الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمر الرابع
ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم
ذكر الشيخ المعلمي في "عمارة القبور" ص (154) أن:
"ما علقه البخاري بصيغة الجزم، قد قالوا إنه محمول على أنه صَحَّ لديه في الجملة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل، وفي هذا إجمال؛ فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم غيره، من يتساهل في التصحيح.
ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذبه غيره، فلابد من النظر في رجال السند".
وأكده في ص (157) بقوله:
"ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، لا يغني ذلك عن النظر في سنده".
وقد أعل المعلمي في هذين الموضعين أثرين علقهما البخاري بصيغة الجزم.
* ففيه (ص 153 - 156):
"البخاري في "صحيحه" تعليقا: "لما مات الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سَنَة، ثم رُفعت، فسمعت صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا".
قال المعلمي:
علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمول على أنه صح لديه في الجملة، أي: إما على شرطه وإما على شرط غيره على الأقل، وفي هذا إجمال؛ فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم غيره، من يتساهل في التصحيح.
ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذبه غيره، فلابد من النظر في رجال السند.
وقد راجعنا "فتح الباري" فذكر فيه ما لفظه: (3/ 161).
"أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ الفسطاط، كما رويناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي رواية الأصبهاني عنه".
وفي كتاب ابن أبي الدنيا في "القبور" من طريق المغيرة بن مقسم قال: "لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطًا، فأقامت عليه سنة، فذكر بنحوه".
ولا ندري ما حال السندين إلا أن المغيرة بن مقسم كان أعمى ومدلسا.
وقد ذكر البخاري هذه القصة في (باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور).
قال في "الفتح": "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة. وقال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه؛ تعليلا للنفس، وتخييلا باستصحاب المألفوف من الأُنس، ومكابرة للحس .. فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا .. الخ".
أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضربت الخيمة للاجتماع لقراءة القرآن، وهذا مع كونه ممنوعًا -أيضًا- مردود بقول الهاتفين:"هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا".
فالقصة فيها زِراية على زوجة الحسن، وهي كما في الفتخ، فاطمة بنت الحسين بن علي، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذ كلهم.
فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح؛ فإن أهل البيت أعلم بالله وأكمل عقولا، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة.
وفي الحديث: "لعن زوارات القبور"، أي: المكثرات لزيارتها، وضرب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنَة، أبلغ من إكثار الزيارة وأهل البيت أَولى من ينزه عن ذلك.
هذا مع علمنا أن مثل هذا لا تقوم به حجة، بل القصة بنفسها في ذكر كلام الهاتفين تدل على قبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقا علينا الذب عن أهل البيت. اهـ.
* وفيه أيضًا (ص 157):
البخاري في "صحيحه" تعليقًا -أيضًا- في (باب: الجريد على القبر): وقال خارجه بن زيد: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان رضي الله عنه وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يُجاوزه.
قال في "الفتح": "وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير"، من طريق ابن إسحاق".
أقول: قال في "التاريخ الصغير" ص (23) طبعة إله آباد:
"وحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وأن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه".
وقد مر قريبًا الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده، وقد عُلم هاهنا سنده.
فأقول: شيخ ابن إسحاق لم أر له ترجمة وابن إسحاق كما تقدم في حديث فضالة أنه قال الذهبي: "ما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا".
ولا نعلم أحدًا تابعه في هذا الأثر، ولا ثَم قرينة تدل على حفظه، ينجبر بها تفرده، ففي الأثر نكارة.
بل على القول بأنه يُفهم منه رفع القبر فوق الشبر شذوذ، إذ المعروف المشهور أن القبور لم تكن ترفع في ذلك العصر.
بل نفس قبر عثمان بن مظعون ورد "أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع حجرًا، وقال: أعلم به قبر أخي". وأسلفنا أن ذلك يدل أنه لم يرفع عن وجه الأرض.
ومع ذلك فيبعد جدا أن يخرج الشبان من أولاد الصحابة يتواثبون على قبر رجل من أفاضل السابقين، بحيث أنه لا يجاوز القبر إلا أشدهم وثبة، وغالبهم تقع وثبته على القبر، مع أن بجواره من قبور أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر إبراهيم وغيره.
نعم، قد كان بعض الصحابة والتابعن، ومنهم خارجة لا يرون بأسًا بالجلوس على القبور، ولكن أين الجلوس من التوثب، وقد كان أبناء الصحابة بغاية التمسك بالآداب الشرعية، ولا سيما مثل خارجة بن زيد. اهـ.
* * *