الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه، وتشوَّشَ عليه غناه، وكان غناها تمامًا لغناه وكمالًا، وغناه أصلًا لغناها، فمنه يصل الغنى إليها، ومنها يصل الفقر والضّرر والعَنَتُ إليه.
إذا عُرِف هذا، فالشّيخ رحمه الله جعل غناها بثلاثة أشياء:
استقامتها على المرغوب، وهو الحقُّ تعالى. واستقامتها عليه: استدامة طلبه، وقطْع المنازل بالسّير إليه.
الثّاني: سلامتها من الحظوظ، وهي تعلُّقاتها الظّاهرة والباطنة بما سوى الله.
الثّالث: براءتها من المراياة، وهي إرادة غير الله بشيءٍ من أعمالها وأقوالها.
فمراياتها دليلٌ على شدّة فقرها. وتعلُّقها بالحظوظ من فقرها أيضًا. وعدم استقامتها على مطلوبها الحقّ أيضًا من فقرها، وذلك يدلُّ على أنّها غير واجدةٍ لله، إذ لو وجدتْه لاستقامتْ على السّير إليه، ولقطعتْ تعلُّقاتِها بحظوظِها، ولمَا أرادتْ بعملها غيرَه.
فلا تستقيم هذه الثّلاثة إلّا لمن قد ظفِرَ بنفسه، ووجد مطلوبه. وما لم يجد ربّه تعالى فلا استقامةَ له، ولا سلامةَ من الحظوظ، ولا براءةَ من الرِّياء.
فصل
قال
(1)
: (الدّرجة الثّالثة:
الغنى بالحقِّ
. وهو على ثلاث مراتب، المرتبة
(1)
«المنازل» (ص 57).
الأولى: شهود ذكْرِه إيّاك. والثّانية: دوام
(1)
مطالعة أوّليّته. والثّالثة: الفوز بوجوده).
أمّا شهود ذكره إيّاك، فقد تقدّم قريبًا.
وأمّا مطالعة أوّليّته، فهو سبقُه للأشياء جميعًا. فهو الأوّل الذي ليس قبله شيءٌ.
قال بعضهم. ما رأيتُ شيئًا إلّا وقد رأيتُ الله قبله
(2)
.
فإن قلت: وأيُّ غنًى يحصل للقلب من مطالعة أزلية
(3)
الرّبِّ، وسَبْقِه لكلِّ شيءٍ؟ ومعلومٌ أنّ هذا حاصلٌ لكلِّ أحدٍ من غنيٍّ وفقيرٍ، فما وجه الغنى الحاصل
(4)
به؟
قلت: إذا شهد القلب سبْقَه للأسباب، وأنّها كانت في حيِّز العدم، وهو الذي كساها حُلّةَ الوجود، فهي معدومةٌ بالذّات، فقيرةٌ إليه بالذّات، وهو الموجود بذاته، والغنيُّ بذاته لا بغيره= فليس الغنى في الحقيقة إلّا به، كما أنّه ليس في الحقيقة إلّا له، فالغِنى بغيره عينُ الفقر، فإنّه غنًى بمعدومٍ فقيرٍ، والفقير كيف يستغني بفقيرٍ مثله؟
وأمّا الفوز بوجوده، فإشارة القوم كلِّهم إلى هذا المعنى، وهو نهاية سفرهم. وفي الأثر الإلهيِّ: «ابنَ آدم، اطلُبْني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلَّ
(1)
«دوام» ليست في ش، د.
(2)
ذكره الغزالي في «مشكاة الأنوار» (ص 63) عن بعضهم.
(3)
كذا في جميع النسخ. وغيّر في المطبوع إلى «أولية» .
(4)
«الحاصل» ليست في ش، د.
شيءٍ، وإن فُتُّك فاتَك كلُّ شيءٍ. وأنا أحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ»
(1)
.
ومن لم يفهم معنى وجوده لله والفوز به فلْيَحْثُ على رأسه الرّمادَ، ولْيبكِ على نفسه.
* * * *
(1)
تقدم تخريجه.