الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطاب في الجلسة العامة للجنة الحي الزيتوني
(1)
الحمد لله المغني عن المحل والمخصص، الملهم لما ينجح من الأعمال ويخلص، والصلاة والسلام على رسوله المبعوث بالدين البين الممحص، وعلى آله وأصحابه الذين أيدوه وذادوا من رام أن يغمص، ومن تبعهم فجعل من أثرهم يحثو ويقبص.
أما بعد، فإني جدُّ مبتهجٍ بأن أحيِّيَ جمعَكم الزاهر تحيةَ ممنونٍ على أن لبيتم الدعوة، وإني أقدر المعنى السامي الذي ينطوي عليه هذا الجمع الميمون، فإن اجتماعكم في هذا المعهد الجليل - وأنتم النخبةُ التي تتمثل فيها الأمة التونسية بمختلف نواحيها الاجتماعية المتوزعة العناصر - لبرهانٌ ساطع على ما استقر لهذا المعهد في نفوس الأمة قاطبة من منزلة الرِّفعة والإجلال، وعلى أن نسبةَ الأمة منه نسبةٌ واحدة لا يُعتبر فيها فرقٌ بين من أقامه الواجب الاجتماعي ضمن جدرانه وبين
(1) المجلة الزيتونية، المجلد 6، الجزآن 2 - 3، 1364/ 1945 (ص 438 - 440). قدم محرر المجلة لهذا الخطاب بالفقرة التالية:"عقد صاحبُ الفضيلة شيخ الجامع اجتماعًا هامًّا دعا إليه نخبةً من طبقات الأمة وعلمائها وفي مقدمتهم سماحة الشيخ محمد العزيز جعيط شيخ الإسلام المالكي، وذلك في 22 جمادى 2 عام 1364، وافتتحه بهذا الخطاب العظيم عرض فيه على الحاضرين الحالة التي أصبح عليها التلميذ الزيتوني من قلة المساكن ورداءة الموجود، وفوض لهم البتَّ فيما يرونه منقذًا لأبنائهم من هذه الضائقة الأليمة. فقرر المجلسُ بعد المفاوضة تشكيلَ لجنة تتولى تأسيس مدارس للتلامذة الزيتونيين على أحدث مثال، وقد ألفت اللجنة قانونًا يسمح لها بمباشرة الأعمال المزمع عليها وقدمته للحكومة، وانتُخِب لرئاسة اللجنة سماحة شيخ الإسلام المالكي، وعضوية الشيخ محمد حمده الشريف نقيب الأشراف والإمام الأول بجامع الزيتونة، وخليفته الإمام الثاني الشيخ محمود محسن، والسيد الطاهر بن عمار كاهية المجلس الكبير، والسيد بكار الخلصي مدير التعاضد المالي، والشيخ الطيب رضوان، والشيخ محمد الزغواني، والشيخ محمد المنستيري".
من بعد به ذلك الواجبُ عنه، فإن كلَّ أولئك مستوون في مقدار التعلق النفسي به والانتماء إليه استواءَ حالَيْ أبي العلاء الذي مثَّله بقوله:
مَا سِرْتُ إِلَّا وَطَيْفٌ مِنْكِ يَصْحَبُنِي
…
سُرًى أَمَامِي وَتَأْوِيبًا عَلَى أثَرِي (1)
لذلك فإن صاحبَ النفس الشاعرة حين يرى هذا المعهد غاصًّا بحِلَقِ الدروس مكتظًّا بجموع الطلبة يدرك أن وراء هذا الجمع الجسماني جمعًا روحانيًّا أعظم منه وأسمى، ألا وهو جمعُ القلوب الملتفة حوله العاطفة عليه بالحب والود والمؤازرة والمناصرة؛ إذ يرى فيهم القائمين بحق كلمة الإسلام، والذب عن حوزة الملة، والحفاظ على اللغة العربية التي هي العروةُ الوثقى لشد أواصر الجامعة الإسلامية، والشبيبة الصائرة إلى رجلة إسلامية عتيدة قائمة بالفرض الكفائي المؤكد على الأمة في آية:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122]، وعلم أنهم مناطُ آمالِ الأمة وزهرةُ حياتها القومية، فيوقن عند ذلك بأن كلَّ ما ينمي عدد الشباب ويعينه في طريق طلب العلم ويوفر عليه راحته حتى يُقبِل على عمله الجليل مطمئنَّ البال مكفيَ المؤنة، هو عملٌ يُعَدُّ السعيُ فيه مفروضًا عليه نحو دينه وأمته، ويُعَدُّ البخلُ في حقه تقصيرًا نحو عنوان شرفه ومجده، فحقيقٌ به أن لا يدخر عن أولئك الأبناء الروحيين ما لا يدخره عن أبناء صلبه.
