الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون سببه إلّا قربةً وطاعةً. فمستخرِجه الأمر، ومصروفه الأمر. والشّيطانيُّ بخلافه.
ومن الفرقان أيضًا: أنّ
(1)
الوارد الرّحمانيّ لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف
(2)
، بل يُصدِّق بعضه بعضًا، والشّيطانيّ بخلافه يُكذِّب بعضه بعضًا.
فصل
قال
(3)
: (الدّرجة الثّالثة:
الإحسان في الوقت
. وهو أن لا تُزايل المشاهدة أبدًا
(4)
، ولا تَخلِط بهمّتك أحدًا، وتجعل هجرتك إلى الحقِّ سَرْمدًا).
أي لا تفارق حال الشُّهود. وهذا إنّما يقدر عليه أهل التمكين الذين ظَفِروا بنفوسهم، وقطعوا المسافاتِ التي بين النّفس وبين القلب، والمسافاتِ التي بين القلب وبين الله، بمجاهدة القُطَّاع التي على تلك المسافات.
قوله: (وأن لا تَخلِط بهمّتك أحدًا).
يعني: أن تُعلِّق همّتك بالحقِّ وحده، ولا تُعلِّق بأحدٍ غيره، فإنّ ذلك شركٌ في طريق الصّادقين.
وقوله: «وأن تجعل هجرتك إلى الحقِّ سَرمدًا» .
(1)
«أن» ليست في ش، د.
(2)
ل: «يتخلف» .
(3)
«المنازل» (ص 61).
(4)
«أبدا» ليست في ش، د.
يعني: أنّ كلّ متوجِّهٍ إلى الله بالصِّدق والإخلاص فإنّه من المهاجرين إليه، فلا ينبغي أن يتخلَّف عن هذه الهجرة، بل يصحبها سرمدًا حتّى يلحَقَ بالله.
فما هي إلّا ساعةٌ ثمّ تنقضي
…
ويَحمَدُ غِبَّ السَّيرِ مَن هو سائرُ
(1)
ولله على كلِّ قلبٍ هجرتان
(2)
، وهما فرضٌ لازمٌ له على الأنفاس:
هجرةٌ إلى إلهه بالتّوحيد والإخلاص، والإنابة والحبِّ، والخوف والرّجاء، والعبوديّة.
وهجرةٌ إلى رسوله بالتّحكيم له، والتّسليم والتّفويض والانقياد لحكمه، وتلقِّي أحكام الظّاهر والباطن من مشكاته. فيكون تقيُّده
(3)
به أعظمَ من تقيُّدِ الرَّكْب بالدّليل الماهر في ظُلَم اللّيل ومتاهاتِ الطّريق.
فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فلْيَحْثُ على رأسه الرّماد، ولْيراجعِ الإيمانَ من أصله، فيرجع وراءه يقتبس نورًا، قبلَ أن يُحال بينه وبينه ويُقال له ذلك على الصِّراط من وراء السُّور. والله المستعان.
(1)
يبدو أن البيت للمؤلف، ويتصرف في الشطر الثاني حسب السياق والموضوع، فيأتي به على أوجه مختلفة، انظر:«بدائع الفوائد» (2/ 672)، و «الداء والدواء» (ص 454)، و «روضة المحبين» (ص 9)، و «زاد المعاد» (3/ 91)، و «مدارج السالكين» (3/ 8، 329).
(2)
كرَّر المؤلف هذا المعنى في مواضع من كتبه، انظر:«زاد المعاد» (3/ 13 - 14)، و «الرسالة التبوكية» (ص 16 - 27)، و «الكافية الشافية» (الأبيات 221 - 233)، و «طريق الهجرتين» (1/ 9).
(3)
ل: «تعبده» ، و «تعبُّد» فيما يأتي.