المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌10 - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث - شرح سنن أبي داود لابن رسلان - جـ ٩

[ابن رسلان]

فهرس الكتاب

- ‌66 - باب الصَّلاةِ بِجَمْعٍ

- ‌67 - باب التَّعْجِيلِ مِنْ جَمْعٍ

- ‌68 - باب يَوْمِ الحَجِّ الأَكْبَرِ

- ‌69 - باب الأَشْهُرِ الحُرُمِ

- ‌70 - باب مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ

- ‌71 - باب النُّزُولِ بمِنًى

- ‌72 - باب أي يَوْمٍ يَخْطُبُ بِمِنًى

- ‌73 - باب مَنْ قَالَ: خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ

- ‌74 - باب أي وَقْتٍ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ

- ‌75 - باب ما يَذْكُرُ الإِمامُ في خُطْبَتِهِ بِمِنًى

- ‌76 - باب يَبِيتُ بمَكَّةَ لَيالي مِنًى

- ‌77 - باب الصَّلاةِ بِمِنًى

- ‌78 - باب القَصْرِ لأَهْلِ مَكَّةَ

- ‌79 - باب في رَمْي الجِمارِ

- ‌80 - باب الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ

- ‌81 - باب العُمْرَةِ

- ‌82 - باب المُهِلَّةِ بِالعُمْرَةِ تَحِيضُ فَيُدْرِكُها الحَجُّ فَتَنْقُضُ عُمْرَتَها وَتُهِلُّ بِالحَجِّ هَلْ تَقْضي عُمْرَتَها

- ‌83 - باب المَقامِ في العُمْرةِ

- ‌84 - باب الإِفاضَةِ في الحَجِّ

- ‌85 - باب الوَداعِ

- ‌86 - باب الحائِضِ تَخْرُجُ بَعْدَ الإِفاضَةِ

- ‌87 - باب طَوافِ الوَداعِ

- ‌88 - باب التَّحْصِيبِ

- ‌89 - باب فِيمَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيء في حَجِّهِ

- ‌90 - باب في مَكَّةَ

- ‌91 - باب تَحْرِيمِ حَرَمِ مَكَّةَ

- ‌92 - باب في نَبِيذِ السِّقايَةِ

- ‌93 - باب الإِقامَةِ بِمَكَّةَ

- ‌94 - باب في دُخُولِ الكَعْبَةِ

- ‌95 - باب الصلاة في الحِجْرِ

- ‌96 - باب في مالِ الكَعْبَةِ

- ‌97 - باب في إِتْيانِ المَدِينَةِ

- ‌98 - باب في تَحْرِيمِ المَدِينَةِ

- ‌99 - باب زِيارَةِ القُبُورِ

- ‌كِتَابُ النِّكَاحِ

- ‌1 - باب التَّحْرِيضِ عَلَى النِّكاحِ

- ‌2 - باب ما يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ تَزْوِيجِ ذاتِ الدِّينِ

- ‌3 - باب في تَزْوِيجِ الأَبْكارِ

- ‌4 - باب النَّهْي عَنْ تَزْوِيجِ منْ لَمْ يَلِدْ مِنَ النِّساءِ

- ‌5 - باب في قَوْلِهِ تَعالَى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً}

- ‌6 - باب في الرَّجُلِ يَعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُها

- ‌7 - باب يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ

- ‌8 - باب فِي لَبَنِ الفَحْلِ

- ‌9 - باب فِي رَضاعَةِ الكَبِيرِ

- ‌10 - باب فِيمَنْ حَرَّمَ بِهِ

- ‌11 - باب هَلْ يُحَرِّمُ ما دُونَ خَمْسِ رَضَعاتٍ

- ‌12 - باب فِي الرَّضْخِ عِنْدَ الفِصالِ

- ‌13 - باب ما يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّساءِ

- ‌14 - باب فِي نِكاحِ المُتْعَةِ

- ‌15 - باب فِي الشِّغارِ

- ‌16 - باب فِي التَّحْلِيلِ

- ‌17 - باب فِي نِكاحِ العَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوالِيهِ

- ‌18 - باب فِي كَراهِيَةِ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ

- ‌19 - باب فِي الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى المَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَها

- ‌20 - باب فِي الوَليِّ

- ‌21 - باب فِي العَضْلِ

- ‌22 - باب إِذا أَنْكَحَ الوَلِيّانِ

- ‌23 - باب قَوْلِهِ تَعالَى: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ}

- ‌24 - باب فِي الاسْتِئْمارِ

- ‌25 - باب فِي البِكْرِ يُزَوِّجُها أَبُوها وَلا يَسْتَأْمِرُها

- ‌26 - باب فِي الثَّيِّبِ

- ‌27 - باب فِي الأَكْفاءِ

- ‌28 - باب فِي تَزْوِيجِ مَنْ لَمْ يُولَدْ

- ‌29 - باب الصَّداقِ

- ‌30 - باب قِلَّةِ المَهْرِ

- ‌31 - باب فِي التَّزْوِيجِ عَلَى العَمَلِ يُعْمَلُ

- ‌32 - باب فِيمَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَداقًا حَتَّى ماتَ

- ‌33 - باب في خُطْبَةِ النِّكاحِ

- ‌34 - باب فِي تَزْوِيجِ الصِّغارِ

- ‌35 - باب فِي المَقامِ عِنْدَ البِكْرِ

- ‌36 - باب في الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْقِدَها شيْئًا

- ‌37 - باب ما يُقالُ لِلْمُتَزَوِّجِ

- ‌38 - باب في الرَّجُلِ يتَزَوَّجُ المَرْأَةَ فيَجِدُهَا حُبْلَى

- ‌39 - باب في القَسْمِ بيْنَ النِّساءِ

- ‌40 - باب فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ لَهَا دَارَهَا

