الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ف
الطّالب الجادُّ لا بدّ أن تَعرِض له فترةٌ
، فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقتَ الطّلب والاجتهاد.
ولمّا فَتر الوحيُ عن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى شَواهقِ الجبال ليُلقِي نفسَه، فيتبدَّى له جبريل فيقول له: إنّك رسول الله. فيسكُن لذلك جَأْشُه، وتطمئنُّ نفسه
(1)
.
فتخلُّلُ الفترات للسّالكين أمرٌ لازمٌ لا بدَّ منه. فمن كانت فترتُه إلى مقاربةٍ وتسديدٍ، ولم تُخرِجه من فرضٍ، ولم تُدخِله في محرّمٍ= رُجِيَ له أن يعود خيرًا ممّا كان.
قال عمر بن الخطّاب: إنّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلتْ فخذوها بالنّوافل، وإذا
(2)
أدبرتْ فأَلزِموها الفرائضَ
(3)
.
وفي هذه الفترات والغُيوم والحُجُب التي تَعرِض للسّالكين من الحِكم ما لا يعلم تفصيله إلّا الله، وبها يتبيّن الصّادق من الكاذب.
فالكاذب ينقلب على عقبيه، ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه.
(1)
رواه البخاري (6982) ضمن حديث عائشة رضي الله عنها، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، كما بينه الحافظ في «الفتح» (12/ 359).
(2)
ر: «وإن» .
(3)
لم أجده عن عمر، وروي نحوه عن ابن مسعود في «الزهد» لابن المبارك (1331)، و «حلية الأولياء» (1/ 134)، و «الجامع» للخطيب (1/ 331).
والصّادق ينتظر الفرج، ولا ييأس من رَوْح الله، فيُلْقي نفسَه في الباب
(1)
طَريحًا ذليلًا مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتّةَ، ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلُح له، لا بسببٍ من العبد وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب، لكن ليس هو منك، بل هو الذي منَّ عليك به، وجرَّدك منك. وأخلاك عنك.
فإذا رأيتَه قد أقامك في هذا المقام، فاعلم أنّه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعتَ القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنّه قلبٌ مُضَيَّعٌ، فسَلْ ربّه ومَن هو بين أصابعه أن يردَّه عليك، ويجمعَ شَمْلَك به. ولقد أحسن القائل
(2)
:
إذا ما وضعتَ القلبَ في غيرِ موضعٍ
…
بغير إناءٍ فهو قَلْبٌ مضيَّعُ
* * * *
(1)
ر: «بالباب» .
(2)
أنشده شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (9/ 316) وشرَحَه.
فصل
ومنها الوقت.
قال صاحب «المنازل»
(1)
: (باب الوقت. قال الله تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى} [طه: 40]. الوقت اسمٌ لظرف الكون، وهو اسمٌ في هذا الباب لثلاث معانٍ على ثلاث درجاتٍ. المعنى الأوّل: حينُ وجدٍ صادقٍ
(2)
، لإيناسِ ضياءِ فضلٍ جذَبَه صفاءُ رجاءٍ، أو لعصمةٍ
(3)
جذَبها صدقُ خوفٍ، أو لتلهُّبِ شوقٍ جذَبَه اشتعالُ محبّةٍ).
وجه استشهاده بالآية: أنّ الله سبحانه قدَّر مجيء موسى أحوجَ ما كان الوقت إليه، فإنّ العرب تقول: جاء فلانٌ على قَدَرٍ، إذا جاء وقتَ الحاجة إليه. قال جريرٌ
(4)
:
نال الخلافةَ أو كانت على قَدَرٍ
…
كما أتى ربَّه موسى على قَدَر
وقال مجاهدٌ: على موعدٍ
(5)
. وهذا فيه نظرٌ، لأنّه لم يَسبِق بين الله سبحانه وبين موسى موعدٌ للمجيء حتّى يقال: إنّه أتى على ذلك الموعد. ولكنّ وجهَ هذا أنّ المعنى: جئتَ على الموعد الذي وعدناه
(6)
أن نُنجِزه،
(1)
(ص 82).
(2)
«صادق» ليست في ش.
(3)
في «المنازل» : «لقصمة» . والمثبت كما في «شرح التلمساني» (ص 456).
(4)
«ديوانه» (ص 416).
(5)
رواه ابن أبي حاتم وغيره كما في «الدر المنثور» (10/ 207).
(6)
ت: «وعدناك» .
والقَدَر الذي قدّرنا أن يكون في وقته. وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} [الإسراء: 107 - 108]. لأنّ الله سبحانه وعد بإرسال نبيٍّ في آخر الزّمان يملأ الأرض نورًا وهدًى، فلمّا سمعوا القرآن علموا أنّ الله أنجزَ ذلك الوعد الذي وعد به.
واستشهاده بهذه الآية يدلُّ على محلِّه من العلم، لأنّ الشّيء إذا وقع في وقته الذي هو أليقُ الأوقات بوقوعه فيه كان أحسنَ وأنفعَ وأجدى
(1)
، كما إذا وقع الغيثُ في أحوجِ الأوقات إليه، وكما إذا وقع الفَرَجُ في وقته الذي يليق به.
ومن تأمّلَ أقدار الرّبِّ تعالى وجَرَيانَها في الخلق علِمَ أنّها واقعةٌ في أليق الأوقات بها. فبعث الله سبحانه موسى أحوجَ ما كان النّاس إلى بعثته، وبعث عيسى كذلك، وبعث محمّدًا صلى الله عليه وسلم أحوجَ ما كان أهل الأرض إلى إرساله، فهكذا وقت العبد مع الله يَعمُره بأنفع الأشياء له أحوجَ ما كان إلى عمارته.
قوله: (الوقت: ظرف الكون)، الوقت: عبارةٌ عن مقاربة
(2)
حادثٍ لحادثٍ
(3)
عند المتكلِّمين، فهو نسبةٌ بين حادثينِ
(4)
. فقوله: (ظرف الكون) أي وعاء التّكوين، فهو الوعاء الزّمانيُّ الذي يقع فيه التّكوين، كما أنّ ظرف المكان هو الوعاء المكانيُّ الذي يحصل فيه الجسم.
(1)
ت: «وأجدر» .
(2)
ر، ت:«مقارنة» .
(3)
ت: «جاذب لجاذب» .
(4)
ت: «جاذبين» .