الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمدَ للَّه، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونَعوذُ باللَّه من شُرُور أنفسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعمالنا، من يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك لَهُ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . [آل عمران: 102]
أما بعد:
فإنَّ اللَّه تعالى قَدِ امْتَنَّ على هذه الأُمّة بأَنْ جَعلها خيرَ الأُمَمِ، وجعلَ رسولَها صلى الله عليه وسلم خاتمَ الأنبياءِ والمرسلينَ، وجعلها يومَ القيامةِ شَاهدةً على النَّاس.
وقد حَبَاها اللَّهُ تبارك وتعالى ما يجعلُها أَهْلا لتلك المنَّةِ العظيمة: كتابًا خالدًا، مُهيمنًا على الذي بين يديه {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] و: سُنَّةً مُبَيِّنَةً لِمَا في هذا الكتابِ على مَرِّ العُصور والأزْمَان.
وشاءت حِكمةُ اللَّهِ عز وجل أَلَّا يُخَلِّفَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وراءَهُ شيئًا من حُطام الدنيا، وإنما خَلَّفَ ميراثًا وافرًا من العلمِ النافعِ، وَرِثَهُ عنه أصحابُه وحَمَلَةُ لِوَائِهِ.
وقد اشْتَهرَ من هؤلاءِ الصَّحْبِ نَفَرٌ، قيَّضَهُم اللَّهُ تعالى لِحفْظِ النَّصِيبِ الأَوْفَر من هذا الميراث، فاعتَنَوْا به، وبلَّغُوه مَنْ بَعْدهم، وأخذه عَنْ كُل منهم تلاميذُ أَكْفَاء، فكانوا مشاعلَ لهذا العلم، وعَنْ هؤلاءِ أخذهُ نحوُهم، وهَلُمَّ جَرَّا.
وهكذا في كُل عصر يبرزُ رجالٌ؛ يَحْفَظُ اللَّه بهم تلك السُّنَّةَ التي هي مُبَيِّنَةٌ لذلك الكتابِ المعجزِ الخاتمِ الذي تكَفَّلَ -سبحانه- بحفظِهِ.
وكما اخْتَارَ اللَّهُ لِدِينه أَعْلامًا يَحْملُون لِوَاءَهُ، ويحفظون سُنَنَ النبي الأمين، فقد اختارَ رجالا، صَنَعهم على عَيْنِهِ، ورَزَقهم مِنَ المعرفةِ، وهيَّأَ لهم من الأَحْوال، ما جعلهم نُقَّادًا صَيَارِفَةً، اجتهدوا في حفظ ذلك الميراث، فنَفَوْا عنه كُلَّ تحريفٍ، وأماطَوْا عنه كُلَّ انْتِحَالٍ، بَيّنوا خطأَ المخطىء -مَهْما كان- وميَّزُوا بين عُدُول النَّقَلَةِ وأَهْل الحِفْظِ منهم، وبين سَاقِطيهم وأهْلِ الغفلة وسُوء الحِفْظِ.
جعلهم اللَّه حُرَّاسَ الشَّريعة، المأمونين عليها من كُلِّ دَخِيل، فقطَعُوا في حِفْظِها المَفَاوِزَ، وجَازُوا في سبيلها القِفارَ والبحار، تَشَفَّقَتْ في طلبها أَقْدامُهم وأَشْداقُهم، ورَبَطُوا على بطونهم -من الجوع- الأَحْجَار.
طلبوا الدرجاتِ الرفيعة، والأقدارَ الشريفة، فلما صحَّتْ نِيَّتهُمْ وصَدَقَتْ عَزِيمتُهمْ، وَوَضَحتْ أهدافُهم، ودَأَبُوا وما مَلُّوا، واستقاموا وما تَلَفَّتُوا -مع النَّباهة واليقظة- بَلَغَ اللَّه بهم من المنزلةِ غايةً؛ ليس وراءها مُطَّلَع لِنَاظِرٍ، ولا زيادةٌ لمُسْتَزِيدٍ، ولا فوقها مُرْتقًى لِهِمَّةٍ، ولا مُتَجَاوَزٌ لأمَلٍ، وبلغتْ بهم نعمةُ اللَّهِ في ذلك حيثُ لا تُبْلَغُ الآمَالُ والأمَانيُّ والهِمَمُ، وذلك فَضْلُ اللَّه يؤتيه من يشاء.