- ‌41 - باب فِي حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى المَرْأَةِ

- ‌42 - باب فِي حَقِّ المَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا

- ‌43 - باب في ضَرْبِ النِّساءِ

- ‌44 - باب ما يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ غَضِّ البَصَرِ

- ‌45 - باب في وَطْءِ السَّبايا

- ‌46 - باب في جامِعِ النِّكَاحِ

- ‌47 - باب في إِتْيَانِ الحَائِضِ وَمُبَاشَرَتِهَا

- ‌48 - باب في كَفَّارَةِ مَنْ أَتَى حَائِضًا

- ‌49 - باب ما جَاءَ في العَزْلِ

- ‌50 - باب ما يُكْرَهُ منْ ذِكْرِ الرَّجُلِ ما يَكُونُ مِنْ إِصابَةِ أَهْلِهِ

- ‌كِتَابُ الطَّلَاقِ

- ‌1 - باب فِيمَنْ خَبَّبَ امْرَأةً عَلى زَوْجِها

- ‌2 - باب فِي المَرْأَةِ تَسْأَلُ زَوْجَها طَلاقَ امْرَأَةٍ لَهُ

- ‌3 - باب فِي كَراهِيَةِ الطَّلاقِ

- ‌4 - باب فِي طَلاقِ السُّنَّةِ

- ‌5 - باب الرَّجُلِ يُراجِعُ وَلا يُشْهِدُ

- ‌6 - باب في سُنَّةِ طَلاقِ العَبْدِ

- ‌7 - باب فِي الطَّلاقِ قَبْلَ النِّكاحِ

- ‌8 - باب الطَّلاقِ عَلَى غَيْظٍ

- ‌9 - باب الطَّلاقِ عَلَى الهَزْلِ

- ‌10 - باب نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقاتِ الثَّلاثِ

- ‌11 - باب فِيما عُنِيَ بِهِ الطَّلاقُ والنِّيّاتُ

- ‌12 - باب فِي الخِيارِ

- ‌13 - باب فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ

- ‌14 - باب فِي البَتَّةِ

- ‌15 - باب فِي الوَسْوَسَةِ بِالطَّلاقِ

- ‌16 - باب فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ: يا أُخْتِي

- ‌17 - باب فِي الظِّهارِ

الفصل: ‌10 - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث

‌10 - باب نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقاتِ الثَّلاثِ

2195 -

حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} الآيَةَ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِها وَإِنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَنُسِخَ ذَلِكَ وقَالَ {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} (1).

2196 -

حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أَبِي رافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ - أَبُو رُكانَةَ وَإِخْوَتِهِ - أُمَّ رُكانَةَ وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ فَجاءَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: ما يُغْنِي عَنِّي إِلَّا كَما تُغْنِي هذِه الشَّعْرَةُ. لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْها مِنْ رَأْسِها فَفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَخَذَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَمِيَّةٌ فَدَعا بِرُكانَةَ وَإِخْوَتِهِ ثمَّ قَالَ لِجُلَسائِهِ: "أَتَرَوْنَ فُلانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذا وَكَذا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ وَفُلانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذا وَكَذا". قَالُوا نَعَمْ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ يَزِيدَ: "طَلِّقْها". فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ: "راجِعِ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكانَةَ وَإِخْوَتِهِ". فَقَالَ إِنِّي طَلَّقْتُها ثَلاثًا يا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ راجِعْها". وَتَلا {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} .

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ نافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكانَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ فَرَدَّها إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصَحُّ لأَنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ وَأَهْلَهُ أَعْلَمُ بِهِ أَنَّ رُكانَةَ إِنَّما طَلَّقَ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ فَجَعَلَها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم واحِدَةً (2).

2197 -

حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ، أَخْبَرَنا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ

(1) رواه النسائي 6/ 212. وصححه الألباني في "الإرواء" (2080).

(2)

رواه عبد الرزاق (11334)، والحاكم 2/ 491.

وحسنه الألباني بشواهده في "صحيح أبي داود"(1906).

ص: 615

بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ فَجاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رادُّها إِلَيْهِ.

ثُمَّ قَالَ: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الحَمُوقَةَ ثُمَّ يَقُولُ يا ابن عَبَّاسٍ يا ابن عَبَّاسٍ وَإِنَّ اللهَ قَالَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللهَ فَلَمْ أَجِدْ لَكَ مَخْرَجًا عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ وَإِنَّ اللهَ قَالَ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ} فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوى هذا الحَدِيثَ حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَرَواهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَأَيُّوبُ وابْن جُرَيْجٍ جَمِيعًا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَرَواهُ ابن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ رافِعٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ وَرَواهُ الأَعْمَشُ، عَنْ مالِكِ بْنِ الحارِثِ عَنِ ابن عَبَّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ كُلُّهُمْ قَالُوا فِي الطَّلاقِ الثَّلاثِ إِنَّهُ أَجازَها قَالَ: وَبانَتْ مِنْكَ، نَحْوَ حَدِيثِ إِسْماعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا. بِفَمٍ واحِدٍ فَهِيَ واحِدَةٌ. وَرَواهُ إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ هذا قَوْلُهُ لَمْ يَذْكُرِ ابن عَبَّاسٍ وَجَعَلَهُ قَوْلَ عِكْرِمَةَ (1).

2198 -

وَصارَ قَوْلُ ابن عَبَّاسٍ فِيما، حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى - وهذا حَدِيثُ أَحْمَدَ - قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِياسٍ أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبا هُرَيْرَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ سُئِلُوا عَنِ البِكْرِ يُطَلِّقُها زَوْجُها ثَلاثًا

(1) رواه عبد الرزاق (11352)، وابن الأعرابي في "معجمه"(487)، والطبراني 11/ 88 (11139)، والدارقطني 4/ 13.

