الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِنْ قَطَعَ سِلْعَةً مِنْ أَجْنَبِىٍّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَمَاتَ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَطَعَهَا حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرِ أَوْ وَلِيُّهُ، فَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ. الثَّانِى، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثَقَّلٍ كَبِيرٍ فَوْق عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ
ــ
الحالِ، وموتِه مُتَراخِيًا، [كسائرِ ما](1) لا يَجِبُ به القِصاصُ.
4046 - مسألة: (وإن قَطَع سِلْعَةً
(2) مِن أجْنَبِىٍّ بغيرِ إذْنِه، فمات، فعليه القَوَدُ) لأنَّه جَرَحَه بغيرِ إذْنِهِ جُرْحًا لا يَجُوزُ له، فَكَانَ عليه القَودُ إذا تَعَمدَه، كغيرِه (وإن قَطَعَها حاكمٌ مِن صغيرٍ، أو وَلِيُّه، فمات، فلا قَوَدَ) لأَنَّ له فِعْلَ ذلك، وقد فَعَلَه لمَصْلَحَتِه (3)، فأشْبَهَ ما لو خَتَنَه.
(الثانى، أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ فوقَ عَمُودِ الفُسْطاطِ، أو بما يَغْلِبُ على الظَّنِّ
(1) في الأصل، تش:«كسائرها» .
(2)
السِّلْعة: ورم غليظ غير ملتزق باللحم يتحرك عند تحريكه، وله غلاف، ويقبل الزيادة لأنه خارج عن اللحم.
(3)
في الأصل، تش:«المصلحة» .
أنَّهُ يَمُوت بِهِ، كَاللُّتِّ، وَالْكُوذَيْنِ، وَالسَّنْدَانِ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ، أَوْ يُلْقِىَ عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيَه مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ يُعِيدَ الضَّرْبَ بِصَغِيرِ، أَوْ يَضْرِبَهُ بِهِ فِى مَقْتَلٍ، أَوْ فِى حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
ــ
مَوْتُه به، كاللُّتِّ (1)، والكُوذَيْنِ (2)، والسَّنْدانِ (3)، أو حَجَرٍ كبيرٍ، أو يُلْقِىَ عليه حائِطًا أو سقفًا، أو يُلْقِيَهُ مِن شاهِقٍ، أو يُكَرِّرَ الضَّرْبَ بصغيرٍ، أو يَضْرِبَه به في مَقْتَلٍ، أو في حالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِن مَرَضٍ، أو صِغَرٍ، أو كِبَرٍ، أو حَرٍّ، أو بَرْدٍ، أو نحوِه) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا قَتَلَه بغيرِ مُحَدَّدٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ حُصُولُ الزُّهُوقِ به عندَ اسْتِعْمالِه، فهو عمدٌ مُوجِبٌ للقِصاصِ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، وحَمّاد، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ (4). وقال
(1) اللت.: نوع من آلة السلاح، وهو لفظ مولد ليس من كلام العرب. انظر المبدع 8/ 243.
(2)
الكوذين: لفظ مولد، وهو عبارة عن الخشبة الثقيلة التى يدق بها الدقاق الثياب.
(3)
السندان: ما يطرق الحداد عليه الحديد.
(4)
في م: «أبو محمد» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحسنُ: لا قَوَدَ في ذلك. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ. وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ: العَمْدُ ما كان بالسِّلاحِ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَوَدَ إلَّا أن يكونَ قَتَلَه بالنّارِ. وعنه في مُثَقَّلِ الحَدِيدِ روايتان. واحْتَجَّ بقولِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم: «ألَا إنَّ فِى قَتِيلِ عَمْدِ الخَطَأَ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ، مائَةً مِنَ الإِبلِ» (1). فسَمّاه عمدَ الخَطَأَ، وأوْجَبَ فيه الدِّيَةَ دُونَ القِصاصِ، ولأَنَّ العَمْدَ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُه بنَفْسِهِ، فيَجِبُ ضَبْطُه بمَظِنَّتِه، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه بما يَقْتُلُ غالِبًا؛ لحُصُولِ العَمْدِ بدُونِه في الجُرْحِ الصغيرِ، فوَجَبَ ضَبْطُه بالجُرْحِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} (2). وهذا مَقْتُولٌ ظُلْمًا. وقولُه سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (3). وروَى أنَسٌ أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً على أوْضَاحٍ (4) لها بحَجَرٍ، فقتلَه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينَ حَجَرَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (5). وروَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قامَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1) هذا اللفظ تقدم تخريحه في صفحة 9. وانظر 11/ 209.
