الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السّلاطين ــ فقال: حسنُ الأدب في الظّاهر عنوان حسن الأدب في الباطن
(1)
.
فالأدب مع الله حسن الصُّحبة معه، بإيقاع الحركات الظّاهرة والباطنة على مقتضى التّعظيم والإجلال والحياء، كحال مُجالِسي
(2)
الملوك ومُصاحِبيهم.
وقال أبو نصرٍ السّرّاج رحمه الله
(3)
:
النّاس في الأدب على ثلاث طبقاتٍ:
أمّا أهل الدُّنيا: فأكثر
(4)
آدابِهم في الفصاحة والبلاغة، وحفظ العلوم، وأَسْمارِ الملوك، وأشعارِ العرب.
وأمّا أهل الدِّين: فأكثرُ آدابهم في رياضة النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات.
وأما أهل الخصوصية: فأكثرُ آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلّةِ الالتفات إلى الخواطر، وحسنِ الأدب في مواقفِ الطّلب وأوقاتِ الحضور ومقاماتِ القرب.
وقال سهلٌ رحمه الله: من قهرَ نفسَه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص
(5)
.
وقال ابن المبارك رحمه الله: قد أكثر النّاس القولَ في الأدب، ونحن نقول:
(1)
«الرسالة القشيرية» (ص 596).
(2)
ل: «مجالس» .
(3)
في «اللمع» (ص 142، 143). والمؤلف صادر عن «الرسالة القشيرية» (ص 597).
(4)
ل: «فأكبر» . والمثبت من بقية النسخ موافق لمصدر المؤلف.
(5)
«الرسالة القشيرية» (ص 597).
إنّه معرفة النّفس
(1)
. أراد: أن أصله معرفة النفس ورُعوناتِها، وتجنُّبُ تلك الرُّعونات.
وقال الشِّبليُّ رحمه الله: الانبساط بالقول مع الحقِّ ترك الأدب
(2)
.
وقال بعضهم: الحقُّ سبحانه يقول: من ألزمتُه القيامَ مع أسمائي وصفاتي ألزمتُه الأدبَ، ومن كشفتُ له عن حقيقة ذاتي ألزمتُه العطبَ، فاختَرِ الأدبَ أو العطبَ
(3)
.
ويشهد لهذا: أنّه سبحانه لمّا كشفَ للجبل عن ذاته ساخَ الجبلُ وتدكْدَكَ، ولم يثبت على عظمة الذّات.
وقال أبو عثمان رحمه الله: إذا صحّت المحبّة تأكّدتْ على المحبِّ ملازمةُ الأدب
(4)
.
وقال النُّوريُّ رحمه الله: من لم يتأدّب للوقت فوقتُه مَقْتٌ
(5)
.
وقال ذو النُّون رحمه الله: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنّه يرجع من حيث جاء
(6)
.
(1)
المصدر نفسه (ص 597).
(2)
المصدر نفسه (ص 597)، و «تاريخ دمشق» (66/ 61).
(3)
المصدر نفسه (ص 598).
(4)
المصدر نفسه (ص 599).
(5)
المصدر نفسه (ص 599).
(6)
المصدر نفسه (ص 599).
وتأمّلْ أحوالَ الرُّسل مع الله، وخطابَهم وسؤالَهم، كيف تجدها كلّها مشحونةً بالأدب قائمةً به.
قال المسيح: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116]، ولم يقل:«لم أقله» . وفرقٌ بين الجوابين في حقيقة الأدب. ثمّ أحال الأمر على علمه بالحال وبسِرِّه فقال: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} . ثمّ برّأ نفسَه عن علمه بغيب ربِّه وما يختصُّ به، فقال:{وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} . ثمّ أثنى على ربِّه، ووصفَه بتفرُّده بعلم الغيوب كلِّها، فقال:{إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} . ثمّ نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره به ــ وهو محض التّوحيد ــ فقال: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} . ثمّ أخبر عن شهادته عليهم مدّةَ مُقامِه فيهم، وأنّه بعد وفاته لا اطِّلاعَ له عليهم، وأنّ الله عز وجل وحدَه المنفردُ بعد الوفاة بالاطِّلاع عليهم، فقال:{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} . ثمّ وصفه بأنّ شهادته سبحانه فوق كلِّ شهادةٍ وأعمُّ، وأنه على كلٍّ شهيدٌ، فقال:{وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} . ثمّ قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} ، وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام، أي: شأنُ السّيِّد رحمة عبيده والإحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدًا لغيرك، فإذا عذَّبتَهم ــ مع كونهم عبيدَك ــ فلولا أنّهم عبيدُ سوءٍ من أخسِّ
(1)
العبيد وأعتاهم على سيِّدهم وأعصاهم له= لم تُعذِّبهم، لأنّ مرتبة العبوديّة تستدعي إحسان السّيِّد إلى عبده ورحمته، فلماذا يُعذِّب أرحم الرّاحمين، وأجودُ الأجودين وأعظم المحسنين إحسانًا عبيدَه؟ لولا فرطُ عُتوِّهم وإبائهم عن طاعته، وكمالُ استحقاقهم للعذاب.