وصححه الألباني في "الإرواء"(2055).

ص: 616

فَكُلُّهُمْ قَالُوا لا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوى مالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيّاشٍ أَنَّهُ شَهِدَ هذِه القِصَّةَ حِينَ جاءَ مُحَمَّدُ بْنُ إِياسِ بْنِ البُكَيْرِ إِلَى ابن الزُّبَيْرِ وَعاصِمِ بْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُما عَنْ ذَلِكَ فَقالا اذْهَبْ إِلَى ابن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُما عِنْدَ عَائِشَةَ رضي الله عنها ثُمَّ ساقَ هذا الخَبَرَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَوْلُ ابن عَبَّاسٍ هُوَ أَنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ تَبِينُ مِنْ زَوْجِها مَدْخُولًا بِها وَغَيْرَ مَدْخُولٍ بِها لا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ هذا مِثْلُ خَبَرِ الصَّرْفِ قَالَ: فِيهِ ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ يَعْنِي ابن عَبَّاسٍ (1).

2199 -

حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ، حَدَّثَنا أَبُو النُّعْمانِ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ غَيْرِ واحِدٍ عَنْ طاوُسٍ أَنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: أَبُو الصَّهْباءِ كَانَ كَثِيرَ السُّؤالِ لابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَما عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْبر وَصَدْرًا مِنْ إِمارَةِ عُمَرَ؟ قَالَ ابن عَبَّاسٍ: بَلَى كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأَبي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إِمارَةِ عُمَرَ فَلَمّا رَأى النّاسَ قَدْ تَتابَعُوا فِيها قَالَ: أَجِيزُوهنَّ عَلَيْهِمْ (2).

2200 -

حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابن طاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبا الصَّهْباءِ قَالَ لابنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ إِنَّما كَانَتِ الثَّلاثُ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلاثًا مِنْ إِمارَةِ عُمَرَ قَالَ ابن عَبَّاسٍ: نَعَمْ (3).

(1) رواه مالك 2/ 571، وعبد الرزاق (11071)، وسعيد بن منصور في "سننه"(1075)، والطحاوي (4480).

وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(1908)

(2)

رواه مسلم (1472). دون قوله: قبل أن يدخل بها.

وقال الألباني عنها في "الضعيفة"(1134): منكرة.

(3)

رواه مسلم (1472).

ص: 617

باب المراجعة بعد الثلاث تطليقات

[2196]

(ثنا أحمد بن صالح) الطبري المصري، شيخ البخاري (ثنا عبد الرزاق، أنا) عبد الملك (بن جريج قال: أخبرني بعض بني) قال عبد الحق: ليس في بني أبي رافع من يحتج به إلا عبيد الله (1)(أبي رافع) اسمه إبراهيم ويقال: أسلم القبطي.

(مولى النبي صلى الله عليه وسلم) قيل: كان للعباس فوهبه لرسول الله، فلما أسلم العباس بشر أبو رافع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه فأعتقه (عن عكرمة) المفسر (مولى ابن عباس، عن) مولاه عبد الله (ابن عباس قال: طلق عبد يزيد) بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف وكنيته (أبو ركانة) بضم الراء (وإخوته) زوجته (أم ركانة) هكذا ذكره المصنف هنا، قال الذهبي: هذا لا يصح، والمعروف أن صاحب القصة ركانة (2) كما سيأتي.

(ونكح امرأة من مزينة) بنت كلب بن وبرة بن تغلب قبيلة كبيرة، فجاءت المرأة المزنية (فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ) يا رسول الله إن أبا ركانة (ما يغني عني) أبو ركانة، أي: ما ينفعني في شيء، ولم يكفني مؤنة، ويقال: استغنت (3) بزوجها عن غيره فهي غانية، والجمع الغواني (إلا كما تغني) عني (هذِه الشعرة) بسكون العين، وأشارت (لشعرة أخذتها من رأسها) ولعلها كنَّت بهذا عن الجماع أنه لا ينفعها

(1)"الأحكام الوسطى" لعبد الحق 3/ 195. ووقع فيه: عبد الله بدل عبيد الله.

(2)

"تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (3829).

(3)

من "مجمل اللغة".

ص: 618

كما كنَّت امرأة عبد الرحمن بن الزبير عن وطء زوجها بهدبة الثوب (1). وهي طرفه الذي لم ينسج شبهوها بهدب العين وهي شعر الجفن.

فيه جواز قطع الشعرة والشعرتين من شعر رأس الرجل والمرأة للحاجة، وفيه جواز نظر الأجنبي إلى الشعرة أو الشعرتين من المرأة إذا انفصلا منها، وقد قال أصحابنا: لا يجوز النظر إلى الشعر المبان من شعر الأجنبية (2) وبشرتها وإن جاز مسه، ويحتمل أن يقال: لم يكن حين أشارت إلى الشعرة عنده أحد، أو كان عنده محارمها أو عرفت أنهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم كانوا يجلسون عنده ولا يرفعون رؤوسهم في حضرته تعظيمًا له صلى الله عليه وسلم.

(ففرق) بفتح الفاءين وكسر الراء المشددة (بيني وبينه) وفي الحديث دليل على جواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم، وكذا ما في معناه، وجواز ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوهما.

(فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم) عند سماع كلامها (حمية) تشديد المثناة تحت، أي: غيرة لله تعالى وشفقة عليها ورحمة لها (فدعا بركانة) فيه إرسال الحاكم من يحضر المدعى عليه إذا استعداه المدعي على خصم ظاهر في البلد يمكن إحضاره وجوبًا وإن كان من ذوي المروءات، وأن الرسول يدعوه بالخطاب؛ لأنه يدعو الخصم بدفع ختم طين رطب أو غيره ليعرضه على الخصم وليكن مكتوبًا: أجب القاضي، كما قاله

(1) حديثها رواه البخاري (2639) ومسلم (1433) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2)

"فتاوى ابن الصلاح"(912).

ص: 619

أصحابنا وغيرهم (1)(و) دعا بـ (إخوته) العارفين بكمال الخصمين (ثم قال لجلسائه) فيه أن الحاكم والمفتي لا يخرج للقضاء والفتوى إلا إذا حضر جمع من الفقهاء وأهل العلم والدين ليستشيرهم فيما يحدث (أترون فلانًا) بفتح التاء، أي: أتعلمون قاله؟ أي: هنا أعلمك قال الراغب: تتعدى بنفسها دون الجار (2)(يشبه) بضم أوله وكسر ثالثه (منه كذا وكذا؟ ) لعله كناية عن الذَّكر (من عبد يزيد) بفتح الدال غير منصرف للعلمية ووزن المضارع والمراد أن الذكر يشبه الشعرة في عدم انتصابها للوطء كما قالت امرأة رفاعة: إنما هو معه مثل هدبة الثوب (وفلانًا يشبه منه كذا وكذا) لعله أعاد الكناية لرجل آخر؛ فإن القبلة تحتاج لشاهدين (قالوا: نعم) نعلم هذا.

(قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد) أي ركانة (طلقها) أي طلق المزنية، والظاهر أن هذا أمر إرشاد ومصلحة يشبه أن يكون أمره بطلاقها لما جهرت به بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رأى من المصلحة (ففعل) أي: طلقها امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي رأى له فيه المصلحة.

(قال: راجع امرأتك أم) بالنصب بدل (ركانة و) أم (إخوته) هذا كالتعليل للمراجعة، والتقدير: راجعها لأنها أم أولادك لما يحصل للأولاد من الرفق عند اجتماع أبويهما وما يحصل لهم من المشقة إذا كانوا عند ضرة أمهما.

(فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله قال: قد علمت) فيه دلالة على

(1) انظر: "روضة الطالبين" 11/ 194.

(2)

"تفسير الراغب الأصفهاني" 1/ 499.

ص: 620

جواز وقوع الطلاق الثلاث واحدة؛ لأنه قال: "قد علمت" فأقره عليه ولم ينكر عليه (راجعها) هذا موضع التبويب وهو أن هذِه المراجعة التي بعد التطليقات الثلاث منسوخة بما في "الصحيح" عن عائشة: أن امرأة رفاعة القرظي طلقها فبت طلاقها، وفي رواية: فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجها ابن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"(1). وهذا الذي ذكره المصنف من النسخ هو قول الجمهور من السلف والخلف، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة فقط، ولزوجها أن يراجعها، ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة، حكاه القرطبي، وقال: قيل عنهما: لا يلزم منه شيء، وهو مذهب مقاتل، ويروى عن داود (2).

واستدل من قال: تقع الثلاث المجتمعة بكلمة واحدة بأحاديث ثلاثة: بهذا الحديث، والثاني حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق ثلاثًا (3)، والثالث: ما روي عن ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة (4)(وتلا) قول الله تعالى: ({يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ})(5) فيه استدلال بكتاب الله على السنة؛ لأنه الأصل المعتمد

(1) أخرجه البخاري (6084). ومسلم (1433).

(2)

"المفهم" للقرطبي 4/ 237.

(3)

أخرجه مسلم (1471)(7).

(4)

رواه مسلم (1472).

(5)

الطلاق: 1.

ص: 621

للأخذ منه، والسنة بيان له ({فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}) (1) قال مالك في "الموطأ": فطلقوهن لعدتهن يعني بذلك أن يطلق في كل طهر مرة (2)، انتهى. ويؤخذ منه أن من طلق ثلاثًا بكلمة واحدة مخالف لأمر الله.

(قال المصنف: وحديث نافع بن عجير) بن عبد يزيد المطلبي، روى عن أبيه وعمه ركانة، وعن أبيه محمد وعبد الله بن علي وثق (3) وروايته هنا عن عمه ركانة (وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة) بن عبد يزيد بن هاشم المطلبي، ذكره ابن حبان في "الثقات"(4) ولم يرو عنه غير الزبير بن سعيد الهاشمي (عن أبيه) علي (عن جده) يزيد.

(أن) أباه (ركانة) بن عبد يزيد (طلق امرأته) سهيمة بضم السين المهملة وفتح الهاء مصغر، وهي بنت عمير المزنية، قال البخاري: ثنا علي، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن ابن إسحاق قال: ثني محمد بن نافع بن عمير قال: وكان ثقة، سمع عبد الله بن الحارث بن عويمر المزني قال: كان من النبي صلى الله عليه وسلم في عمتي سهيمة بنت عمير قضاء ما قضى به في أحد قبلها (5)(فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم أصح) من حديث عكرمة عن ابن عباس المذكور (لأنهم) يعني: لأن عبد الله بن علي ووالده علي بن يزيد وجده يزيد بن ركانة ثلاثتهم هم (ولد الرجل) يعني

(1) الطلاق: 1.

(2)

"الموطأ" 2/ 459.

(3)

"الكاشف" 3/ 197.

(4)

"الثقات" 7/ 15.

(5)

"التاريخ الكبير" للبخاري 1/ 250.