(2)
سورة الإسراء 33.
(3)
سورة البقرة 178.
(4)
الأوضاح: حلى الفضة. انظر غريب الحديث 3/ 188.
(5)
تقدم تخريجه في 10/ 446.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا (1) يُودَى، وإمَّا (2) يُقَادُ» . مُتَّفَقٌ عليه (3). ولأنَّه يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المحَدَّدَ. وأمّا الحَدِيثُ، فمَحْمُولٌ على المُثَقَّلِ الصَّغِير؛ لأنَّه ذَكَر العَصَا والسَّوْطَ، وقَرَنَ به الحَجَرَ، فدَلَّ على أنَّه أراد ما يُشْبِهُهما. وقولُهم: لا يُمْكِنُ ضَبْطُه. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّا نُوجبُ القِصاصَ بما نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الغَلَبَةِ به، وإذا شَكَكْنا لم نُوجِبْه مع الشَّكِّ، والجُرْحُ الصَّغِيرُ قد سَبَق القولُ فيه، ولأنَّه لا يَصِحُّ ضَبْطُه بالجُرْحِ (4)، بدليلِ ما لو قَتَلَه بالنَّارِ. والمُرادُ بعَمُودِ الفُسْطاطِ الذى ذَكَرَه ههُنا العُمُدُ التى تَتَّخِذُها العَرَبُ لبُيُوتِها، وفيها دِقَّةٌ. وإنَّما حَدَّ المُوجِبَ للقِصاصِ بفوقِ عَمُودِ الفُسْطاطِ؛ لأَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا سُئِل
(1) بعده في تش، ق، م:«أن» .
(2)
بعده في م: «أن» .
(3)
أحرجه البخارى، في: باب كتابة العلم، من كتاب العلم، وفى: باب كيف تعرف لقطة مكة، من كتاب اللقطة، وفى: باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، من كتاب الديات. صحيح البخارى 1/ 39، 3/ 165، 9/ 6. ومسلم، في: باب تحريم مكة. . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 988، 989.
كما أخرجه أبو داود، في: باب ولى العمد يرضى بالدية، من كتاب الديات. سنن أبى داود 2/ 481. والترمذى، في: باب ما جاء في حكم ولى القتيل في القصاص والعفو، من أبواب الديات. عارضة الأحوذى 6/ 177. والنسائى، في: باب هل تؤخذ من قاتل العمد الدية، من كتاب القسامة. المجتبى 8/ 34.
(4)
في الأصل، تش:«بالحجر» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن المرأةِ التى ضَرَبَتْ ضَرَّتَها (1) بعَمُودِ فُسْطاطٍ فقَتَلَتْها وجَنِينَها، قَضَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الجَنِينِ بغُرَّةٍ، وقَضَى بالدِّيَةِ على عاقِلَتِها (2). والعاقِلَةُ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، فدَل على أنَّ القَتْلَ بعَمُودِ الفُسْطاطِ ليس بعَمْدٍ. وإن كان أعْظَمَ منه، كعُمُدِ الخِيامِ، فهو كبيرٌ يَقْتُلُ غالِبًا، فيَجبُ فيه القِصَاصُ. ومِن هذا النَّوْعِ أن يُلْقِىَ عليه جِدَارًا، أو صَخْرَةً، أو خشبةً عظيمةً، أو يُلْقِيَه مِن شاهِقٍ فيُهْلِكَه، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه (3) يَقْتُلُ غالِبًا. ومِن ذلك أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ صغيرٍ، أو حَجَرٍ صغيرٍ، أو يَلْكُزَه بيدِه في مَقْتَلٍ، أو في حالِ ضَعْفِ المَضْرُوبِ؛ لمرضٍ أو صِغَرٍ، أو في حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو بَرْدٍ شديدٍ، بحَيْثُ يَقْتُلُه بتلك الضَرْبَةِ، أو كَرَّرَ الضَّرْبَ حتى قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالبًا، فقَتَلَه، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المُثَقَّلَ
(1) في الأصل، تش، ق:«جارتها» ، وفى م:«جاريتها» .