(1)
ل: «أنحس» .
وقد تقدّم قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} . أي: هم
(1)
عبادك، وأنت أعلم بسرِّهم وعلانيتهم، فإذا عذَّبتَهم عذّبتَهم على علمٍ منك بما تُعذِّبهم عليه، فهم عبادك وأنت أعلم بما جَنَوه واكتسبوه، فليس في هذا استعطافٌ لهم كما يظنُّه الجهّال، ولا تفويضٌ إلى محض المشيئة والملك المجرّد عن الحكمة كما تظنُّه القدريّة. وإنّما هو إقرارٌ واعترافٌ وثناءٌ عليه بحكمته وعدله، وكمالِ علمه بحالهم، واستحقاقهم للعذاب.
ثمّ قال: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، ولم يقل:«الغفور الرّحيم» . وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، فإنّه في وقت غضب الرّبِّ عليهم، والأمرِ بهم إلى النّار، فليس مقام استعطافٍ ولا شفاعةٍ، بل مقام براءةٍ منهم. فلو قال:«فإنّك أنت الغفور الرّحيم» لأشعرَ باستعطافه على أعدائه الذين قد اشتدّ غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقةٍ للرّبِّ
(2)
في غضبه على من غضِبَ الرّبُّ عليهم، فعدَلَ عن ذكر الصِّفتين اللّتين يسأل بهما عطْفَه ورحمتَه ومغفرتَه
(3)
إلى ذكرِ العزّة والحكمة المتضمِّنتين لكمال القدرة وكمال العلم.
والمعنى: إن غفرتَ لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم، ليست عن عجزٍ عن الانتقام منهم، ولا عن خفاءٍ عليك بمقدار جرائمهم
(4)
، وهذا لأنّ العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه، ولجهله بمقدار
(1)
«هم» ليست في ل.
(2)
ل: «الرب» ..
(3)
«ومغفرته» ليست في ش، د.
(4)
ش، د:«جزائهم» .
إساءته إليه. والكمال هو مغفرة القادر العالم، وهو العزيز الحكيم. فكان ذكر هاتين الصِّفتين في هذا المقام عينَ الأدب في الخطاب.
وفي بعض الآثار: «حملة العرش أربعةٌ: اثنان يقولان: سبحانك اللهمّ ربَّنا وبحمدك، لك الحمدُ على حِلمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، لك الحمد
(1)
على عفوِك بعد قدرتك»
(2)
. ولهذا يقترن كلٌّ من هاتين الصِّفتين بالأخرى، كقوله:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12]، وقوله:{فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا}
(3)
[النساء: 149].
وكذلك قول إبراهيم الخليل عليه السلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78 - 80]، ولم يقل:«وإذا أمرضني» حفظًا للأدب مع الله.
وكذلك قول الخضر عليه السلام في السّفينة: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79]، ولم يقل:«فأراد ربُّك أن أعيبها» . وقال في الغلامين: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82].
(1)
«على حلمك
…
لك الحمد» ساقطة من ل، د بسبب انتقال النظر.
(2)
هذا الأثر مروي عن بعض السلف لكن بلفظ: «حملة العرش ثمانية، أربعة يقولون
…
». رواه ابن أبي شيبة في كتاب «العرش» (24)، والطبراني في «الكبير» (19/ 7) عن شهر بن حوشب. ورواه أبو نعيم في «الحلية» (6/ 74) عن حسان بن عطية، وقال الذهبي: إسناده قوي، ووافقه الألباني في «مختصر العلو» (ص 101). ورواه أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (3/ 55) وأبو الشيخ في «العظمة» (3/ 954) عن هارون بن رئاب.
(3)
في النسخ: «وكان الله عفوًّا قديرًا» .
وكذلك قول مؤمني الجنِّ: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الجن: 10]، ولم يقولوا
(1)
: «أراده بهم» . ثمّ قالوا: {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} .