ص: 622

أولاده، بفتحتين كل أولاده يعني وهو يطلق على الذكر والأنثى والتثنية والجمع، وهو فَعَلْ بمعنى مفعول (وأهله) هم الأقارب، والولد من الأهل كما قال نوح عليه السلام {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} (1) وهم (أعلم به) من غيرهم وأعرف بحديثه من سواهم. وبهذا الذي قاله المصنف من أن أهل الرجل وأولاده أعلم به ما رواه الإمام الشافعي المطَّلبي في "مسنده" عن محمد بن علي بن شافع، وفي رواية أخرى: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، ووالله ما أردت إلا واحدة فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان (2) كما سيأتي حيث ذكره المصنف في باب البتة. ورواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن علي بن يزيد، عن أبيه، عن جده بنحوه ثم قال: قال أبو عبد الله: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث (3).

(إن ركانة إنما طلق امرأته البتة) سيأتي، ويجوز أن يكون قوله البتة شاهدًا على مجيء الحال على صورة المعرف بالأداة فيحكم بزيادة الألف واللام؛ لأن تنكير الحال وتعريف صاحبه لازم، ويكون البتة مصدر وضع موضع اسم الفاعل والتقدير: طلق امرأته باتًّا طلاقها،

(1) هود: 45.

(2)

"مسند الشافعي" 1/ 268.

(3)

"سنن ابن ماجه"(2051).

ص: 623

ومما زيد فيه الألف واللام على الحال قولهم: ادخُلوا الأول فالأول، التقدير: ادخلوا مترتبين في الدخول (فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم) طلقة (واحدة) حين حلف أنه أراد طلقة واحدة كما سيأتي في البتة.

[2197]

(ثنا حميد بن مسعدة) الباهلي، شيخ مسلم (ثنا إسماعيل) بن إبراهيم ابن علية الإمام (أنا أيوب، عن عبد الله بن كثير) الداري أحد القراء (1) السبعة (عن مجاهد) وقرأ عليه القرآن (قال: كنت عند) عبد الله (بن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت) ابن عباس عن جوابه (حتى ظننت أنه رادُّها) بتشديد الدال المرفوعة، وأصلها رادِدُها إليه ثم أدغمت الدال في الدال (إليه) أي: إلى عصمته لطول سكوته، ولما تقدم من رواية طاوس وأبي الصهباء.

(ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة) بفتح الحاء المهملة وضم الميم، وهي فَعولة من الحمق كالرَّكوبة من الركب، أي: يركب خصلة ذات حُمق، وإسناد الركوبة إلى الحموقة استعارة كما يسند الركوب إلى الدين، فيقال: ركبه الدين. وحقيقةُ الحمقِ وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، ومنه حديث نجدة الحروري: لولا أن يقع في أحموقة ما كتبت إليه (2). وهي أُفعولة من الحمق بمعنى الحموقة (ثم) يذهب (يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس) أعادها مرتين مبالغة في الكلام، يعني: يا ابن عباس أنقذني مما وقعت فيه (وإن الله) تعالى (قال) في كتابه العزيز محذرًا من إيقاع الثلاثة واحدة: ({وَمَنْ

(1) في النسخة الخطية: الفقهاء. والمثبت من "تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 283.

(2)

سيأتي برقم (2727).

ص: 624

يَتَّقِ اللَّهَ}) في إيقاعه الطلاق على زوجته، وفي سائر أموره ولم يتعد حدود الله التي حدها في إيقاع الطلقات الثلاث متفرقة ({يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}) (1): من طلاقه الذي أهمه، وفرجًا من سائر همومه وكل ضيق يعتريه ويراجع زوجته إلى عصمته (وإنك لم تتق الله) في طلاق زوجتك وتعديت حدوده بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، وظلمت نفسك فيما بينك وبين الله، ثم جئت تقول: يا ابن عباس انظر لي مخرجًا مما وقعت فيه (فلا أجد لك مخرجًا) من طلاقك الثلاث حتى تنكح زوجًا غيرك وإنك قد (عصيت ربك) في تعديك حدوده (وبانت منك امرأتك) بينونة كبرى، وفيه دليل على أن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة معصية لمخالفة أمر الله في قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (2)، وفي قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (3).

وروى النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال:"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله (4) وذكر البخاري أن محمودًا له صحبة (5).

وروى الدارقطني عن عبادة بن الصامت قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفًا فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق

(1) الطلاق: 2.

(2)

الطلاق: 1.

(3)

الطلاق: 2.

(4)

"السنن الكبرى" للنسائي 5/ 252.

(5)

"التاريخ الكبير" 7/ 402 (1762).

ص: 625

ألفًا، فهل له من مخرج؟ فقال:"إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجًا، بانت منه امرأته بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه"(1)(وإن الله قال) في كتابه: ({يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ} (2) في قبل عدتهن) فيه ما تقدم قريبًا.

(قال المصنف: روى هذا الحديث حميد) بن قيس المكي (الأعرج) القارئ (وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه شعبة، عن عمرو بن مرة) الجملي، أحد الأعلام (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، و) رواه (أيوب، و) عبد الملك (بن جريج) رووه (جميعًا، عن عكرمة بن خالد) المخزومي، أخرج له الشيخان.

(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس و) رواه عبد الملك (بن جريج) أيضًا (عن عبد الحميد بن رافع، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه) سليمان بن مهران (الأعمش، عن مالك بن الحارث) السلمي، أخرج له مسلم.

(عن ابن عباس) رضي الله عنهما (و) رواه عبد الملك (بن جريج، عن عمرو بن دينار) مولى فراس المكي (عن ابن عباس، وكلهم قالوا في الطلاق الثلاث: أنه أجازها) أي أجاز وقوع الثلاث تطليقات (قال) للسائل: (وبانت منك) بينونة كبرى فلا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك (نحو حديث إسماعيل) ابن علية (عن أيوب، عن عبد الله بن كثير) في الحديث المتقدم، وكذا رواه الطحاوي عن محمد بن [إياس

(1)"سنن الدارقطني" 4/ 20 وقال: رواته مجهولون وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي (53).

