الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
ــ
إن عادُوا فعُدْ. رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (1). [ورُوِىَ عن الزُّبَيْرِ، أنَّه كان يومًا قد تخَلَّفَ عن الجَيْشِ، ومعه جارِيَةٌ له، فأتاه رَجُلان فقالا: أعْطِنا شيئًا](2). فأعْطاهما طعامًا كان معه، فقالا: خَلِّ عن الجاريةِ. فضَرَبَهما بسَيْفِه، فقَطَعَهما بضَرْبَةٍ واحدةٍ (3). ولأَنَّ الخَصْمَ اعْتَرَفَ بما يُبِيحُ قَتْلَه، فسَقَطَ حَقُّه، كما لو أقَرَّ بقَتْلِه قِصاصًا، أو في حَدٍّ يُوجِبُ قَتْلَه. وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، فكذلك.
4087 - مسألة: (وإن تَجارَحَ اثْنان، وادَّعَى كلُّ وَاحِدٍ)
منهما (أنَّه جَرَح) صاحِبَه (دَفْعًا عن نفسِه) وأنْكَرَ الآخَرُ (وَجَب القِصاصُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ) لأَنَّ سَبَبَ القِصاصِ قد وُجِد وهو الجُرْحُ، والأَصْلُ
(1) وانظر ما أخرجه ابن أبى شيبة، في: المصنف 9/ 404، 405.
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
أخرجه الزبير بن بكار، في الأخبار الموفّقيات 382.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَدَمُ ما يدَّعِيه الآخَرُ. وقال شيخُنا (1): يجبُ الضَّمانُ لذلك، والقولُ قولُ كلِّ واحدٍ منهما مع يَمِينِه في نَفْىِ القِصاصِ؛ لأنَّه ما يَدَّعِيه مُحْتَمِلٌ، فيَنْدَرِئُ به القِصاصُ، لأنَّه يَنْدَرِئُ (2) بالشُّبُهاتِ. هذا الذى ذَكَره في كتَابِ «الكافِى» . والأَوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّه لو كان دَعْوَى ما يَمْنَعُ القِصاصَ، إذا احْتَمَلَ مانِعٌ منه، لَما وَجَب القِصاصُ في المسائلِ المُتَقَدِّمَةِ، والحُكْمُ بخِلافِه. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ القَوَدَ لا يجبُ إلَّا بالعَمْدِ، ولا نَعْلَمُ في وُجُوبِه بقَتْلِ العَمْدِ إذا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُه وانْتَفَتِ المَوانِعُ خِلافًا، وقد دَلَّت عليه الآياتُ والأخْبارُ بعُمُومِها، فقال تعالى:{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} (3). وقال تعالى:
(1) في: الكافى 4/ 70.
(2)
في الأصل: «يدرأ» .
(3)
سورة الإسراء 33.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (1). وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (2). يُرِيدُ -واللَّه أعلمُ- أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ يَمْنَعُ الإِقْدامَ على القَتْلِ، خَوْفًا على نَفْسِه مِن القَتْل، فتَبْقَى الحياةُ في مَن أُرِيدَ قَتْلُه. وقال تعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} (3). وقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وإمَّا أَنْ يُفْدَى» . مُتَّفَقٌ عليه (4). وروَى أبو شُرَيْحٍ الخُزاعِىُّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أُصِيبَ بدَمٍ، فَهُوَ بِالخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ؛ فإنْ أرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ أنَ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ» . رَواه أبو داودَ (5).
(1) سورة البقرة 178.
(2)
سورة البقرة 179.
(3)
سورة المائدة 45.
(4)
تقدم تخريجه في صفحة 17.
(5)
في: باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، من كتاب الديات. سنن أبى داود 2/ 478.
كما أخرجه ابن ماجه، في: باب من قتل له قتيل فهر بالخيار بين إحدى ثلاث، من كتاب الديات. سنن ابن ماجه 2/ 876. والدارمى، في: باب الدية في قتل العمد، من كتاب الديات. سنن الدارمى 2/ 188. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 31.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ المسلمَ يُقادُ به قاتِلُه، وإن كان مُجَدَّعَ الأطْرافِ، مَعْدُومَ الحَواسِّ، والقاتلُ صحيحٌ سَوِىُّ الخَلْقِ، أو (1) كان بالعَكْسِ. وكذلك إن تَفاوَتا في العلمِ والشَّرَفِ، والغِنَى والفَقْرِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ، والكِبَرِ والصِّغَرِ، ونحو ذلك، لا يَمْنَعُ القِصاصَ بالاتِّفاقِ، وقد دَلَّتْ عليه العُمُوماتُ التى تَلَوْناها، وقولُ النبىِّ صلى الله عليه وسلم:«المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (2). [ولأَنَّ](3) اعْتِبارَ التَّسَاوِى في الصِّفاتِ والفَضائِلِ، يُفْضِى إلى إسْقاطِ القِصاصِ بالكُلِّيَّةِ، وفَواتِ حِكْمَةِ (4) الرَّدْعِ والزَّجْرِ، فوَجَبَ أن يَسْقُطَ اعْتِبارُه، كالطُّولِ والقِصَرِ، والسَّوادِ والبَياضِ.
فصل: ويَجْرِى القِصاصُ بينَ الوُلاةِ والعُمَّالِ وبينَ رَعِيَّتِهم؛ لعُمُومِ
(1) في الأصل، تش:«إن» .
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 101.