(2)
أخرجه البخارى، في: باب جنين المرأة، من كتاب الديات. صحيح البخارى 9/ 14. ومسلم، في: باب دية الجنين. . .، من كتاب القسامة. صحيح مسلم 3/ 1310، 1311. وأبو داود، في: باب دية الجنين، من كتاب الديات. سنن أبى داود 2/ 498. والترمذى، في: باب ما جاء في دية الجنين، من أبواب الديات. عارضة الأحوذى 6/ 180. والنسائى، في: باب صفة شبه العمد، من كتاب القسامة. المجتبى 8/ 44. وابن ماجه، في: باب دية الجنين، من كتاب الديات. سنن ابن ماجه 2/ 882. والدارمى، في: باب في دية الجنين، من كتاب الديات. سنن الدارمى 2/ 196. والإمام مالك، في: باب عقل الجنين، من كتاب العقول. الموطأ 2/ 855. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 245، 246، 249.
(3)
في الأصل: «لا» .
الثَّالِثُ، أَلْقَاهُ فِى زُبْيَةِ أَسَدٍ، أَوْ أَنْهَشَهُ كَلْبًا أَوْ سَبُعًا أَوْ حَيَّةً، أَوْ أَلْسَعَهُ عَقْرَبًا مِنَ الْقَوَاتِلِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُ،
ــ
الكبيرَ. وإن لم يكنْ كذلك ففِيه الدوريةُ؛ لأنَّه عَمْدُ الخَطَأ، إلَّا أن يَصْغُرَ جِدًّا، كالضَّرْبَةِ بالقَلَمِ والإِصْبَعِ في غَيْرِ مَقْتَلٍ، ونحوِ هذا ممَّا لا يُتَوَهَّمُ القَتْلُ به، فلا قَوَدَ فيه ولا دِيَةَ؛ لأنَّه لم يَمُتْ به. وكذلك إن مَسَّه بالكبيرِ ولم يَضْرِبْه به؛ لأَنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ بالقَتْلِ، وليس هذا قَتْلًا (1).
النوعُ (الثالثُ، ألْقاه في زُبْيَةِ (2) أسَدٍ، أو أنْهَشَه كَلْبًا أو سَبُعًا أو حَيَّةً، أو ألْسَعَه عَقْرَبًا مِن القَواتِلِ، ونحوَ ذلك، فقتَلَه) فيَجِبُ به
القِصاصُ. إذا جَمَعَ بينَه وبينَ أسَدٍ أو نمِرٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ، كزُبْيَةٍ أو نحوِها، فقتلَه، فهو عمدٌ فيه القِصاصُ، إذا فَعَل به السَّبُعُ فِعْلًا يقتُلُ مثلُه، وإن فَعَلَ به فِعْلًا لو فَعَلَه الآدَمِىُّ لم يكُنْ عمدًا، لم يَجِبِ القِصاصُ به؛ لأَنَّ السَّبُعَ صار آلةً للآدَمِىِّ، فكان فِعْلُه كفِعْلِه. فإن أَلْقَاه مَكْتُوفًا بينَ يَدَىِ الأسَدِ، أو النَّمِرِ في فَضاءٍ فقَتَلَه، فعليه القَوَدُ. وكذلك إن جَمَع بينَه وبينَ حَيَّةٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ فنَهَشَتْه فقَتَلَتْه، فعليه القَوَدُ. وقال القاضى:
(1) في الأصل، تش:«قتيلا» .