(2)

الطلاق: 1.

ص: 626

ابن البكير] (1) والنعمان بن أبي عياش وعطاء أنهم كلهم رووا عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثًا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته ولا ينكحها إلا بعد زوج (2). وكذا رواه الأئمة الأربعة.

ورواه عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث مجتمعة.

(قال المصنف: وروى حماد بن زيد) بن درهم الإمام الأزدي (عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس إذا قال: أنت طالق. ثلاثًا بفم واحد) أي: بلفظة واحدة، فعبر عن اللفظة بالفم تجوزًا (فهي) طلقة (واحدة) هذِه الرواية صحت في الأحاديث المتقدمة، وغيرها بخلافه. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس يعني هذا بأي شيء تدفعه؟ قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه بخلافه، ثم ذكر عن عدة، عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث. وقيل: معنى هذا الحديث أن الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلا يسوغ لابن عباس أن يروي هذا عن النبي ويفتي بخلافه (3).

(ورواه إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية (عن أيوب، عن عكرمة هذا) القول (قوله) بالنصب على المصدرية، ونصب هذا المصدر مصدر مثله، تقديره: هذا القول قوله كما قال تعالى: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} (4) لكن الآية المصدر الناصب فيها ظاهر، وهذا مقدر

(1) في النسخة الخطية: المنكدر. والمثبت من "شرح معاني الآثار" 3/ 57.

(2)

"شرح معاني الآثار" 3/ 57 - 58.

(3)

"المغني" 334 - 335.

(4)

الإسراء: 63.

ص: 627

(لم يذكر) عكرمة (ابن عباس) في هذِه الرواية (وجعله) أي جعل هذا القول (قول عكرمة) دون ابن عباس.

[2198]

(وصار قول) بالرفع (ابن عباس فيما حدثنا) به (أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري الحافظ (ومحمد بن يحيى) بن [عبد الله](1) ابن فارس الذهلي شيخ البخاري (قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) العامري مولاهم المدني (عن محمد بن إياس) ابن بكير الليثي (أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قالوا: لا تحل له) وحرمت عليه (حتى تنكح زوجًا غيره) سواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا، وهذا قول أكثر الأئمة من التابعين والأئمة بعدهم.

(قال المصنف: وروى مالك، عن يحيى بن سعيد) القطان (عن بكير بن الأشج، عن معاوية بن أبي عياش) الأنصاري (أنه شهد هذِه القصة) المذكورة (حين جاء محمد بن إياس بن البكير) الليثي (إلى) عبد الله (ابن الزبير وعاصم بن عمر) بن الخطاب، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين رجل من قريش دور في أرض، فقال القرشي لعاصم: فإن كان صادقًا فأدخلها، فقال عاصم: أوقد بلغ بك الغضب كل هذا؟ هي لك، فقال القرشي: سبقتني بها بل هي لك فتركاها لم يأخذها واحد منهما حتى هلكا، ثم لم يتعرض لهما أولادهما

(1) في الأصل: عياش. وهو خطأ. والمثبت من "المصادر".

ص: 628

(فسألهما عن ذلك قال: اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة رضي الله عنهم) فيه أن من سئل عن مسألة وعرف أن غيره أعرف بها أن يدل عليه، وهذا من النصح في الدين والاعتراف لأهل الفضل، ورواية الشافعي: فقال ابن الزبير: هذا الأمر ما لنا فيه قولٌ اذهب إلى ابن عباس (1). وزاد الشافعي في "مسنده": فاسألهما، ثم إنه جاء فأخبرنا فذهب فسألهما، فقال ابن عباس: أفتنا يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: واحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، فقال ابن عباس: مثل ذلك (2)(ثم ساق هذا الخبر) المذكور.

[2199]

(ثنا محمد بن عبد الملك بن مروان) بن الحكم الواسطي، قال أبو حاتم: صدوق (3). وقال الدارقطني وغيره: ثقة (4).

(ثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل [المعروف بعارم](5) السدوسي (ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد، عن طاوس) قيل: هو لقب واسمه ذكوان، سمي به لأنه كان طاوس القراء (6)، وهو ابن كيسان اليماني (7) (أن رجلًا يقال له: أبو الصهباء) صهيب البصري مولى ابن عباس، وروى له مسلم في الصرف، وتقدم في باب من قال: الحمار

(1)"الأم" 6/ 358.

(2)

"مسند الشافعي" 1/ 271.

(3)

"الجرح والتعديل" 8/ 4.

(4)

"تهذيب الكمال" 26/ 25.

(5)

بياض قدر كلمتين، والمثبت من المصادر.

(6)

روي ذلك عن يحيى بن معين. انظر: "تهذيب الكمال" 13/ 358.

(7)

"التهذيب" 13/ 357.

ص: 629

لا يقطع الصلاة (كان كثير السؤال لابن عباس لأنه كان مولاه وكان له ولاؤه فسأله) و (قال: أما علمت؟ ) استفهام معناه التقرير للحكم الآتي (أن) فتحت الهمزة لأنها في موضع نصب بالعلم (الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة) يريد أنها لا تقع إلا واحدة وتلغى الثنتان.

