الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِذَا قَطَعَ إِصْبَعًا عَمْدًا، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْكَفِّ أَوِ النَّفْسِ، وَكَانَ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، فَلَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَلَا شَىْءَ لَهُ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ. وَيَحْتَمِلُ أنَّ لَهُ تَمَامَ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِى مُوجَبِ الْعَمْدِ.
ــ
4115 - مسألة: (وإن قَطَع إصْبَعًا عمدًا، فعَفا عنه، ثم سَرَتْ إلى الكَفِّ أو النَّفْسِ، وكان العفْوُ على مالٍ، فله تَمامُ الدِّيَةِ، وإن عَفا على غيرِ مالٍ، فلا شئَ له، على ظاهِرِ كَلامِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَمامَ الدِّيَةِ. وإن عَفا مُطْلَقًا، انْبَنَى على الرِّوايَتَيْن في مُوجَبِ العمدِ)
وجملةُ ذلك، أَنَّه إذا جَنَى على إنْسانٍ فيما دُونَ النَّفْسِ جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ، كالإِصْبَعِ، فعَفا عن القِصاصِ، ثم سَرَتِ الجِنايةُ إلى نفسِه، فمات، لم يَجِبِ القِصاصُ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ القِصاصَ يَجِبُ؛ لأَنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، [ولم يَعْفُ عنها](1). ولَنا،
(1) زيادة من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه يَتَعَذَّر اسْتِيفاءُ القِصاصِ في النَّفْسِ دُونَ ما عَفا عنه، فسَقَطَ في النَّفْسِ، كما لو عَفا بعضُ الأوْلِياءِ، ولأَنَّ الجِنايةَ إذا لم يكنْ فيها قِصاصٌ مع إمْكانِه، لم يَجِبْ في سِرايَتها، كما لو قَطَع يَدَ مُرْتَدٍّ فأسْلَمَ ثم مات منها، ثم يُنْظرُ؛ فإن كان عَفا على مالٍ، فله الدِّيَةُ كاملةً، وإن عَفا على غيرِ مالٍ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ إلَّا (1) أرْشَ الجُرْحِ الذى عَفا عنه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأَنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، وحَقُّه في النَّفْسِ لا فيما عَفا عنه، وإنَّما سَقَط القِصاصُ للشُّبْهَةِ. وإن قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ. لم يَجِبْ شئٌ؛ لأَنَّ الجِنايةَ لا تَخْتَصُّ القَطْعَ. وقال القاضى، فيما إذا عَفا عن القَطْعِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أَنَّه لا يَجِبُ شئٌ.
وبه قال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَضْمُونٍ، فكذلك سِرايَتُه.
(1) في الأصل: «لا» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولَنا، أنَّها سِرايَةُ جِنايةٍ أوْجَبَتِ الضَّمانَ، فكانت مَضْمُونَةً، كما لو لم يَعْفُ، وإنَّما سَقَطَتْ دِيَتها بعَفْوِه عنها، فيَخْتَصُّ السُّقُوطُ بما عَفا عنه دُون غيرِه، والمَعْفُوُّ عنه عُشْرُ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الجِنايَةَ أوْجَبَتْه، فإذا عَفا، سَقَط ما وَجَب دُونَ ما لم يَجِبْ، فإذا صارَتْ نَفْسًا، وَجَب بالسِّرايَةِ ما لم يَعْفُ عنه، ولم يَسْقُطْ أَرْشُ الجُرْحِ إذا لم يَعْفُ، وإنَّما تَكَمَّلَتِ الدِّيَةُ بالسِّرايةِ.
فصل: فإن كان الجُرْحُ لا قِصاصَ فيه، كالجائفةِ ونحوِها، فعَفا عن القِصاصِ فيه، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فلوَلِيِّه القِصاصُ؛ لأَنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ في الجُرْحِ، فلم يَصِحَّ العَفْوُ عنه، وإنَّما وَجَب القِصاصُ بعدَ عَفْوِه، وله العَفْوُ عن القِصاصِ، [وله كمالُ الدِّيَةِ. وإن عَفا عن دِيَةِ الجُرْحِ، صَحَّ، وله بعدَ السِّرَايةِ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا أَرْشَ الجُرْحِ. ولا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ القِصاصِ](1) في النَّفْسِ، مع أنَّه لا يَجِبُ كمالُ الدِّيَةِ بالعَفْوِ عنه، كما لو قَطَع يَدًا، فانْدَمَلَتْ واقْتَصَّ منها، ثم انْتَقَضَتْ وسَرَتْ إلى النَّفْسِ، فله القِصاصُ في النَّفْسِ، وليس له العَفْوُ إلَّا على نِصْفِ الدِّيَةِ. فإن قَطَع يَدَه مِن نِصْفِ السّاعِدِ، فعَفا عن القِصاصِ، ثم سَرَى، فعلى قولِ أبى بكرٍ،
(1) سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَسْقُطُ القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ، فهو كالجائِفَةِ. ومَن جَوَّزَ له (1) القِصاصَ مِن الكُوعِ، أسْقَطَ القِصاصَ في النَّفْسِ، كما لو كان القَطْعُ مِن الكُوعِ. وقال المُزَنِىُّ: لا يَصِحُّ العَفْوُ عن دِيَةِ الجُرْحِ قبلَ انْدِمالِه، فلو قَطَع يَدًا، فعَفا عن ديَتِها وقِصاصِها، ثم انْدَمَلَتْ، لم تَسْقُطْ دِيَتُها، وسَقَط قِصاصُها؛ لأَنَّ القِصاصَ قد وجَبَ فيها، فصَحَّ العَفْوُ عنه، بخِلافِ الدِّيَةِ. ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ دِيَةَ الجُرْحِ إنَّما وَجَبَتْ بالجِنايةِ، إذ هى السَّبَبُ، ولهذا لو جَنَى على طَرَفِ عبدٍ ثم باعَه قبلَ بُرْئِه، كان أَرْشُ الطَّرَفِ لبائِعِه لا لمُشْتَرِيه، وتَأْخِيرُ المُطالَبَةِ به لا يَلْزَمُ منه عَدَمُ الوُجُوب وامْتِناعُ صِحَّةِ العَفْوِ، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ لا يَمْلِكُ المُطالَبَةَ به، ويَصِحُّ إسْقاطُه، كذا ههُنا.
فصل: وإن قَطَع إصْبَعًا، فعَفا المَجْنِىُّ عليه عن القِصاصِ، ثم سَرَتْ إلى الكَفِّ، ثم انْدَمَلَ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لِما ذَكَرْنا في النَّفْسِ، ولأَنَّ القِصاصَ سَقَط في الإِصْبَعِ بالعَفْوِ، فصارتِ اليَدُ ناقِصَةً لا تُؤْخَذُ بها الكاملةُ. ثم إن كان العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ دِيَةُ اليَدِ كلِّها (2)، وإن كان على غيرِ مالٍ، خُرِّجَ فيه مِن الخِلافِ (3) ما ذَكَرْنا فيما إذا سَرَتْ إلى
(1) سقط من: ق، م.
(2)
في م: «كاملة» .
(3)
بعده في الأصل: «على» .