(2)
الزبية: حفرة في موضع عال تغطى فوهتها، فإذا وطئها الأسد وقع فيها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا ضَمانَ عليه في الصُّورَتَيْن. وهو قولُ أصْحابِ (1) الشافعىِّ؛ لأَنَّ الأسَدَ والحَيَّةَ يَهْرُبان مِن الآدَمِىِّ، ولأَنَّ هذا سَبَبٌ غيرُ مُلْجئ. ولَنا، أنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا، فكان عمدًا مَحْضًا، كسائرِ الصُّوَرِ. وقولُهم: إنَّهما يَهْرُبان. لا يَصِحُّ، فإنَّ الأسَدَ يَأْخُذُ الآدَمِىَّ المُطْلَقَ، فكيف يَهْرُبُ مِن مَكْتُوفٍ أُلْقِىَ له ليَأْكُلَه! والحَيَّةُ إنَّما تَهْرُبُ في مكانٍ واسِعٍ، أمَّا إذا ضاق المكانُ، فالغالِبُ أنَّها تَدْفَعُ عن نَفْسِها بالنَّهْشِ، على ما هو العادةُ. وقد ذَكَر القاضى في مَن أُلْقِىَ مكتوفًا في أرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أو ذَاتِ حَيَّاتٍ، فقتَلَتْه؛ أنَّ في وُجُوبِ القِصاصِ رِوايَتَيْن، وهذا تَناقُضٌ شَدِيدٌ، فإنَّه نَفَى الضَّمانَ بالكُلِّيَّةِ في صُورَةٍ كان القتلُ فيها أغْلَبَ، وأوْجَبَ القِصاصَ في صُورَةٍ كان فيها أنْدَرَ. والصَّحيحُ أنَّه لا قِصاصَ ههُنا، ويَجبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه فَعَل به فِعْلًا مُتَعَمَّدًا تَلِف به، لا (2) يَقْتُلُ مِثْلُه غالبًا. وإن
(1) في تش: «بعض أصحاب» .
(2)
في م: «لأنه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنْهَشَه حَيَّةً أو سَبُعًا فقَتَلَه، فعليه القَوَدُ، إذا كان ذلك ممَّا يَقْتُلُ غالِبًا. فإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالبًا؛ كثُعبانِ الحِجازِ، أو سَبُعٍ صَغيرٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، فيه القَوَدُ؛ لأَنَّ الجُرْحَ لا يُعْتَبَرُ فيه غلبةُ (1) حُصُولِ القَتْلِ به، وهذا جُرْحٌ، ولأَنَّ الحَيَّةَ مِن جِنْسِ ما يَقْتُلُ غالِبًا (2). والثانى، هو شِبْهُ عمدٍ؛ لأنَّه لا يَقْتُلُ غالبًا، أشْبَهَ الضَّرْبَ بالسَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ الصَّغِيرِ. وإن ألْسَعَه عَقْرَبًا مِن القَواتِل، فقَتَلَتْه، فهو كما لو أنْهَشَه حَيَّةً، يُوجِبُ القِصاصَ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالبًا. فإن كَتَّفَه وألقاه في أرْضٍ غيرِ مَسْبَعَةٍ، فأكَلَه سَبُعٌ، أو نَهَشَتْه حَيَّةٌ، فمات، فهو شِبْهُ عمدٍ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: هو خَطَأٌ مَحْضٌ. ولَنا، أنَّه فَعَل به فِعْلًا لا (3) يَقْتُلُ
(1) سقط من: الأصل.
(2)
بعده في تش: «به» .
(3)
سقط من: الأصل، تش.
الرَّابع، أَلْقَاهُ فِى مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَمَاتَ بِهِ.