ونحن إذا التفتنا إلى الحالة الحيوية التي عليها طلبةُ المعهد الزيتوني، نرى فيها من الحرمان والخصاصة والاضطراب أشياءَ لا يمكن أن يبلغ التعليمُ حدَّ الإصلاح
(1) البيت هو الرابع من قصيدة طويلة تشتمل على خمسة وسبعين بيتًا من البسيط، أولها:
يَا سَاهِرَ البَرْقِ أَيْقِظْ رَاقِدَ السَّمَرِ
…
لَعَلَّ بِالجِزْعِ أَعْوَانًا عَلَى السَّهَرِ
وآخرها:
وَلَا تَزَالُ لَكَ أَزْمَانٌ مُمَتِّعَةٌ
…
بِالآلِ وَالحَالِ وَالعَلْيَاءِ وَالعُمُرِ
المعلري: سقط الزند، ص 36 - 46.
المطلوب له إلا بعد تلافيها؛ فإن العددَ الأكثر منهم يَقدمُون على مدينة تونس متغربين عن أوطانهم في سبيل طلب العلم، ومن هذه الكثرة التي ينيف عددُها الألفين وخمسمائة نجد نحوَ النصف يأوي في بيوت المدارس التي تعاقبت على تأسيسها أيدي رجال الخير من عهد الدولة الحفصية إلى الآن، فيلجأون منها إلى بيوت تُوسِعها الضرورة لأكثرَ مما يسع وضعُها الذاتي، قد فقدوا منها مرافقَ الحياة التي تعدها الحضارة الحالية في الحاجات القريبة من حيز الضروريات.
ففي بيتٍ ضيقِ الأرجاء، قليلِ الهواء، كثير الرطوبة، فاقدِ الأشعة، يقضي ثلاثةٌ أو أربعة من شبان الطلبة حياتهم بين نوم واشتغال بالدروس وخزن للأزدواد وإيقاد وطبخ، فلا تزال زهرةُ شبابهم تذوي ومظاهرُ المرض والكلال تمتلك سنحاتِهم، وآثارُ الانقباض والكدر تشوِّشُ أفكارَهم، وتنقص من إقبالهم، وتفلُّ من حدة نشاطهم، حتى أثَّر هذا خللًا في سير التعليم، وانحطَّ بأبناء المعهد عن المستوى الذي يُراد وُصولهُم إليه بما يُقام عليه التعليمُ من برامج.
ومع ذلك فإن هذه الحالة التعيسة التي يقاسيها شطرُ الغرباء من الطلبة الآوين إلى بيوت المدارس تكاد تُعد جنةَ نعيم في مقابلتها بحالة الشطر الآخر الذي عجزت المدارسُ عن إيوائه حتى أصبح لسانُ حالهم متمثلًا في هذا بقول أبي الطيب:
مَاذَا لَقِيتُ مِنَ الدُّنْيَا وَأَكْثَرُهُ
…
إِنِّي بِمَا أَنَا شَاكٍ مِنْهُ مَحسُودُ (1)
فإن نحوًا من ألف تلميذ - وأكثرُهم من تلامذة السنوات الأولى، قليلي الخبرة صغار السن - يأوون في مبيتهم إلى المنازل المعدَّة للغرباء وأبناء السبيل، مع ما في تلك الأوساط من الابتعاد عن كل ما تقتضيه حالةُ الطالب من الملاءمات المادية والأدبية. وهل من شكٍّ في أن جميعَنا يشعر بعارٍ يقدُّ فؤادَه حين يرى زهرةً من نابتة
(1) البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج 2، ص 142. والبيت هو التاسع من قصيدة يهجو فيها كافورًا الإخشيدي، وطالعها: "عيد بأية حال عدت يا عيد".
