شعراء الجاهلية مرمى همم الشعراء والعلماء في ذلك العصر، حتى إن خلفًا الأحمر كان يتبجح بأنه يستطيع أن يضع في شعر كل واحد من شعراء الجاهلية أبياتًا، أو يعزوَ إليه قصائدَ تشتبه بشعره أتَمَّ الاشتباه. وقد قيل: إنه وضع اللامية التي أولها: "أقيموا بني أمِّي صدورَ مطيَّتكم" ونسبهما إلى الشنفَرَى لهذا الغرض، وإنه وضع القصيدة التي أولها:
إِنَّ بِالشَّعْبِ الَّذِي دُونَ سَلْعٍ
…
لَقَتِيلًا دَمُهُ مَا يُطَلُّ
وعزاها إلى الشنفرى أيضًا (2).
(1) ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 184.
(2)
والقصيدة من ستة وعشرين بيتًا من بحر المديد، ذكر منها أبو تمام أربعة وعشرين. وقد نسبت كذلك لتأبط شرًّا، قال المرزوقي:"ذُكر أنه لخلف الأحمر، وهو الصحيح". وعلق عليه الأستاذ عبد السلام هارون بقوله: "وعبارة التبريزي مطابقة لهذه"، وزاد:"وقيل: قال ابن أخت تأبط شرًّا، قال النمري: ومما يدل على أنها لخلف الأحمر قوله فيها: جل حتى دق فيه الأجل؛ فإن الأعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا. قال أبو محمد الأعرابي: هذا موضع المثل: ليس بعشك فادرجي. وليس من هذه الجهة عُرف أن الشعر مصنوع، لكن من الوجه الذي ذكره لنا أبو الندى قال: مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه سلعًا، وهو بالمدينة، وأين تأبط شرًّا من سلع؟ وإنما قتل في بلاد هذيل ورمي به في غار يقال له رخمان". المرزوقي: شرح ديوان الحماسة، ج 2، ص 827. ولكن الشيخ محمود شاكر عليه رحمة الله نهض لتحقيق القصيدة تحقيقًا دقيقًا ودراستها دراسة تاريخية ضافية وتحليلها تحليلًا عميقًا أفضيا به إلى تأكيد نسبتها إلى ابن أخت تأبط شرًّا. انظر: شاكر، محمود محمد: نمط صعْب، ونمط مخيف (جدة: دار المدني/ القاهرة: دار المدني، ط 1، 1416/ 1996). وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر الألماني غوته قام بترجمة هذه القصيدة إلى اللغة الألمانية.
ومعلوم أن كل متعاطي صناعة هو مفتون بسمعة أساطينها ونوابغها. فالذي دعا أهلَ الأدب العربي إلى نزعة النسج على منوال المتقدمين أن الذي يفرع منهم ذروة البلاغة لا يزن هواة ذلك الفن مقداره إلا بميزان قربه من مشاهير أهل صناعتهم، فذلك الذي كان يبعث فحول شعراء الإسلام على التشبه في شعرهم بفحول الجاهلية تحديًا للناقدين ابتداءً، ثم لا يلبث ذلك التحدي حتى يصير لهم عادة، فلا يزالون يُعْجَبون بانتفاء الفروق بين شعرهم وشعر العرب القح؛ لأن الموازنةَ بين الشعرين تكون أمكنَ متى اتحدت طريقةُ الشعرين.
ولم يزل المحكمون في الأدب وفي العلوم يشترطون على المتناظرين وَحدةَ الموضوع. وعلماء الأدب يكلّفون المتأدبين نظمَ القصائد في الغرض الواحد والوزن والروي ليظهر القرب والبعد في الإجادة، كما يشهد بذلك اشتراط بديع الزمان وأبي بكر الخوارزمي على أنفسهما محاكاةَ قصيدة أبي الطيب:"أرَقٌ على أرقٍ ومثلي يأرَقُ" في مناظرتهما في الأدب. وبذلك يتبين صنيعُ الحريري في التحدي بمحاكاة شعر البحتري في المقامة الثانية (1)، وليس في المولَّدين من إذا أراد أن يشابه العرب في شعرهم شابههم مثل بشار، وخذ مثالًا من ذلك قصيدته التي طالعها - وهي في الديوان (2) -:
طَرِبْتَ إِلَى "حَوْضَى" وَأَنْتَ طَرُوبُ
…
وَشَاقَكَ بَيْنَ "الأَبْرَقَيْنِ" كَثِيب
(1) انظر "المقامة الحلوانية" في: الحريري، أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان: مقامات الحريري المسمى بـ المقامات الأدبية (بيروت: دار الكتب العلمية، بدون تاريخ)، ص 24 - 31.
(2)
وهي تشتمل على ثمانية وثلاثين بيتًا من بحر الطويل، قالها بشار في النسيب بسعدى بنت صقلا بن قعقاع المالكية من بني بكر. ديوان بشار بن برد، ج 1/ 1، ص 208 - 214. و"حوضى" اسم مكان ورد في شعر النابغة، و"الأَبرقان": تثنية أبرق، جبل فيه لونان من رمل وحجارة فيكون أسود أبيض. والأبرقان: اسم غلب على أبرق حجر اليمامة، وهو منزل بعد رميلة اللوى من طريق البصرة للقاصد إلى مكة. المصدر نفسه، ص 208 (الحاشية رقم 1). وعبارة "وهي في الديوان" جاءت في الأصل بعد البيت مستغرقة مساحة سطر كامل، وقدمناها لغرض التحكم في تنسيق النص.