ــ
مثلُه غالبًا، فأفْضَى إلى إهْلاكِه، أشْبَهَ ما لو ضَرَبَه بعَصًا فمات. وكذلك إن ألقاه مَشْدُودًا في مَوْضِع لم يُعْهَدْ وُصُولُ زِيادَةِ الماءِ إليه. فإن كان في مَوْضِعٍ يُعْلَمُ وُصُولُ زِيادَةِ الماءِ إليه في ذلك الوقتِ، فمات به، فهو عَمدٌ مَحْضٌ. وإن كانْتِ الزِّيادَةُ غيرَ مَعْلُومَةٍ؛ إمّا لكَوْنِها تَحْتَمِلُ الوُجُودَ وعَدَمَه، أو لا تُعْهَدُ أصْلًا، فهو شِبْهُ عمدٍ.
النوعُ (الرابعُ، ألقاه في ماء يُغْرِقُه، أو نارٍ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منْها) إمّا لكثرةِ الماءِ والنَّارِ، وإمَّا لعَجْزِه عن التَّخَلُّصِ؛ لمرضٍ، أو ضَعْفٍ، أو صِغَرٍ، [أو كونِه مَرْبُوطًا، أو مَنَعَه الخُرُوجَ](1)، أو كونِه في حُفْرَة لا يَقْدِرُ على الصُّعُودِ منها، ونحو هذا، أو ألْقاه في بئرٍ ذاتِ نَفَسٍ (2)، فمات به (3)، عالِمًا بذلك، فهو كلُّه عمدٌ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالِبًا. وإن ألقاه في ماءٍ
(1) سقط من: م.
(2)
ذات نفس: أى رائحة متغيرة.
(3)
سقط من: ق، م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يسيرٍ، فقَدَرَ على الخُرُوجِ منه، فلَبِثَ فيه اخْتِيارًا حتى مات، فلا شئَ فيه؛ لأَنَّ هذا الفِعْلَ لم يَقْتُلْه، وإنَّما حَصَلَ مَوْتُه بلُبْثِه فيه، وهو فِعْلُ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه غيرُه. فإن تَرَكَه في نارٍ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منها لقِلَّتِها، أو كونِه في طَرَفٍ منها يُمْكِنُه الخُرُوجُ بأدْنَى حَرَكَةٍ، فلم يَخرُجْ حتى مات، فلا قَوَدَ؛ لأَنَّ هذا لا يَقْتُلُ غالِبًا. وهل يَضْمَنُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه مُهْلِكٌ لنَفْسِه بإقامَتِه، فلم يَضْمَنْه، كما لو ألقَاه في ماءٍ يسيرٍ، لكنْ يَضْمَنُ ما أصابَتِ النّارُ منه.
والثانى، يَضْمَنُه؛ لأنَّه جانٍ بالإِلقاءِ المُفْضِى إلى الهَلاكِ، وتَرْكُ التَّخَلُّصِ لا يُسْقِطُ الضَّمانَ، كما لو فصَدَه فتَرَكَ شَدَّ فِصادِه مع إمْكانِه، أو جَرَحَه فتَرَكَ مُداوَاةَ جُرْحِه. وفارَقَ الماءَ اليَسِيرَ، لأنَّه لا يُهْلِكُ بنَفْسِه، ولهذا يَدْخُلُه الناسُ للغُسْلِ والسِّباحَةِ. وأمّا النارُ فيَسِيرُها يُهْلِكُ. وإنَّما تُعْلَمُ قُدْرَتُه على التَّخَلُّصِ بقولِه: أنا قادِر على التَّخَلُّصِ. ونحو (1) هذا؛
(1) في ق، م:«أو» .
الْخَامِسُ، خَنَقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ سَدَّ فَمَهُ وَأَنْفَهُ، أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
ــ
لأَنَّ النّارَ لها حَرارَة شديدةٌ، فرُبَّما أزْعَجَتْه حَرارَتُها عن مَعْرِفَةِ ما يتَخَلَّصُ به، أو (1) أذْهَبَتْ عَقْلَه بألَمِها ورَوْعَتِها.
