الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمهدي، قال في الأغاني:"جعل له المهدي وفادةً كلّ سنة". (1) وحسبك من مكانته لدى الأمراء ما ذكر ابن رشيق القيرواني - في باب فضل الشعر من كتابه العمدة - أن بشارًا كان من كتّاب الأَزِمَّة مع كونه أعمى، وأن أبا علي البصير الشاعر كان أيضًا من كتّاب الأَزِمَّة (2). وأحسب أن ذلك زيادةٌ في تقريبه، وأنه كان يملّ على النسّاخ، ولذلك قصر على كتابة الزمام دون كتابة الإنشاء؛ لأن كتاب الإنشاء مستودع أسرار الأمراء، فتعين أن يكونوا قادرين على الكتابة بأنفسهم.
غرامه وهل هو حقيقة أو تصنع
؟
لا يسلَم الناظرُ في أخبار بشار وفي تضاعيف قصائده من حيرة تلم به وشكٍّ ينتاب نفسه؛ فإنه يجد معظم شعر بشار في الغرام ووصف فنونه القلبية والحسية، فيخامره هاجسٌ يقول: هل كان الغرام يسلك إلى شغاف قلب بشار حتى يكون ما جاء في شعره من وصف عشقه وولهه حقيقةً كما يؤذن بذلك إكثارُه منه وتُصدِّقه أخبارُه ونوادره من حب النساء وميله إلى مغازلتهن وإلقاء نفسه إليهنّ وتهافتهنّ على لقائه وملازمة مجلسه؟
(1) قال محمد بن الحجاج قال: قدم بشار الأعمى على المهدي بالرُّصافة فدخل عليه في البستان فأنشده مديحًا فيه تشبيبٌ حسن، فنهاه لغَيرة شديدة كانت فيه، فأنشده مديحًا فيه، يقول فيه:
كَأَنَّمَا جِئْتُهُ أُبَشِّرُهُ
…
وَلَمْ أَجِئْ رَاغِبًا وَمُحْتَلِبَا
يُزَيِّنُ المِنْبَرَ الأَشَمَّ بِعِطْـ
…
ـفَيْهِ وَأَقْوَالِهِ إِذَا خَطَبَا
تُشَمُّ نَعْلَاهُ فِي النَّدَى كَمَا
…
يُشَمُّ مَاءُ الرَّيْحَانِ مُنتَهَبَا
فأعطاه خمسة آلاف درهم وكساه وحمله على بغل، وجعل له وفادة في كل سنة، ونهاه عن التشبيب البتة، فقدم عليه في السنة الثالثة فدخل عليه فأنشده:
تجَالَلْتُ عَنْ فِهْرٍ وَعَنْ جَارَتَيْ فِهْرِ
…
وَوَدَّعْتُ نُعْمَى بِالسَّلَامِ وِبِالبِشْرِ"
وذكر بقية القصيدة. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 219 - 220 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 698 - 699 (نشرة الحسين).
(2)
القيرواني: العمدة، ج 1، ص 19.
فإن مال الناظرُ إلى تصديق ذلك انتقل به إلى حيرة أخرى، وهي أن رجلًا أعمَى مشوّهَ الخلقة، ضعيفَ الثروة، ليس له من سبيل إلى العشق الذي قوامُه استحسان الصورة، وما للنساء فيه رغبة حتى يخادنَّه ويعاشرْنَه عشرة المحبين! أو هل كان ذلك كلُّه تصنّعًا وتحيلًا وجريًا في مضمار الشعراء، كيلا يغادر لهم أكبرَ فنون الشعر يفوتون فيه شوطَه، ولا يرفع وراءهم سوطه؟
وقد وصف بشار أحوالَ الغرام كلَّها، ومدَّ نفَسَ شعره بتفاصيلها، فلم يغادر لشاعرٍ مقالًا في ذلك. وإن وصفَ الغرام وأفانينه هو معظم شعره، ينزع إليه من كلِّ غرض وفي كل مقام. وذلك أسطعُ برهانٍ على شاعريّته، وقوة خياله، وبلاغة كلامه، فيكون حالُ بشار في هذا شبيهًا بحال كُثَيِّر؛ إذ قيل إنه كان مدّعيًا ولم يكن عاشقًا، حسبما روى ذلك أبو الفرج الأصبهاني عن أبي عُبيدة وأبي عُبيد (1).