وقد جمع بشار في ملكته الشعرية بين متانة المعنى وفصاحة اللفظ وبداهة القريحة، وقلما اجتمعت في شاعر. أحضره المهدي فقال له: "قل في الحب شعرًا ولا تطِلْ، واجعل الحبَّ قاضيًا بين المحبِّين، ولا تسمِّ أحدًا، فقال (على البديهة):
أَجْعَلُ الحُبَّ بَيْنَ حِبّي وبَيْنِي
…
قَاضِيًا إِنَّنِي بِهِ اليَوْمَ رَاضِي
فَاجْتَمَعْنَا فَقُلْتُ: يَا حِبَّ نَفْسِي
…
إِنَّ عَيْنِي قَلِيلَةُ الإغْمَاضِ
أَنْتَ عَذَّبْتَنِي وَأَنْحَلْتَ جِسْمِي
…
فَارْحَمِ اليَوْمَ دَائِمَ الأَمْرَاضِ
قَالَ لِي: لَا يَحِلُّ حُكْمِي عَلَيْهَا
…
أَنْتَ أَوْلَى بِالسُّقْمِ والإِحْرَاضِ
قُلْتُ لَمَّا أَجَابَنِي بِهَوَاهَا:
…
شَمِلَ الجورُ فِي الهَوَى كُلَّ قَاض
فبعث إليه المهدي: حكمتَ علينا ووافقَنا ذلك، وأمر له بألف دينار". (1)
وفي العقد الفريد: "قال الربيع: خرجنا مع المنصور مُنصرَفَنَا من الحج، فنزلنا الرَّضمة، واستقبله الناسُ وفيهم بشار، فلما أراد الرحيلَ في وقت الهاجرة لم يركب القبَّة وركب نَجيبًا فسار والناس حوله، فجعلت الشمس تضحك بين أعينهم، فقال المنصور: إني قائل بيتًا فمَنْ أجابه وهبتُ له جبّتي هذه، فقالوا: يقول أمير المؤمنين:
وَهَاجِرَةٍ نَصَبْتُ لَهَا جَبِينِي
…
يُقَطِّعُ ظَهْرُهَا ظَهْرَ العَظَايَهْ
فبادر بشار فقال:
وَقَفْتُ بِهَا القَلُوصَ فَفَاضَ دَمْعِي
…
عَلَى خَدِّي وَأقْصَرَ وَاعِظَايَهْ
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 222 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 700 - 701 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 105 - 106 (الملحقات). وما بين القوسين زيادةٌ من المصنف. والإحراض: إدناف الحب، ومنه قول العرجي:
إِنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي
…
حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 1، ص 389 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 1، ص 248 (نشرة الحسين). وفيه "أنا" بدل "إني".
فوهب له الجبّة، فباعها بأربعمائة دينار". (1)
ودعا عقبة بن سَلْم المالكي بشارًا وحماد عجرد وأعشى باهلة، فقال لهم: "إنه خطر ببالي البارحةَ مثَلٌ يتمثله الناس: ذهب الحمار يطلب قَرنَيْن فجاء بلا أذُنين (2)، فأخرجوه في الشعر، ومن أخرجه فله خمسةُ آلاف درهم، وإن لم تفعلوا جلدتكم كلكم خمسمائة. فقال حماد: أَجِّلنا أعزَّ الله الأميرَ شهرًا، وقال الأعشى: أجِّلنا أسبوعين، وبشار ساكتٌ لا يتكلم، فقال له عقبة: ما لك يا أعمى لا تتكلم، أعمَى الله قلبَك! فقال: أصلح الله الأمير، حضرنِي شيء، فإن أمرتَ قلتُه. قال: قل، فأنشد:
شَطَّ بِسَلْمَى عَاجِلُ البَيْنِ
…
وَجَاوَرَتْ أُسْدَ بَنِي القَيْنِ
وَرَنَّتِ النَّفْسُ لَهَا رَنَّةً
…
كَادَتْ لها تَنْشَقُّ نِصْفَيْنِ
طَالَبْتُهَا دَيْنِي فَرَاغَتْ بِهِ
…
وعَلَّقَتْ قَلْبي مَعَ الدَّيْنِ
فَصِرْتُ كَالعِيرِ غَدَا طَالبًا
…
قَرْنًا فَلَمْ يَرْجِعْ بِأُذُنَيْنِ
فانصرف بشار بالجائزة". (3)
(1) ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، ج 6، ص 227 - 228. هذا وقد أورد المصنف كلامَ ابن عبد ربه بتصرف، حذفًا وزيادة، وتقديما وتأخيرًا. وانظر القصة كذلك في الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 178 - 179؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 669 - 670 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4، ص 252 - 253 (الملحقات). قال المصنف في التعليق على البيتين (ص 253، الحاشيتان 1 و 2): "والعَظاية، بفتح العين وتخفيف الظاء المعجمة: دويبة من صنف الوزغ، أي إن حر وقت الظهر من تلك الهاجرة يشق ظهر العظاية مع اعتياده ملاقاة الشمس".
(2)
وقد جاء هذا المثل أيضًا بلفظ النعامة عوض الحمار، ولذلك رُوي بيت بشار أيضًا بلفظ الهقل، وهو ذكر النعام، عوض العير.
(3)
لم يورد المصنفُ البيتين الثالث والرابع من هذه المقطوعة، فانظرها كاملة في: الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 205 - 206 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 688 - 689 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، 2/ 4، ص 222 - 223 (الملحقات).