(الخامسُ، خَنَقَه بحَبْلٍ أوِ غيرِه، أو سَدَّ فَمَه وأنْفَه، أو عَصَر خُصْيَتَيْه حتى مات) إذا مَنَع خُرُوجَ نفَسِه، بأن يَخْنُقَه بحبلٍ أو غيرِه، وهو نوعان؛ أحَدُهما، أن يَخْنُقَه بأن يَجْعَلَ في عُنُقِه خِرَاطَةً (2)، ثم يُعَلِّقَه في خشبةٍ أو شئٍ، بحيث يَرْتَفِعُ عن الأرْضِ، فيَخْتَنِقُ ويموتُ، فهذا عمدٌ، سواءٌ مات في الحالِ أو بَقِىَ زَمَنًا؛ لأَنَّ هذا أوْحَى (3) أنْواعِ الخَنْقِ، وهو الذى جَرَتِ العادةُ بفِعْلِه في اللُّصُوصِ وأشْباهِهم مِن المُفْسِدِين. الثانى،
(1) في الأصل، تش، ق:«و» .
(2)
الخراطة: ما يعرف اليوم بالمشنقة.
(3)
في الأصل: «أرجى» . وأوحى: أسرع.
السَّادِسُ، حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ جُوْعًا أَوْ عَطَشًا فِى مُدَّةٍ يَمُوتُ فِى مِثْلِهَا غَالِبًا.
ــ
أن يَخْنُقَه وهو على الأرْضِ بيَدَيْه، أو حبلٍ، أو يَغُمَّه بوِسادَةٍ، أو شئٍ يَضَعُه على فِيهِ و (1) أنْفِه، أو يَضَعَ يَدَيْه عليهما فيموتَ، فهذا إن فَعَل به ذلك (2) في مُدَّةٍ يموتُ في مِثْلِها غالِبًا فمات، فهو عَمدٌ فبه القِصاصُ. وبه قال عُمَرُ بنُ عبد العزيزِ، والنَّخَعِىُّ، الشافعىُّ. وإن كان في مُدَّةٍ لا يموتُ في مِثْلِها غالِبًا، فهو عمدُ الخَطَأَ. ويَلْتَحِقُ بذلك ما لو عَصَر خُصْيَتَيه (3) عَصْرًا شديدًا، فقَتَلَه بعَصْرٍ يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا. وإن لم يكنْ كذلك فهو شِبْهُ عمدٍ، إلَّا أن يكونَ ذلك يَسِيرًا في الغايةِ، بحيث لا يُتَوَهَّمُ الموتُ منه، فلا يُوجِبُ ضَمانًا؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ لَمْسِه. ومتى خَنَقَه وتَرَكَه مُتَألِّمًا حتى مات، ففيه القَوَدُ، لأنَّه مات مِن سرايَةِ جِنايَتِه، فهو كسِرايَةِ الجُرْحِ، وإن تَنَفَّسَ وصَحَّ ثم مات، فلا قَوَدَ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ الجُرْحُ ثم مات.
(السادسُ، حَبَسَه ومَنَعَه الطَّعامَ أو الشَّرابَ حتى مات جُوعًا أو عَطَشًا في مُدَّةٍ يموتُ في مثلِها غالِبًا) فعليه القَوَدُ، لأَنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا. وهذا
(1) في الأصل، تش:«أو» .
(2)
في الأصل: «كذلك» .
(3)
في تش، م:«خصيته» .
السَّابع، سَقَاهُ سُمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ، أَوْ خَلَطَ سُمًّا بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، فَمَاتَ،
ــ
يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ النّاسِ والزَّمانِ والأحْوالِ، فإذا عَطَّشَه في شِدَّةِ (1) الحَرِّ، مات في الزَّمَنِ القليلِ، وإن كان رَيَّانَ، والزمنُ بارِدٌ أو مُعْتَدِلٌ، لم يَمُتْ إلَّا في زَمَنٍ طويلٍ، فيُعْتَبَرُ هذا فيه. وإن كان في مُدَّةٍ يموتُ [في مثلِها](2) غالِبًا، ففيه القَوَدُ. وإن كان في مدَّةٍ لا يموتُ في مثلِها غالِبًا (3)، فهو عمدُ الخَطَأ. وإن شَكَكْنا فيها، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لأنَّنا شَكَكْنا في السَّبَبِ، ولا يَثْبُتُ الحُكْمُ مع الشَّكِّ في سَبَبِه، سِيّما القِصاصُ الذى يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ.