ولقد استشعر بشارٌ هذا التحير، فأجاب غيرَ مرة بأن الأذن تعشق، وأن الأذن تُبلغ إلى القلب ما تبلغه العين، كقوله:
يُزَهِّدُنِي فِي حُبِّ عَبْدَةَ معْشَرٌ
…
قُلُوبُهُمْ فِيهَا مُخَالِفَةٌ قَلْبِي
فَقُلْتُ دَعُوا قَلْبِي وَمَا اخْتَارَ وَارْتَضَى
…
فَبِالقَلْبِ لَا بِالعَيْنِ يُبْصِرُ ذُو الحُبِّ
(1) الذي ذكره أبو الفرج الأصفهاني نسبةُ القول إلى ابن سلام برواية أبي خليفة عنه، وهو أن محمد بن سلام (وهو الجمحي صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء) قال:"كان كثير مدَّعيًا ولم يكن عاشقًا، وكان جميل صادق الصبابة والعشق". كما روى أن أبا عبيدة (لا أبا عبيد) قال: "كان جميل يصدق في حبه، وكان كثير يكذب". كتاب الأغاني، ج 9، ص 32 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 3/ 9، ص 534 (نشرة الحسين). وقد جاء هذا الكلام بلفظ مختلف قليلًا عند ابن سلام حيث يقول:"وكان لكُثيِّر في التشبيب نصيب وافر، وجميل مقدَّمٌ عليه في النسيب وله في فنون الشعر ما ليس لجميل. وكان جميل صادق الصبابة، وكان كثير يقول ولم يكن عاشقًا، وكان راوية جميل". الجمحي: طبقات الشعراء، ص 168.
فَمَا تُبْصِرُ العَيْنَانِ فِي مَوْضِعِ الهَوَى
…
وَلَا تَسْمَعُ الأُذُنَانِ إِلَّا مِنَ القَلْبِ (1)
وقوله:
يَا قَوْمِ أُذْنِي لِبَعْضِ الحَيِّ عَاشِقَةٌ
…
وَالأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيَانَا
قَالُوا: بِمَنْ لَا تَرَى تُعْنَى؟ فَقُلْتُ لَهُمْ
…
الأُذْنُ كَالعَيْنِ تُولِي القَلْبَ مَا كَانَا (2)
وقوله:
أَنِّى وَلَمْ تَرَهَا تَهْذِي فَقُلْتُ لَهُمْ:
…
إِنَّ الفُؤَادَ يَرَى مَا لَا يَرَى البَصَرُ (3)
والذي أُعَلِّل به غرامَ بشار أنه كان ذا نفس خليعة تُحب المجون، فكان قد راض نفسَه على العِشق إيفاءً لها بشعائر المجون، وجعل طريقةَ عشقِه حُسنَ النغمة ورقةَ المزج ولين اللمس وحلاوة الحديث، ودرَّب لنفسه ذلك الارتياض حتى صار له ملَكةً وسجيّة. فكان عشقُه حقيقةً غيرَ ادعاء، وهو يتوسل بذلك إلى أن يجيد النسيب، فإنه سَدَى الشعر ولُحمته. ومما ينبئك بذلك أنك تجده يُكثِر في نسيبه وصفَ حسن منطق النساء، كقوله:
وَكَأَنَّ رَجْعَ حَدِيثِهَا
…
قِطَعُ الرِّيَاضِ كُسِينَ زَهْرَا (4)
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 238 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 711 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 17 - 18.
(2)
أورد المصنف البيت الثاني مع تخالف في بعض ألفاظه، فههنا "تُعنى" و"تُولِي"، وسيأتي بعد قليل بلفظ "تَهذي" و"تُوفِي". وما في الديوان "تَهذِي" و"تُؤتِي" تبعًا لرواية الأَصفهاني. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 238 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 711 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 228.
(3)
البيت من قصيدة من بحر البسيط قالها في عبدة، وقد جاء في الديوان بلفظ "تَصْبُو" بدل "تهذي". ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 145.
(4)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 155 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 705 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 69.