وبعد:
فهذه هي الحلْقة الثانية في سِلْسِلَة ذَهَبِيّ العَصْر الشيخ العلَّامة: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، ومنهجه في النَّقْد، والتي سَمَّيْتُها بـ:"النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد".
وهذه الحلْقة تشتمل على كلام الشيخ المعلمي على مناهج بعض أئمة النَّقْد والمصنِّفين في كتبهم.
وكانت الحلْقة الأصلى مشتملةً على تراجم الرجال الذين تكلم عليهم الشيخ المعلمي جرحًا وتعديلا، وقد بلغوا هناك (841) ترجمة، واستدركتُ عليهم عشرين ترجمة، أوردتهم في مواضعهم هناك في الطبعة الثانية من القسم الأول.
وقد كنت ذكرتُ في القسم الأول من الكتاب أني قسمته أربعة أقسام، ثالثها: في بيان منهج الشيخ المعلمي في نقد الأخبار من خلال انتقاء أحاديث قد تكلم عليها تصحيحا وتضعيفا، لكني قد اقتصرت من هذا الانتقاء على ما أوردته في ملحقٍ من آخر القسم الرابع -وهو الثالث حسب التقسيم الحالي-، فتمَّ الكتابُ في ثلاثة أقسام فقط، أضفت إلى الثالث منها مُلْحَقَيْن:
الملحق الأول: وهو: المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد، يظهر فيها تميزه عن كثير من المتأخرين والمعاصرين، يُدْرَكُ ذلك بالتأمُّل والتدبُّر.
الملحق الثاني: كلام المعلمي في الفن الخاص بالتعامل مع المخطوطات، والطريق الأمثل لتصحيح الكتب وضبطها.
وقد قدَّمْتُ للحلْقة الأُولى بالأسباب التي دَعَتْني إلى تصنيف هذه السلسلة، وذكرتُ هناك أن المعلمي: كان من بقايا هذا العلم، ونادرةً من نوادر النَّقْد في هذه الأزمان، وأن اللَّه قَد ادَخَّره لكَبْتِ أصحاب الأهواء وأَتْباعهم، ودَفَعَ به في نَحْر مَنْ
أَراد السُّنَة وأهلَها وأئمتَها بِسُوءٍ، وأنَّ الشيخَ: قد كَشَفَ عن انْحِرافِ مَنِ انْحَرَفَ عن أهل السنة عقيدة ومنهجًا، وعن أئمة الحديث تصحيحًا وتعليلا، بأُطْرُوحَاتٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَّزِنَةٍ، بناها على الاستقراء والبحث الدءوب.
وأَن الله تعالى قد كشف به ما تَفَشَّى من داء التساهل الذي أصاب أنظارَ كثير من المتأخرين والمعاصرين في الحكم على الرواة والأخبار، فنراهم قد توسَّعُوا في الاعتماد على ظواهر الأسانيدِ دُونَ التفتيشِ عن عِلَلِها ومَظِنَّاتِ الخلل فيها، بل ونَلْحَظُ قُصورًا في الرجوع إلى كُتب المتقدمين المعنيّة ببيان ما أصاب الأخبارَ من تفردات الرواة وأوهامهم
…
إلى آخر ما تراه في تلك المقدمة.
ثم صَنَعْتُ هناك تمهيدًا في تعظيم قدر أئمة النقد، جعلته كرسالة إلى كل مَنْ يُطالِعُ هذا الكتاب أو غيره من كتب الفَنِّ المعنيَّة بعلم الحديث والأثر، وإلى كل من يَرُومُ سُلُوكَ سَبيلِ أهل النَّقْد، أو ينظر في كلامهم، ولِتَكُونَ إبرازًا لِمَا اخْتَصَّ اللَّه تعالى به مُتَقَدِّمِي هذه الأمة في هذا الصَّدَد من المنهج السديد الذي لا يَسَعُ مَنْ جاء بعدهم -إذا أراد أن يَسْلُكَ هذا السبيلَ- إلا أن يقْفُوَ أثرَهم، ويلتمِسَ خُطاهم.
