الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
عن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه قال: "خَرَجْتُ أتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أنْ أُسْلِمَ، فوجدته قد سَبَقَنِي إلَى المسجد، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فاستفتح سُورةَ الحاقة، فَجَعَلْتُ أعْجَبُ من تأليف القرآن، فقلتُ: هذا -واللَّهِ- شاعِرٌ كما قالت قريش، قال: فقرأ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ}، قال: قلتُ: كاهِنٌ، فقال: {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إلى آخر السورة، قال: فوقع الإسلامُ فِي قلبِي كُلَّ موقع"
(1)
.
قوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44)} يعني محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فَزادَ في الوَحْيِ، أو نَقَصَ منه، أو قال علينا ما لَمْ نَقُلْ {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45)} يعني: بالعَدْلِ بلغة قريش
(2)
، وقيل: بالحق، وهو قول ثعلب
(3)
، وقيل: بالقوة والقدرة، وهو قول المُبَرِّدِ
(4)
والفَرّاءِ
(5)
والزَّجّاجِ
(6)
، قال الشاعر:
390 -
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ
…
تَلَقّاها عَرابةُ بِاليَمِينِ
(7)
(1)
رواه الإمام أحمد في المسند 1/ 17، وينظر: شفاء الصدور ورقة 158/ أ، الوسيط 4/ 349، مجمع الزوائد 9/ 62 كتاب المناقب: باب مناقب عمر بن الخطاب.
(2)
قاله النقاش في شفاء الصدور ورقة 162/ أ، وحكاه القرطبي عن الحكيم الترمذي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن 15/ 94، 95.
(3)
ينظر قوله في شفاء الصدور ورقة 162/ أ، تفسير القرطبي 15/ 94.
(4)
ينظر قوله في الإغفال للفارسي 2/ 188، الوسيط للواحدي 4/ 349.
(5)
معانِي القرآن 3/ 183.
(6)
معانِي القرآن وإعرابه 5/ 218.
(7)
البيت من الوافر، للشماخ بن ضرار يمدح عَرابةُ الأوْسِيَّ، ويُرْوَى:"نُصِبَتْ لِمَجْدٍ".
التخريج: ديوانه ص 336، معانِي القرآن للفراء 2/ 385، معانِي القرآن وإعرابه 5/ 218، جمهرة اللغة ص 319، 994، الزاهر لابن الأنباري 1/ 428، 2/ 88، 390، تهذيب اللغة =
يريد: بالقوة. قال ابن قتيبة
(1)
: وإنما أقامَ اليَمِينَ مُقامَ القوة؛ لأن قُوّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ.
وقال صاحب إنسان العين
(2)
: الباء مؤكدة، والمعنى: أخَذْنا يَمِينَهُ وأعْجَزْناهُ، أو أخذنا باليمين منه كما تقول: خُذْ بِيَمِينِهِ فَأخْرِجْهُ.
وقال الثعلبيُّ
(3)
: قيل: معناه: لأخذنا منه باليَدِ اليَمِينِ من يديه، وهو مَثَلٌ معناه: لأذْلَلْناهُ وَأهَنّاهُ، وهذا كقول ذِي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إهانةً، قال لبعض أعوانه: خُذْ بِيَدِهِ فَأقِمْهُ. واعْتَمَدَ محمدُ بن جرير الطبري هذا القول
(4)
.
{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)} وهو عِرْقٌ يكون في القَلْبِ، يُسَمَّى نِياطَ القَلْبِ، فإذا قُطِعَ مات صاحبه، وإنما يُسَمَّى نِياطًا لِتَعَلُّقِهِ بِالقَلْبِ
(5)
، وقال
= 8/ 221، 15/ 523، مقاييس اللغة 6/ 158، المحتسب 2/ 234، الكشف والبيان 10/ 32، أمالِيُّ ابن الشجري 2/ 434، عين المعانِي ورقة 137/ أ، تفسير القرطبي 5/ 20، 8/ 251، 14/ 147، 15/ 75، 278، 18/ 276 - 275، شرح المفصل لابن يعيش 2/ 31، اللسان: عرب، يمن، شرح شواهد شرح الشافية ص 204، التاج: عرب.
(1)
تأويل مشكل القرآن ص 154.