(السابعُ، سَقاه سُمًّا لا يَعْلَمُ به، أو خَلَطَه بطَعامٍ، فأطْعَمَه، أو خَلَطَه بطعامِه، فأكَلَه وهو لا يَعْلَمُ به، فمات) فعليه القَوَدُ إذا كان مثلُه يَقْتُلُ غالِبًا. وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه أكَلَه مُخْتارًا،
(1) في تش: «مدة» .
(2)
في الأصل، تش:«فيها» .
(3)
سقط من: الأصل، تش.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأشْبَهَ ما لو قَدَّمَ إليه سِكِّينًا فطَعَنَ بها نَفْسَه، ولأَنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ روَى أنَّ يَهُودِيةً أتَتِ النبىَّ صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مَسْمُومَةٍ، فأكَلَ منها النبىُّ صلى الله عليه وسلم، وبِشْرُ ابنُ البَراءِ، فلم يَقْتُلْها النبىُّ صلى الله عليه وسلم (1). قال: وهل تَجِبُ الدِّيَةُ؟ فيه قَوْلان. قُلْنا: حديثُ اليهُودِيةِ حُجَّة لَنا؛ فإنَّ أبا سَلَمَةَ قال فيه: فمات بِشْرٌ، فأمَرَ بها النبىُّ صلى الله عليه وسلم فقُتِلَتْ. أخْرَجَه أبو داودَ (2). ولأَنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا، ويُتَّخَذُ طَرِيقًا إلى القَتْلِ كثيرًا، فأوْجَبَ القِصاصَ، كما لو أكْرَهَه على شُرْبِه. فأمَّا حديثُ أنَسٍ، فلم يَذْكُرْ فيه أنَّ أحدًا مات منه، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا أن يُقْتَلَ به، ويجوزُ أن يكونَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم لم يَقْتُلْها قبلَ أن يموتَ بِشْرٌ، فلَمّا مات، أرْسَلَ إليها النبىُّ صلى الله عليه وسلم، فاعْتَرَفَتْ، فقَتَلَها، فنقَل أَنَسٌ صَدْرَ القِصَّةِ دُونَ آخِرِها. ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه، جمعًا بينَ الخَبَرَيْن، ويجوزُ أن يَتْرُكَ قَتْلَها؛ لكونِها ما قَصَدَتْ قَتْلَ بِشْرٍ، إنَّما قَصَدَتْ قَتْلَ النبىِّ صلى الله عليه وسلم، فاخْتَلَّ العَمدُ بالنِّسْبَةِ إلى بِشْر. وفارَقَ تَقْدِيمَ السِّكِّينِ؛ فإنَّها لا تُقَدَّمُ إلى الإنسانِ ليَقْتُلَ بها نَفْسَه، إنَّما تُقَدَّمُ إليه ليَنْتَفِعَ بها، وهو عالِمٌ بمَضَرَّتِها ونَفْعِها (3)، فأشْبَهَ ما لو قُدِّمَ إليه السُّمُّ
(1) أخرجه البخارى، في: باب قبول الهدية من المشركين، من كتاب الهبة. صحيح البخارى 3/ 214. ومسلم، في: باب السُّم، من كتاب السلام. صحيح مسلم 4/ 1721. وأبو داود، في: باب في من سقى رجلا سما أو أطعمه فمات أيقاد منه، من كتاب الديات. سنن أبى داود 2/ 481. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 218.
(2)
في: باب في من سقى رجلا سما أو أطعمه فمات أيقاد منه، من كتاب الديات. سنن أبى داود 2/ 482، 483.
(3)
زيادة من: ق، م.