قال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": الفرق بين قول مسلم: أتعلم (1). وبين قول أبي داود: أما علمت، وقول النسائي: ألم تعلم (2). أن قول مسلم: أتعلَمُ. أن أكثر ما يطلق هذا اللفظ في استفهام من لا يكون المستفهم قد علم أن المستفهم عالم بما سأله عنه فيكون متوقفًا في أمره فيسأله ليعلم حقيقة الأمر عنده هل يعلمه أو لا، ويجوز أن يكون المستفهم عالمًا بذلك، وإنما يريد بذلك تقريره وتثبيته أو أن يظهر للسامع حقيقة حال المسئول من علم أو جهل، وأما قوله في رواية أبي داود: أما علمت، والنسائي: ألم تعلم، فإنما هو استفهام تقرير وتثبيت محض مع علم المستفهم أن المستفهم عالم بما سأله عنه (3).

(على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا) قال ابن الأثير: هو بالنصب عطفًا على الموضع، أي موضع رسول الله، والظاهر أن موضعه رفع؛ لأنه من إضافة المصدر إلى فاعله لا إلى مفعوله، وعلى تقدير أن يكون من إضافة المصدر إلى مفعوله أو فاعله، فالمصدر على

(1)"صحيح مسلم"(1472/ 16).

(2)

"سنن النسائي"(3406).

(3)

"الشافي شرح مسند الشافعي" 4/ 487.

ص: 630

تقدير ما والفعل والتقدير على ما لعهد رسول الله، ويجوز أن يكون صدرًا منصوب على المفعول معه (من إمارة) بكسر الهمزة (عمر) بن الخطاب، وعند الطبراني: وسنتين من خلافة عمر (1).

قال عياض: ذهب إلى هذا المذهب قومٌ من التابعين من أصحاب ابن عباس رأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها؛ لأنها تبين منه بقوله: أنت طالق طلقة واحدة، وقوله: ثلاثًا بعدها كلام وقع بعد البينونة فلا يعتد به، فأجروا المتصل مجرى الطلقات المنفصلة ثلاثًا، قال: وهذا باطل عند جمهور العلماء؛ لأن قوله: أنت طالق معناه ذات طلاق، فلا يصلح إطراح هذا السنن (2). ولأن قولهم بانت بواحدة وبقي قوله ثلاثًا لم يصادف محلًّا فيه إجراء المتصل مجرى المنفصل، وهذا ليس بشيء؛ لأن قوله: أنت طالق ثلاثًا كلام واحد متصل غير منفصل، ومن المحال البين إعطاء الشيء حكم نقيضه، لأن الاتصال والانفصال نقيضان (قال ابن عباس: بلى) أي نعم. فيه تصديق وتقرير لسؤال أبي الصهباء (كان الرجل إذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها) سواء كان الطلاق الثلاث متفرقًا أو في كلمة واحدة (جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) وعهد (أبي بكر وصدرًا) بالنصب كما تقدم (من إمارة عمر) قال بعض العلماء البغداديين: المراد بهذا الحديث أنه كان المعتاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس التطليق بالثلاث، فالمعنى: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثًا لموقع واحدة فيما

(1)"معجم الطبراني الكبير" 11/ 23 (10916).

(2)

"إكمال المعلم" 5/ 21.

ص: 631

قبل إنكارًا لخروجهم عن السنة (1).

قال عياض: وهذا بعيد؛ لقوله: وكانت الثلاث تجعل واحدة، ولكن يصح أن يريد كانت الثلاث الموقعة الآن فيما يطلقون به لسانهم تجعل واحدة، يعني: يوقع واحدة (2)، انتهى.

فإن (جعل) تأتي بمعنى أوقع وأوجد لقوله: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} (3) أوجدهما وأوقعهما بعد العدم (فلما رأى الناس) بالنصب مفعول والفاعل عمر، يعني: فلما رأى عمر الناس (قد تتابعوا) قال القرطبي: رويناه بالياء باثنتين من تحت بين الألف والعين وبالباء الواحدة وهما بمعنًى واحد (4).

قال النووي: بالمثناة تحت قول الجمهور في الشر واللجاج وبالموحدة تستعمل في الخير والشر فالمثناة هنا أجود (5)(فيها) أي في الثلاث (قال: أجيزوهن عليهم) قال ابن الأثير: أي أمضوهن وأنفذوا الثلاث وأوقعوهن عليهم، ومنه حديث الحساب:"لا أجيز اليوم على نفسي شاهدًا إلا مني"(6) أي: لا أنفذ وأمضي شاهدًا على نفسي من أجاز أمره يجيزه إذا أمضاه وجعله جائزًا (7). ثم قال ابن الأثير في

(1)"المفهم" 4/ 243.

(2)

"إكمال المعلم" 5/ 20.

(3)

الأنعام: 1.

(4)

"المفهم" 4/ 246.

(5)

شرح النووي على مسلم" 10/ 72.

(6)

رواه مسلم (2969) من حديث أنس.

(7)

"النهاية في غريب الحديث"(جوز).

ص: 632

"شرح المسند": اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فقال: كان هذا الحكم في الصدر الأول ثم نسخ، قال: وهذا (لا وجه)(1) له؛ لأن النسخ إنما يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأما في زمانهم فلا وجه للنسخ، فإن الأحكام استقرت وانقطع الوحي، وإنما هو زمان الاجتهاد والرأي فيما (لم يبلغهم) (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه نص (3). قالوا: ويشبه أن يكون معنى الحديث منصرفًا إلى طلاق البتة كما في حديث ركانة الآتي؛ فإنه جعل البتة واحدة، وكان عمر يراها واحدة ثم تتابع الناس في ذلك وأكثروا منه فألزمهم الثلاث، وإليه ذهب غير واحد من الصحابة وغيرهم (4)، وبه قال مالك وأحمد، وهذا كصنعه في حد شارب الخمر؛ فإنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر أربعين، ثم إن عمر لما رأى الناس تتابعوا في الخمر، واستخفوا عقوبتها. قال: أرى أن تبلغ حد المفتري، يعني: القاذف فجعلها ثمانين، وذلك بمحضر من الصحابة فلا يبعد أن يكون الأمر في طلاق البتة مثله (5).