وألطف من هذا قول موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، ولم يقل:«أطعِمْني» .
وقول آدم: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، ولم يقل:«ربِّ قدَّرتَ عليّ وقَضيتَ عليّ» .
وقول أيُّوب عليه السلام: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، ولم يقل:«فعافِني واشْفِني» .
وقول يوسف عليه السلام لأبيه وإخوته: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100]، ولم يقل:«من الجبِّ» ، حفظًا للأدب مع إخوته، وتفتِّيًا عليهم أن لا يُخجِلَهم بما جرى في الجبِّ. وقال:{وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} ولم يقل: «رفع عنكم جهدَ الجوع والحاجة» أدبًا معهم. وأضاف ما جرى إلى السّبب، ولم يُضِفه إلى المباشر الذي هو أقربُ إليه منه، فقال:{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} ، فأعطى الفتوّة والكرم والأدب حقّه. ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلّا للرُّسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
ومن هذا أَمْر النّبيِّ صلى الله عليه وسلم الرّجلَ أن يستُرَ عورتَه، وإن كان خاليًا لا يراه
(1)
ل: «ولم يقل» .
أحدٌ
(1)
، أدبًا مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدّة الحياء منه، ومعرفة وقاره.
وقال بعضهم: التزمِ الأدبَ ظاهرًا وباطنًا، فما أساء أحدٌ الأدبَ في ظاهرٍ إلّا عُوقِب ظاهرًا، وما أساء أحدٌ الأدبَ باطنًا إلّا عُوقِب باطنًا
(2)
.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: من تهاونَ بالأدب عُوقب بحرمان السُّنن، ومن تهاونَ بالسُّنن عُوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاونَ بالفرائض عُوقب بحرمان المعرفة
(3)
.
وقيل: الأدب
(4)
في العمل علامة قبول العمل.
وحقيقة الآداب
(5)
استعمال الخلق الجميل، ولهذا كان الأدب استخراج ما في الطّبيعة من الكمال من القوّة إلى الفعل. فإنّ الله سبحانه هيّأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهليّة والاستعداد، التي فيه كامنةٌ
(1)
أخرجه أحمد (20034، 20040)، وأبو داود (4017)، والترمذي (2794)، وابن ماجه (1920) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:«احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» . قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «فالله أحقٌ أن يُستحيا منه» . وإسناده حسن.
(2)
نسبه السلمي في «ذكر النسوة المتعبدات» (ص 85) إلى عائشة بنت أبي عثمان الحيري، وكذا في «صفة الصفوة» (4/ 125).
(3)
رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (3017).
(4)
ل: «للأدب» .
(5)
د: «الأدب» .
كالنّار في الزِّناد، فألهمَه ومكَّنه، وعرَّفه وأرشدَه، وأرسلَ إليه رسلَه وأنزل كتبَه، لاستخراج تلك القوّة التي أهَّلَه بها لكماله إلى الفعل. قال تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10]. فعبّر عن خلق النّفس بالتّسوية الدالَّة على الاعتدال والتّمام، ثمّ أخبر عن قبولها للفجور والتّقوى، وأنّ ذلك بإلهامه امتحانًا واختبارًا. ثمّ خصّ بالفلاح من زكّاها، فنمَّاها وعَلَّاها، ورفعها بآدابه التي أدّب بها رسلَه وأنبياءه وأولياءه، وهي التّقوى. ثمّ حكم بالشّقاء على من دَسَّاها، فأخفاها وحقَّرها، وصغَّرها وقمَعَها بالفجور.
فصل
وجرت عادةُ القوم أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم حين أراه ما أراه: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17]. وأبو القاسم القشيريُّ رحمه الله صدَّر بابَ الأدب بهذه الآية
(1)
، وكذلك غيره.
وكأنّهم نظروا إلى قول من قال من أهل التّفسير
(2)
: إنّ هذا وصفٌ لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب. والإخلالُ به: أن يلتفت النّاظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلّع إلى ما أمامَ المنظور، فالالتفات زَيْغٌ، والتّطلُّع إلى ما
(3)
أمامَ المنظور طغيانٌ ومجاوزةٌ. فكمال الأدب إقبالُ النّاظر على المنظور، لا يَصرِف بصرَه عنه يَمْنةً ولا يَسْرةً، ولا يتجاوزه.
(1)
«الرسالة القشيرية» (ص 593).
(2)
انظر: «تفسير الطبري» (22/ 43، 44)، و «تفسير القرطبي» (17/ 97، 98).