(2)
ينظر: عين المعانِي ورقة 137/ أ.
(3)
الكشف والبيان 10/ 32 - 33.
(4)
قال الطبري: "وقد قيل: إن معنى قوله: {لأخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ}: لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه، قالوا: وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعناه: إنا كُنّا نُذِلُّهُ وَنُهِينُهُ، ثم نقطع منه بعد ذلك الوتينَ، قالوا: وإنما ذلك كقول ذي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض مَنْ بَيْنَ يديه لأعوانه: خُذْ بيَدِهِ فَأقِمْهُ، وافْعَلْ به كذا وكذا، قالوا: وكذلك معنى قوله: {لأخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ}؛ أي: لأهَنّاهُ كالذي يُفْعَلُ بالذي وَصَفْنا حالَهُ". جامع البيان 29/ 82.
(5)
قاله ابن عباس والضحاك وابن جبير وابن زيد وأبو عبيدة وابن قتيبة، ينظر: مجاز القرآن =
ثعلب
(1)
: الوَتِينُ عِرْقٌ يكون فِي باطن فَخِذِ الإنسان، إذا قُطِعَ مات صاحبه. وقال الواحِدِيُّ
(2)
: هو عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حتى يتصل بالقلب، إذا انقطع بَطَلَت القُوَى ومات صاحبُهُ. وقيل
(3)
: هو عِرْقٌ بَيْنَ العِلْباءِ والحُلْقُومِ.
وقوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)} ؛ أي: مانِعِينَ يَحْجِزُونَنا عن عقوبته وما نفعله به، وإنما جمع وهو فِعْلُ واحِدٍ رَدًّا على معناه، كقوله تعالى:{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}
(4)
وهو نعت لـ {أَحَدٍ} ؛ لأنه بمعنى الجماعة، فحمل النعت على المعنى فجمع، وقيل
(5)
: هو نصب على خبر "ما" النافية، و {مِنْ} في قوله:{مِنْ أَحَدٍ} صِلةٌ زائِدةٌ.
قوله: {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)} ؛ أي: لَعِظةٌ لِمَن اتقى عِقابَ اللَّه بطاعته {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ} يا أهل مكة {أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50)} يعني: ندامة على الكافرين يوم القيامة، يندمون على ترك الإيمان به {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)} من اللَّه، والحق هو اليقين، وإنما أضافه إلى اليقين
= 2/ 268، غريب القرآن لابن قتيبة ص 484، جامع البيان 29/ 82، شفاء الصدور ورقة 162/ أ، تفسير القرطبي 18/ 276.
(1)
ينظر قوله في شفاء الصدور ورقة 162/ أ.
(2)
الوسيط 4/ 349.
(3)
قاله الكلبي، ينظر: الكشف والبيان 10/ 33، عين المعانِي ورقة 137/ أ، تفسير القرطبي 18/ 276.
(4)
البقرة 285، وهذا قول الفراء والطبري والزجاج، ينظر: معانِي القرآن للفراء 3/ 183، جامع البيان 29/ 84، معانِي القرآن وإعرابه 5/ 218.
(5)
قاله الباقولِيُّ والأنباري والمنتجب الهمدانِيُّ، ولا يعد "مِنْكُمْ" فَصْلًا بين "ما" واسمها؛ لأن الفصل بالجار والمجرور كَلا فَصْلٍ، ينظر: كشف المشكلات للباقولِيِّ 2/ 382، البيان للأنباري 2/ 458 - 459، الفريد للهمدانِي 4/ 522.
توكيدا، وقيل: إنما أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين، نظيره في آخر سورة الواقعة
(1)
.
ثم أمَرَهُ بتنزيهه عن السوء بقوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)} ؛ أي: اذْكُر اسم ربك العظيم، أي: الذي يكون كُلُّ شَيْءٍ في جَنْبِ عَظَمَتِهِ صغيرًا، بالتوحيد والتَّنْزِيهِ عن كل سُوءٍ، فلا شَيْءَ أعْظَمُ منه ولا أكْبَرُ -جَلَّ وَعَزَّ في عظمته وسلطانه-، واللَّه أعلم.
* * *
(1)
الآية 95، وانظر 3/ 324.