وقوله:
وَدَعْجَاءِ المَحَاجِرِ مِنْ مَعَدٍّ
…
كَأَنَّ حَدِيثَهَا ثَمَرُ الجِنَانِ (1)
وقد اعتاض الرؤية بالوصف، كما قال:
بُلِّغْتُ عَنْهَا شَكْلًا فَأَعْجَبَنِي
…
وَالسَّمْعُ يَكْفِيكَ غَيْبَةَ البَصَرِ (2)
قال في الأغاني في ترجمته: كان النساء يحضرْنَ مجلسَ بشار، بينما هو ذات يوم في مجلسه، إذ سمع كلامَ امرأة في المجلس فعشِقها، فدعا غلامَه فقال: إذا تكلمت المرأة عرّفتك فاعْرفْها، فإذا انصرفتْ من المجلس فاتْبعها وكلِّمها وأَعْلِمها أنِّي لها محب، وذكر قصة في أخبار تلك المرأة وزوجها (3).
وقال في أخباره مع عبدة: كان النساء يحضرن مجلس بشار، بينما هو ذات يوم في مجلسه إذ سمع كلام امرأة في المجلس، يقال لها عَبدة، فدعا غلامه فقال: إني قد علقتُ امرأة، فإذا تكلمت فانظر من هي واعرِفها، فإذا انقضى المجلسُ وانصرف
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 154 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 654 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 220؛ المبرد: الكامل في اللغة والأدب، ج 2، ص 97 (بلفظ "وبيضاء" بدل "ودعجاء"، و"قطع" بدل "ثمر")؛ ابن جني: الخصائص، ج 1، ص 85؛ الشريف المرتضى: غرر الفوائد ودرر القلائد، ج 1، ص 480 (كلاهما بلفظ:"وحوراء" بدل "ودعجاء").
(2)
وجاء قبل هذا البيت قوله:
إِنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَا
…
كَالسُّكَّرِ تَزْدَادُهُ عَلَى السَّكَرِ
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 239 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 712 (نشرة الحسين). يبدو أن المصنف فاته أن يدرج البيتين المذكورين في ملحقات الديوان على الرغم من استشهاده بأحدهما.
(3)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 233 - 234 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 708 (نشرة الحسين).
أهلُه فاتبعها وكلِّمها وأعلمها بأني لها محب، وأنْشِدْها هذه الأبيات وعرّفها أني قلتها فيها، وذكر الأبيات التي أولها:
قَالُوا بِمَنْ لَا تَرَى تَهْذِى فَقُلْتُ لَهُمْ
…
الأُذْنُ كَالعَيْنِ تُوفِي القَلْبَ مَا كَانَا
فأبلغها الغلامُ الأبيات، فهشّت لها، وكانت تزوره مع نسوة يصحبها، فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن، بعد أن يحدثها وينشدها، ولا تُطمِعه في نفسها (1).
ولمَّا أفضت الخلافةُ إلى المهدي، وكانت فيه غَيْرَةٌ وحُزونة (2)، ورأى ما في شعر بشار في الغزل ووصف اللهو بالنساء، نهى بشارًا عن التشبيب بالنساء، وقد ذكر ذلك بشار في قصائد من شعره، من ذلك قوله:
قَالَ الخَلِيفَةُ لَا تَنْسِبْ بِجَارِيَةٍ
…
إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَشْقَى بِعِصْيَانِ (3)
وقوله:
وَلَوْلَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ سَقَيْتُها
…
أُوَامًا يُنَاجِينَا لهَا حَيْثُ حَلَّتِ (4)
وقال أبو الفرج: "قدم بشارٌ على المهدي بالرُّصافة، فدخل عليه في البستان، فأنشده مديحًا فيه تشبيبٌ حسن، فنهاه عن التشبيب لغَيْرَةٍ شديدة كانت فيه، ثم قدم
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 6، ص 242 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 2/ 6، ص 748 (نشرة الحسين). وانظر القصة كذلك في المصدر نفسه، ج 3، ص 237 - 238 (نشرة القاهرة)؛ ج 1/ 3، ص 711 (نشرة القاهرة)؛ والبيت في ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 228.
(2)
الحُزونة: الغلظة والشدة.
(3)
الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 221 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 700 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 2/ 4 (الملحقات)، ص 227.
(4)
ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 8. والبيت من قصيدة من بحر الطويل قالها بشار يتغزل ويفتخر بأيام بني عامر مواليه في اليمامة بلاد بني حنيفة. انظر مزيدًا من التفصيل في الهامش رقم 5 في المصدر نفسه.