(3)
«ما» ساقطة من ش، د.
هذا معنى ما حصَّلتُه عن شيخ الإسلام ابن تيميّة قدّس الله روحه.
وفي هذه الآية أسرارٌ عجيبةٌ، وهي من غوامض الآداب
(1)
اللّائقة بأكمل البشر صلوات الله وسلامه عليه: تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصرُه، فالبصيرة مُواطئةٌ له، وما شاهدتْه بصيرتُه فهو أيضًا حقٌّ مشهودٌ بالبصر، فتواطأ في حقِّه مشهدُ البصر والبصيرة.
ولهذا قال سبحانه: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 11 - 12]. أي: ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره. ولهذا قرأها أبو جعفرٍ: «ما كذَّب الفؤاد ما رأى» بتشديد الذّال
(2)
: لم يُكذِّب القلبُ البصرَ، بل صدَّقه وواطأَه، لصحّة الفؤاد والبصر، أو استقامةِ البصيرة والبصر، وكونِ المرئيِّ المشاهَدِ بالبصر والبصيرة حقًّا. وقرأ الجمهور:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} بالتّخفيف، وهو متعدٍّ، و «ما رأى» مفعوله، أي: ما كذب قلبُه ما رأتْه عيناه، بل واطأه ووافقَه، فلمواطأة قلبه لقالبه وظاهرِه لباطنه وبصرهِ لبصيرته: لم يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوزِ البصرُ حدَّه فيطغى، ولم يَمِلْ عن المرئيِّ
(3)
فيزيغ، بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئيِّ، ما جاوزَه ولا مالَ عنه، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله والإعراضِ عمّا سواه، فإنّه أقبلَ على الله بكلِّيّته وأعرضَ عما سواه بكلّيتِه. وللقلب زَيغٌ وطغيانٌ، كما للبصر زيغٌ وطغيان، وكلاهما منتفٍ عن قلبه وبصره. فلم يَزِغْ قلبه التفاتًا عن الله إلى غيره، ولم يَطْغَ بمجاوزته مقامَه الذي أقيم فيه.
(1)
ل: «الأدب» .
(2)
انظر: «تفسير الطبري» (22/ 26)، و «النشر» (2/ 283).
(3)
ل: «الراي» .
وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه، فإنّ عادة النُّفوس إذا أُقيمت في مقامٍ عالٍ رفيعٍ: أن تتطلّع إلى ما هو أعلى منه وفوقه. ألا ترى أنّ
(1)
موسى صلى الله عليه وسلم لمّا أُقيم في مقامِ التّكلُّم والمناجاة طلبتْ نفسُه الرُّؤية؟ ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم لمّا أقيم في ذلك المقام وفّاه حقَّه، ولم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أُقيم فيه البتّةَ.
ولأجل هذا ما عاقه عائقٌ، ولا وقفَ به مرادٌ، حتّى جاوز السّماوات السّبع حتّى عاتب موسى ربَّ العزّة، وقال: تقول بنو إسرائيل: إنِّي أكرمُ الخلق على الله،
…
(2)
فلم تَعُقْه إرادةٌ، ولم يقِفْ به دونَ كمال العبوديّة همّةٌ.
ولهذا كان مركوبه في مَسْراه يسبق خَطْوُه الطَّرْفَ، فيضع قدمَه عند منتهى طَرْفه، مشاكلًا لحالِ راكبه، وبُعْدِ شَأْوِه الذي سبقَ به العالمَ أجمعَ في سيره، فكان قَدمُ البُراقِ لا تتخلَّف عن موضع نظره، كما كان قَدمُه صلى الله عليه وسلم لا يتأخّر عن محلِّ معرفته.
فلم يزل صلى الله عليه وسلم في خَفَارةِ كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مرتبة عبوديّته
(1)
ش، د:«إلى» .
(2)
بعدها بياض في الأصول. وكأن المؤلف أراد أن يكمل الحديث بالرجوع إلى المصادر، فلم يتيسر له. وهو قطعة من حديث طويل يرويه أبو هارون العبدي ــ وهو متروك ــ عن أبي سعيد الخدري، أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (27)، والطبري في «التفسير» (14/ 436 - 441)، و «تهذيب الآثار» [مسند ابن عباس](725)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (2/ 390 - 393). وفيه:«يزعمُ الناس أنّي أكرم الخلق على الله، فهذا أكرمُ على الله منّي، ولو كان وحده لم أكن أبالي، ولكن كلُّ نبيّ ومَن تبعه من أمته» .