هذا المعهد المعظم يأوي إلى منزل حقيرِ الظاهر سخيفِ الباطن، يملؤه الأخلاطُ وتجافيه الآداب ومكارمُ الأخلاق.
ولطالما حرَّك هذا الشعورُ حميةً إسلامية في نفوس بعض المحسنين، فقاموا بجهودٍ مشكورة في سبيل إنقاذ الطلبة من هذه الحالة المؤلمة، نذكر منهم بلسان الثناء الملك المقدس سيدنا محمد الحبيب، والمنعَّمين الحاج قاسم بن يوسف، والحاج سعيد الدغري، والشيخ محمد الصالحي، والحاج أحمد بن الأمين، والحاج عليًّا صوة، والخيِّر حسينًا حمزة. ولكن هذه الجهود كانت غير واسعة النطاق بسبب ما يضيق به الجهدُ الفردي، فهي وإن خفَّفت الضنَكَ وقللت المنكوبين، لكنها لم تستأصلِ الداءَ، ولم تتوصل إلى تحسين حال الأغلب من الطلبة، بحيث يظهر أثرُها باديًا في الحالة العامة فيرتفعُ مستوى التحصيل الزيتوني.
من أجل ذلك توجهنا اليومَ بعرض هذه الحاجة على مجمعكم الزكي رجاءَ أن تضيء آراؤكم المشرقةُ الغايةَ المأمولة من التوصل إلى إيجادِ عمل أتقنَ وإيضاح مظهر أسمى يكون عنده اجتثاثُ هذا الداء الاجتماعي من عروقه بإقامة مأوى عظيم مستكمل وسائل الصحة والراحة، حتى يكون باعتبارٍ مأوى لطلبة الجامع، وباعتبارٍ آخر معلمًا تذكاريًّا خالدًا رامزًا إلى ما للأمة التونسية من التعلق بدينها والاهتمام بمستقبل شبابها المهاجر في طلب علومه.
ونحن، إذ ندعوكم إلى هذا العمل الجليل، نجدد يدًا أسداها إلى هذا المعهد فضيلةُ العلامة الجليل شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط، فقد يذكر الكثيرُ منكم أنه كان فكر في الدعوة إلى هذا المشروع. وإنه ليسرُّنا اليوم أن يكون هو رأسَ هذا الهيكل الذي ازدان بحضوره هذا الجمع، وفتح لنا بابًا واسعًا من الرجاء في نجاح هذا العمل المعهود به إلى جمعكم الكريم الذي هو عملٌ يتوزع إلى نواح، ويسير على سبل عديدة لتحقيق الغاية: من النظر في برنامج العمل، وإعداد الأرض، ورسم مثال البناء، ووسائل تكوين المال اللازم لذلك. وجميعُ هذه الأعمال موكولةٌ لنظر مجمعكم لتتوزعها لجانٌ تتولون تعيينَها من بينكم.
وإن ما نتحققه جميعًا من العناية التي يحوط بها الجامعَ وأهله سيدُنا الملك المعظم محمد الأمين أيده الله لأعظمُ منشِّطٍ على مواصلة هذا العمل، والثبات على السير في هذه السبيل ثباتًا يبعثه ما علق في تاج عرشه الكريم من الآمال، ويحقق به بمعونة الله نجاح الأعمال.