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
في الأصل، تش:«حكم» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآياتِ والأخْبارِ التى ذَكَرْناها. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وثَبَت عن أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لرجلٍ شَكا إليه عامِلًا (1) أنَّه قَطَع يَدَه ظُلْمًا: لَئِنْ كنتَ صادِقًا لأُقِيدَنَّك منه (2). وثَبَت أنَّ عمرَ كان يُقِيدُ مِن نَفْسِه. وروَى أبو داودَ (3)، قال: خَطَب عُمَرُ فقال: إنِّى لم أبْعَثْ عُمَّالِى ليَضْرِبُوا أبْشارَكم، ولا ليَأْخُذُوا أمْوالَكم، فمَن فُعِل به ذلك فلْيَرْفَعْه إلىَّ، أقُصُّه (4) منه. فقال عمرُو بنُ العاصِ: لو أنَّ رجلًا أدَّبَ بعضَ رَعِيَّتِه، أتَقُصُّه منه؟ قال: إى والذى نَفْسِى بيَدِه، أقَصُّه، وقد رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أقَصَّ مِن نَفْسِه. ولأَنَّ المُؤمنين تَتَكافَأُ دِماؤُهم، وهذان حُرَّانِ مسلمان، ليس بينَهما إيلادٌ، فيَجْرِى (5) القِصاصُ بينَهما، كسائرِ الرَّعِيَّةِ.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ القِصاصِ كونُ القَتْلِ في دارِ الإِسْلامِ، بل متى قَتَل في دارِ الحَرْبِ مسلمًا عالِمًا بإسلامِه عامِدًا، فعليه القَوَدُ، سَواءٌ كان قد هاجَرَ أو لم يُهاجِرْ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو
(1) في الأصل، تش:«غلاما» .
(2)
أخرجه عبد الرزاق، في: «المصنف 10/ 188. والدارقطنى، في: كتاب الحدود والديات وغيره. سنن الدارقطنى 3/ 184.
(3)
في: باب القود من الضربة وقص الأمير من نفسه، من كتاب الديات. سنن أبى داود 2/ 490.
كما أخرجه الإِمام أحمد، في: المسند 1/ 41. والنسائى مختصرا، في: باب القصاص من السلاطين، من كتاب القسامة. المجتبى 8/ 31.
(4)
في الأصل: «أقصيه» .
(5)
في الأصل، تش:«فيجب» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حنيفةَ: لا يجبُ القِصاصُ بالقَتْلِ في غيرِ دارِ الإِسلامِ، فإن لم يكنِ المَقْتُولُ هاجَرَ، لم يَضْمَنْه بقِصاصٍ ولا دِيَةٍ، عمدًا قَتَلَه أو خَطَأ، وإن كان قد هاجَرَ، ثم عاد إلى دارِ الحَرْبِ، كرَجُلَيْن مُسْلِمَيْن دَخَلا دارَ الحَرْبِ بأمانٍ، فقَتَلَ أحَدُهما صاحِبَه، ضَمِنَه بالدِّيَةِ، ولم يَجِبِ القَوَدُ. وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ كقَوْلِه. ولو قَتَل رجلٌ أسِيرًا مسلمًا في دارِ الحَرْبِ، لم يَضْمَنْه إلَّا بالدِّيَةِ [ولم يَجِبِ القودُ](1)، عمدًا قَتَلَه أو خَطَأً. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الآياتِ والأخْبارِ، ولأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه عمدًا ظُلْمًا، فوَجَبَ عليه القَوَدُ، كما لو قَتَلَه في دارِ الإِسلامِ، ولأَنَّ كلَّ دارٍ يَجِبُ فيها القِصاصُ إذا كان فيها إمامٌ، يَجِبُ وإن لم يكنْ فيها إمامٌ، كدارِ الإِسْلامِ.
فصل: وقَتْلُ الغِيلَةِ وغيرُه سَواءٌ في القِصاصِ والعَفْوِ، وذلك للوَلِىِّ دُونَ السُّلْطانِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: الأمْرُ عندَنا أن يُقْتَلَ به، وليس لوَلِىِّ الدَّمِ أن يَعْفُوَ عنه، وذلك إلى السُّلْطانِ. والغِيلَةُ عندَه، أن يُخْدَعَ الإِنْسانُ، فيُدْخَلَ بَيْتًا أو نحوَه، فيُقْتَلَ أو يُؤْخَذَ مالُه. ولَعَلَّه يَحْتَجُّ بقولِ (2) عُمَرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، في الذى قُتِل غِيلَةً: لو تَمالَأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ [لأقَدْتُهم به](3).
(1) زيادة من: ق، م.
(2)
في ق، م:«بحديث» .
(3)
في الأصل: «لأنحلتهم بها» .
وتقدم تخريجه في صفحة 44.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبقِياسِه على المُحارِبِ. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى:{فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} (1). وقولُ النبىِّ صلى الله عليه وسلم: «فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» (2). ولأنَّه قَتِيلٌ في غيرِ المُحارَبَةِ، فكان أمْرُه إلى وَلِيِّه، كسائرِ القَتْلَى. وقولُ عُمَرَ:[لأقَدْتُهم به](3). أى أمْكَنْتُ الوَلِىَّ مِن استِيفاءِ القَوَدِ منهم.
(1) سورة الإسراء 33.
(2)
أخرجه أبو داود، في: باب ولى العمد يرضى بالدية، من كتاب الديات. سنن أبى داود 2/ 480. والترمذى، في: باب ما جاء في حكم ولى القتيل في القصاص والعفو، من أبواب الديات. عارضة الأحوذى 6/ 177، 178. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 385.
(3)
في الأصل، تش، ق:«لأقيدنهم بها» .