في السنة الثانية فأنشده مديحًا فيه (هو القصيدة التي أولها: يا صَاحِبَيَّ العَشيَّةَ احْتَسِبَا)، يقول فيه:
كَأَنَّمَا جِئْتُهُ أُبَشِّرُهُ
…
وَلَمْ أَجِئْ رَاغِبًا وَمُحْتَلِبَا
[يُزَيِّنُ المِنْبَرَ الأَشَمَّ بِعِطْـ
…
ـفَيْهِ وَأَقْوَالِهِ إِذَا خَطَبَا
تُشَمُّ نَعْلَاهُ فِي النَّدِيِّ كَمَا
…
يُشَمُّ مَاءُ الرَّيْحَانِ مُنْتَهَبَا]
"فأعطاه خمسةَ آلاف درهم، وكساه، وحَمَلَه على بغل، وجعل له وِفادَةً كلَّ سنة، ونهاه عن التشبيب البتّة. فقدم عليه في السنة الثالثة، فدخل عليه فأنشده" قصيدته:
تَجَالَلْتُ عَنْ فِهْرٍ وَعَنْ جَارَتَيْ فِهْرِ
…
وَوَدَّعْتُ نُعْمَى بِالسَّلَامِ وَبِالبِشْرِ
ومنها:
تَرَكْتُ لِمَهْدِيِّ الأنَامِ وِصَالَهَا
…
وَرَاعَيْتُ عَهْدًا بَيْنَنَا لَيْس بِالخَيْرِ
وَلَوْلَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٌ
…
لَقَبَّلْتُ فَاهَا أَوْ لَكَانَ بِهَا فِطْرِي
"فأعطاه ما كان يعطيه قبل ذلك، ولم يزد شيئًا". (1)
وذكر أبو الفرج عن أبي العالية "أن بشارًا قدم على المهدي، فلما استأذن عليه قال له الرّبيع: قد أذن لك وأمرك ألا تُنشد شيئًا من الغزل والتشبيب، فادخُل على ذلك، فأنشده:
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 219 - 220 (نشرة القاهرة)، الأغاني، ج 1/ 3، ص 698 - 699 (نشرة الحسين). وما بين القوسين ليس من كلام الأصفهاني وإنما هو زيادة من المصنف، وما بين الحاصرتين من شعر لم يورده المصنف وأثبتناه لبيان عدم التزام بشار بما شرطه عليه الربيع. هذا وقد جاء رسم لفظة "فادخُلْ" بصيغة الأمر، وهناك وجهٌ آخر لقراءتها بأن تجيءَ على صيغة المبني للمجهول (فَأُدْخِلَ)، فيكون المعنى أن بشارًا أُذن له بالدخول على المهدي شريطةَ أن لا يُنشد شيئًا من الغزل. والأبيات من قصيدة في سبعة وثمانين بيتًا من بحر الطويل. ديوان بشار بن برد، ج 2/ 3، ص 245 - 259.
يَا مَنْظَرًا حَسَنًا رَأَيْتُهْ
…
مِنْ وَجْهِ جَارِيَةٍ فَدَيْتُهْ
الأبيات. ومنها قوله:
[وَيَشُوقُنِي بَيْتُ الحَبِيـ
…
ـبِ إِذَا ادَّكَرْتُ وَأَيْنَ بَيْتُهْ]
قَامَ الخَلِيفَةُ دُونَهْ
…
فَصَبَرْتُ عَنْهُ وَمَا قَلَيْتُهْ"
"ثم أنشده ما مدحه به بلا تشبيب، فحرمه ولم يعطه شيئًا". (1)
أقول: قد كان عمر بن الخطاب سبق المهدي إلى مثل هذا، روى عبد الله بن السيّد البَطَلْيوسي في "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب" في الجزء الثالث أن عمر بن الخطاب كان عهد إلى الشعراء ألا يشبّب رجلٌ بامرأة، وتوعّدهم على ذلك، فكان الشعراء يُكَنُّون عن النساء بالشَّجَر (2)، ولذلك قال حُمَيد بن ثَوْر:
سقَى السَّرْحَةَ المِحْلَالَ وَالأَبْرَقَ الَّذِي
…
بِهِ الشَّرْيُ غَيْثٌ دَائِمٌ وَبُرُوقُ
وَهَلْ أَنَا إِنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ
…
مِنَ السَّرْحِ مَأْخُوذٌ إِلَيَّ طَرِيقُ
أَبَى اللهُ إلَّا أَنَّ سَرْحَةَ مَالكٍ
…
عَلَى كُلِّ أَفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ (3)
(1) الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 3، ص 239 - 240 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 3، ص 712 (نشرة الحسين)؛ ديوان بشار بن برد، ج 1/ 2، ص 19. والأبيات من قصيدة من مجزوء الكامل، وما بين المعقوفتين ذكره الأصفهاني ولم ينقله المصنف.