قال أبو العباس بن سريج: يمكن أن يكون إنما جاء في نوع خاص من طلاق الثلاث وهو أن يفرق بين اللفظ كأنه يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فكان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر والناس على صدقهم وسلامة صدورهم، ولم يكن ظهر فيهم الخب الخداع،

(1) في الأصل الأوجه. والمثبت من "معالم السنن" 3/ 124.

(2)

في الأصل: بلغهم. والمثبت من "معالم السنن" المطبوع مع "مختصر السنن".

(3)

"الشافي" 4/ 488.

(4)

"معالم السنن" المطبوع مع "مختصر السنن" 3/ 126.

(5)

السابق.

ص: 633

فكان يصدقهم أنهم أرادوا به التأكيد ولم يريدوا به الثلاث، فلما رأى عمر في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار والتأكيد وألزمهم الثلاث (1). وقال قوم: هذا الحكم خاص في غير المدخول بها. لما تقدم.

[2200]

(ثنا أحمد بن صالح، أبنا عبد الرزاق، أبنا) عبد الملك (ابن جريج) قال (أخبرني) عبد الله (بن طاوس) بن كيسان (عن أبيه) طاوس القراء (أن أبا الصهباء) صهيب مولى ابن عباس كما تقدم.

(قال لابن عباس: أتعلم) تقدم أن هذِه رواية مسلم (2)، والفرق بينها وبين الرواية المتقدمة: أما علمت (أنما) بفتح الهمزة وهي مركبة من أن التي للتحقيق والتوكيد، وما الكافة، ويحصل من مجموعها حصر الحكم على الشيء والشيء على الحكم، فيقال: إنما القائم زيد، وإنما زيد القائم، فحصرت للقيام على زيد وزيد على القيام، وها هنا قد حصر الثلاث تطليقات على الواحدة، وليس الغرض من قول أبي الصهباء الإخبار بأن التطليقات منهم (كانت الثلاث) تجعل واحدة، بل الغرض الاستفهام بمعنى التقرير والتثبيت كما تقدم ويدل على ذلك أمران:

أحدهما: قوله في آخر الحديث: فقال ابن عباس: نعم. ونعم لا تكون جواب إخبار؛ لأن الخبر لا يحتاج إلى جواب، وإنما يحتاج إليه الاستفهام.

(1)"معالم السنن" المطبوع مع "مختصر السنن" 3/ 127.

(2)

رواه مسلم (1472/ 16) من طريق عبد الرزاق به.

ص: 634

والثاني: تقديره الاستفهام في أول الكلام في قوله: أتعلم، فدل على الغرض الاستفهام (تجعل واحدة) يريد أنها لا يقع منها إلا واحدة، ويلغي اللسان بكلمة الثلاث (على عهد) أي: عصر (النبي صلى الله عليه وسلم و) عصر (أبي بكر وثلاثًا) بالنصب عطف على المعنى كما تقدم؛ لأن عهد بمعنى عصر كما فسروه به، وعصر أصله منصوب على الظرفية، وإنما كان في الظاهر مجرورًا بعلى وثلاثًا مما حذف المضاف إليه وعوض عنه التنوين، أي: وثلاث سنين (من) أول (إمارة عمر رضي الله عنه قال ابن عباس) رضي الله عنهما (نعم)(1) قال ابن المنذر: غير جائز أن يظن أن ابن عباس كان يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يفتي بخلافه (2).

وقال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني: أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس قد علم أنه كان شيئًا فنسخ (3). وذكر البيهقي أن رواية ابن عباس تأكيدًا لصحة الحديث الذي ذكره المصنف في باب نسخ المراجعة.

وقال القرطبي: حديث ابن عباس يعني هذا لا يصح الاحتجاج به لأوجه: أحدها: أنه ليس حديثًا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ظاهره الإخبار عن أهل عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر أبي بكر، فاتفاقهم على

(1) هذا النقل الطويل من قوله: قال ابن الأثير إلى هنا من "الشافي" لابن الأثير 4/ 488 - 489.

(2)

"الأوسط" 9/ 158.

(3)

اختلاف الحديث" 8/ 660.

ص: 635

ذلك وإجماعهم عليه ليس بصحيح، فأول من خالف ذلك بفتياه ابن عباس كما في حديث مجاهد في هذا الباب، وفي آخره: عصيت ربك وبانت منك امرأتك (1).

وروى مالك في "الموطأ" أن رجلًا قال لابن عباس: طلقت امرأتي مائة طلقة، فقال: طلقت منك ثلاثًا وسبعة وتسعون اتخذت بها آيات الله هزؤًا (2). وفي "الموطأ" أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقت امرأتي ثمان تطليقات.

قال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟ قال: قيل لي أنها بانت منك. قال: صدقوا (3). هو كما يقولون، قال: فهذا يدل على وجوه الخلاف فيها في عصر الصحابة، وأن المشهور عندهم المعمول به خلاف مقتضى حديث ابن عباس، فبطل التمسك به، وقيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس. ولئن سلمنا أنه حديث مسند مرفوع فلا حجة فيه للاضطراب والاختلاف الذي في سنده ومتنه، فقد اضطرب فيه أبو الصهباء عن ابن عباس في لفظه، واضطرب فيه طاوس، فمرة رواه عن أبي الصهباء، ومرة رواه عن ابن عباس نفسه، ومهما كثر الاختلاف والتناقض ارتفعت الثقة (4).

(1)"المفهم" 4/ 239.

(2)

"الموطأ" 2/ 433.

(3)

"الموطأ" 2/ 433.

(4)

انظر: "المفهم" 4/ 239 - 240.

ص: 636