الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بمثلها شاهدُ حالٍ لمريدٍ آخر صادقٍ قد سبقه إليها استأنس بها أعظمَ استئناسٍ، واستدلَّ بشاهدِ ذلك المريد على صحّة شاهده، فلذلك يشتدُّ عطشُه إلى شاهدٍ يَرويه عن الصّادقين.
ويحتمل أنّه من الرِّيِّ، فيكون مضموم الياء، إذا حصل له الرِّيُّ بذلك الشّاهد، ونزلَ على قلبه منزلةَ الماء البارد من الظّمآن، فقرَّتْ عنده صحّتُه، وأنّه شاهد حقٍّ.
ويُرجِّح هذا ذكْرُ الرّيِّ مع العطش، ويرجِّح الأوّل: ذِكره لفظةَ الرِّيِّ في قوله: «أو عطفةٍ ترويه» ، والأمر قريبٌ.
قوله: (أو إشارةٍ تَشفيه)، أي تَشفي قلبَه من علّةٍ عارضةٍ، فإذا وردتْ عليه الإشارة ــ إمّا من صادقٍ مثله، أو من عالمٍ، أو من شيخِ مسلكٍ، أو من آيةٍ فهِمَها، أو عبرةٍ ظفِرَ بها ــ اشتفى بها قلبه. وهذا معلومٌ عند من له ذوقٌ.
قوله: (أو إلى عطفةٍ تُروِيه)، أي عطفةٍ من جانب محبوبه عليه، تُروِي لهيبَ عطشِه وتَرُدُّه، فلا شيء أروى لقلب المحبِّ من عطف محبوبه عليه، ولا شيء أشدُّ للهيبِه وحريقِه من إعراض محبوبه عنه. ولهذا كان عذابُ أهل النّار باحتجاب ربِّهم عنهم أشدَّ عليهم ممّا هم فيه من العذاب الجسمانيِّ، كما أنّ نعيم أهل الجنّة ــ برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله ــ أعظمُ من نعيمهم الجسمانيِّ.
فصل
قال
(1)
: (الدّرجة
الثّانية: عطشُ السّالك
إلى أجلٍ يَطْوِيه، ويومٍ يُرِيه
(1)
«المنازل» (ص 76).
ما يُغنِيه، ومنزلٍ يستريحُ فيه).
إمّا أن يريد بالأجل الذي يَطوِيه: انقضاء مدّة سجن القلب والرُّوح في البدن، حتّى تَصِلَ إلى ربِّها وتَلْقاه، وهذا هو الظّاهر من كلامه.
وإمّا أن يريد به: عطشه إلى مقصود السُّلوك من وصوله إلى محبوبه وقُرّة عينه وجمعيّته عليه، فهو يَطوِي مراحلَ سيره حثيثًا ليصل إلى هذا المقصود، وحينئذٍ يعود له سيرٌ آخر وراء هذا السّير مع عدم مفارقته له، فإنّه إنّما وصل به، فلو فارقَه لانقطع انقطاعًا كلِّيًّا. ولكن يبقى له سيرٌ، وهو مستلقٍ على ظهره، يَسبِق به السُّعاةَ.
ويُرجِّح هذا المعنى الثّاني: أنّ المريد الصّادق لا يحبُّ الخروج من الدُّنيا حتّى يقضيَ نَحْبَه، لعلمه أنّه لا سبيل له إلى انقضائه في غير هذه الدّار، فإذا علم أنّه قد قضى نَحْبه أحبّ حينئذٍ الخروجَ منها. ولكن لا يقضي العبدُ نَحْبه حتّى يُوفِّي ما عليه.
والنّاس ثلاثةٌ: مُوفٍّ قد قضى نَحْبه، ومنتظرٌ للوفاء ساعٍ فيه حريصٌ عليه، ومُفرِّطٌ في وفاء ما عليه من الحقوق. والله المستعان.
قوله: (ويومٍ يُرِيه ما يُغنِيه)، أي يومٍ يرى فيه ما يُغنِي قلبَه ويَسُدُّ فاقتَه، من قُرّة عينه بمطلوبه ومراده.
وقوله: (ومنزلٍ يَستريحُ فيه)، أي منزلٍ من منازل السّير، ومقامٍ من مقامات الصّادقين، يستريح فيه قلبه، ويسكن فيه، ويخلُص من تلوُّنِ الأحوال عليه. فإنّ المقامات منازل، والأحوال مراحل، فصاحب الحال شديد العطش إلى مقامٍ يستقرُّ فيه ويَنزِله.