(2)
قال عبد القادر البغدادي خلال تعليقه على بيت "أَلا يا نخلة" الذي سيأتي ذكره بعد هذا: "وأصل ذلك (يعني الكناية عن النساء بالشجر وغيره) أن عمر بن الخطاب كان نهى الشعراء عن ذكر النساء في أشعارهم لما في ذلك من الفضيحة، وكان الشعراء يكنون عن النساء بالشجر وغيره". خزانة الأدب، ج 2، ص 193.
(3)
روى الأصفهاني في سبب نظم الشاعر هذه الأبيات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقدم "إلى الشعراء ألا يُشبب أحدٌ بامرأة إلا جلده، فقال حُميد بن ثور:
أَبَى اللهُ إِلَّا أَنَّ سَرْحَةَ مَالِكٍ
…
عَلَى كُلِّ أَفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ
فَقَدْ ذَهَبَتْ عَرْضًا وَمَا فَوْقَ طُولِهَا
…
مِنَ السَّرْحِ إِلَّا عَشَّةٌ وَسَحُوقُ
فَلَا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُ
…
وَلَا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ =
قلت: وفي هذا المعنى قال [الشاعر]:
أَلَا يَا نَخْلةً مِنْ ذَاتِ عرقٍ
…
عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ الله السَّلَامُ (1)
= فَهَلْ أَنَا إِنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ
…
مِنَ السَّرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَريقُ"
ثم قال: "وهي قصيدة طويلة أولاها:
نَأَتْ أُمُّ عَمْرٍ فَالفُؤَادُ مَشُوقُ
…
يَحِنُّ إِلَيْهَا وَالِهًا وَيَتُوقُ
وفيها مما يُغنى فيه:
سَقَى السَّرْحَةَ المِحْلَالَ وَالأَبْرَقَ الَّذِي
…
بِهِ السَّرْحُ غَيْثٌ دَائِمٌ وَيُرُوقُ
وَهَلْ أَنَا إِنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ
…
مِنَ السَّرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَريقُ"
السرحة: الشجرة الطويلة، والعضاه، جمع العِضاهة: أعظم الشجر أو كل ذات شوك أو ما عظم منها وطال. والعَشَّة: القليلة الأغصان والورق. والسَّحوق: الطويلة المفرطة. والمحلال: التي يُكثِر الناسُ الحلولَ حولها. والأبرق: أرض غليظة واسعة مختلطة بحجارة ورمل. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 4، ص 356 - 357 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 2/ 4، ص 242 - 243 (نشرة الحسين). هذا وقد رويت هذه الأبيات مع اختلاف في بعض ألفاظها مما أضربنا عن ذكره هنا.
(1)
ينسب للأحوص. شعر الأحوصر الأنصاري، تحقيق عادل سليمان جمال (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 1، 1390/ 1970 وط 2، 1411/ 1990)، ص 190. وقد خرجه المحقق في الحاشية. وأدرجه طريفي في ذيل ديوان الأحوص ضمن ما نسب له ولغيره من الشعراء. ديوان الأحوص الأنصاري، تحقيق محمد نبيل طريفي (بيروت: عالم الكتب، ط 1، 1422/ 2001)، ص 333. وقال البغدادي في شرح هذا البيت:"وهذا أول أبيات ثلاثة نُسبت للأحوص، أوردها الدميري وابن أبي الإصبع في تحرير التحبير". خزانة الأدب، ج 2، ص 193. وأنشده بدون نسبة: الحسني العلوي، هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة: أمالي ابن الشجري، تحقيق محمود محمد الطناحي (القاهرة: مكتبة الخانجي، ط 1، 1413/ 1992)، ج 1، ص 180. وروى له (ج 2، ص 96) بيتًا يشبهه في تركيبه ومعناه، يقول فيه:
سَلَامُ الله يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا
…
وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلَامُ
والبيت من قصيدة قالها الأحوص في أخت امرأته واسمها سلمى، كان يهواها ويَنسِب بها دون إفصاح. فلما زوجت من رجل يدعى مطرًا أنشأ القصيدة. وكلمة مطر الثانية هي اسم الرجل المذكور. الزجاجي، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق: أمالي الزجاجي، تحقيق عبد السلام هارون (بيروت: دار الجيل، 1407/ 1987)، ص 80 - 82.