وقد صنفتُ هذا الكتابَ لمقاصد، أهمها:
1 -
تذكيرُ أُولي الِهمم بِعِظَمِ قَدْر أئمة النقد.
2 -
التقريبُ لما كانوا يتمتَّعُون به مِنْ ملكاتٍ وغرائزَ حديثيةٍ متميزةٍ.
3 -
شَحْذُ هِمَمِ الطالبين لمعالي الأمور ببيان منهج المتقدمين في النَّقْد، ودقائقهم في تَأْصِيل وإِرْسَاءِ قواعد هذا الفن.
4 -
محاولة فَهْم طرائقهم في التعامل مع النصوص قبولا وردًّا.
ومن أجل هذا المقصد الرابع صَنَّفْتُ هذا القسم الثاني، وهو الخاص بمنهج بعض أئمة النقد، وأضفتُ إليه فوائدَ تتعلق ببعض مصنفي الكتب من المتأخرين.
واعلم أن الحديثَ عن مناهج الأئمة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، يَخْتَصُّ بالحُذَّاقِ من أَهْل الصَّنْعَةِ، وهو مَبْنيٌّ على أُسُسٍ عَامَّةٍ يَتَّفِقُ عليها معظمُهُم، لكن ربما اختلفوا أحيانًا في تطبيق بعض الجزئيات، وهو اختلافٌ في الاجتهاد لا يقدحُ في استقرار القواعد العامَّة عندهم.
ومن الأدلّة على ما ذكرتُ، أنَّ النَّاظِرَ في كُتب العلل والأخرى المَعْنِيَّة بالتخريج، ليرَى توافقَ الأئمة في الأَعَمِّ الأغْلَبِ في الحكْمِ على الحديث الواحد، وفي كثير من الأحيان يكون إعلالُهم للحديث من زاويةٍ واحدةٍ، ولسببٍ واحدٍ، على غير اتفاقٍ بينهم، ولا سؤال بعضِهم لبعضٍ، وربما كانت هناك عدة زوايا هي مظنَّات للخلل، ولكنهم يَعرفون كيف تُورد الإبل.
وهذا من أَقْوَى الأدِلَّة على أنَّ هذا العلمَ حَقٌّ، وأن أَدِلَّتَهُ مَبْنِيَّةٌ على أساسٍ متينٍ، وأن اللَّه تعالى قد هيّأ أسبابَهُ لأئمته الذين اختارهم.
وقد ذكرتُ شيئًا من ذلك التوافق بين الأئمة في "التمهيد" المشار إليه سابقًا في تعظيم قدر أئمة النقد (ص 126 - 127) من القسم الأول من هذا الكتاب.
أما غَيْرُ أهلِ الاختصاص، والآخذين من أهله بقُشُورِ هذا العلم، والمُشَمِّرِينَ لِكُلِّ علمٍ دُونَهُ، فإنما يَرَوْنَ تلك المناهجَ، وهذه القواعدَ والأُسُسَ، تارةً: تكهنًا، وتارة: تخمينًا، وتارةً: احتمالاتٍ وتارةً: تناقضاتٍ وتارةً: ألغازًا!.
ويُعرفُ تَصَوُّرُ هؤلاء عن هذا العلم وأهلِه إما تصريحًا، وإما تلميحًا، وإما بِعُزُوفِهِم عن مَوَارِدِهِ ومظانِّه، فتجدُ كلامَ نُقَّادِ هذا الفَنِّ، تارةً مهجورًا، وتارةً: منقولا، لكن مفرَّغًا من مدلوله إلى مدلولاتٍ أخرى مخترعة، وتارةً: منقولا، لكن مُنْتَقَضًا بكلام غيرهم من غير أهل الاختصاص، أو من متساهلي أهله، وتارةً: منقولا، لكن دون أيّ اعتبار لمعناه ومُؤَدَّاه.
وقد وَضَعْتُ في إِجْلاء هذه المعاني رسالةً سَمَّيْتُها: "القواعد المُهِمَّة في إِحْياء مناهج الأئمة" وهي قَيْدُ الجمع.