الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبو حاتم الرازي
(ت 277 هـ)
يتعلق بأبى حاتم هاهنا أمر واحد، وهو ما اشتهر عنه لدى كثير من المتأخرين مِن وَصْفهِ بالتشدد أو التعنت في باب الجرح، وقد جاء وصفُهُ بذلك في كلام الشيخ المعلمي، أُورِدُهُ أولًا، ثم أنظرُ في ذلك إجمالًا.
1 -
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل"(1/ 350):
"معروف -يعني أبا حاتم- بالتشدد، قد لا تقِلُّ كلمةُ (صدوق) منه عن كلمة (ثقة) من غيره؛ فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة (صدوق) في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه هذا هو الغالب". اهـ.
2 -
وبنحوه في (1/ 325).
3 -
وقال في ترجمة: نعيم بن حماد من "التنكيل"(1/ 495):
"وقال أبو حاتم مع تشدده: صدوق".
4 -
ومثله في ترجمة: محمد بن كثير العبدي منه (1/ 467).
5 -
وقال في ترجمة محمد بن بشار بندار (1/ 430):
"ثقة جليل، وثقه أبو حاتم مع تشدده".
قال أبو أنس:
نظرت هنا إجمالا في وصف أبي حاتم بالتشدد في باب الجرح:
فأقول:
"قسَّم الذهبيُّ المتكلمين في الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام:
قِسْمٍ منهم: متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، قال: فهذا إذا وَثَّقَ شخصًا، فَعَضَّ قوله بنواجذك، وتَمَسَّكْ بتوثيقه، وإذا ضَعَّفَ رجلا، فانظر: هل وافقه غيرُه على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثِّقْ ذاك الرجل أحدٌ من الحُذَّاقِ، فهو ضعيف، وإن وَثَّقَهُ آخر، فهذا هو الذي قالوا: لا يُقبل فيه الجرحُ إلا مفسَّرا؛ يعني لا يكفي فيه قولُ ابنِ معين مثلا: هو ضعيف -ولم يوضح سببَ ضعفه- ثم يجيءُ البخاري وغيره يوثقه، ومثل هذا يُختلفُ في تصحيح حديثه وتضعيفه.
وقسمٍ منهم يتسمَّح، كالترمذي والحاكم.
وقسمٍ معتدل، كأحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي". اهـ.
ولم يُسَمِّ الذهبيُّ من القسم الأول أحدًا هنا، لكنه ذكر بعد ذلك طبقات من تكلموا في الجرح والتعديل، فبلغ: عبد الرحمن بن يوسف بن خراش البغدادي فقال: "له مصنَّف في الجرح والتعديل، قويُّ النَّفَس كأبي حاتم".
وقد نعت الذهبي جماعةً بذلك في كتابه "الميزان".
فمن هؤلاء:
1 -
يحيى بن سعيد القطان:
وصفه الذهبي بـ "متعنت جدًّا في الرجال" في ترجمة: سفيان بن عيينة رقم (3327)، وقال في ترجمة: سيف بن سليمان المكي رقم (3636): "حدث يحيى القطان مع تعنته عن سيف".
2 -
ابن حبان البستي:
وصفه الذهبي بـ "الحشاف -أو الخساف- المتهور" في ترجمة: محمد بن الفضل السدوسي عارم رقم (8057)، وقال في ترجمة: سويد بن عمرو الكلبي رقم (3624): "أسرف واجترأ"، وفي ترجمة: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي رقم (5532): "يُقَعْقِعُ كعادته".
3 -
ابن القطان الفاسي:
ترجم له الذهبي وقال: "تعنَّتَ في أحوال الرجال، فما أَنْصَفَ، بحيث إنه أخذ يُلَيِّنُ هشامَ بن عروة، ونحوه".
4 -
وقد حملَ الذهبي جدًّا على العقيلي بسبب ترجمته لـ: علي بن المديني، في كتابه "الضعفاء"، فقال عند ذكر ابن المديني رقم (5874):
"ذكره العقيلي في كتاب "الضعفاء"، فبئس ما صنع
…
أفما لك عقلٌ يا عقيليُّ، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقاتٍ كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له وأكمل لرتبته وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك
…
". اهـ.
ولم أر الذهبي يصف أبا حاتم بالتشدد إلا في موضعين -على كثرة ما نقل عنه في كتبه:
الأول: في ترجمة عاصم بن علي الواسطي شيخ البخاري من "الميزان"(4058) قال الذهبي: "هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق" اهـ. يقوي بذلك تعديلَه على مَنْ ليَّنَهُ.
الثاني: في ترجمة طالوت بن عباد من "السير"(11/ 26) قال: "حَسْبُكَ بقول المتعنّت في النقد أبي حاتم فيه اهـ. يعني قوله: صدوق. يردُّ بذلك على ابن الجوزي في قوله: "ضعَّفه علماء النقل".
ويلاحظ في هذين المثالين أن وصف الذهبي لأبي حاتم بالمتعنت، ليس ردًّا لقوله بسبب العنت، وإنما هو من باب: إذا وَثَّقَ المتعنِّتُ أحدًا فعض عليه بالنواجذ، وهو يوافق كلمة الشيخ المعلمي التي نقلناها آنفا أن كلمة "صدوق" من أبي حاتم قد لا تقل عن كلمة "ثقة" من غيره.
ولم أر الذهبي ردّ قولا لأبي حاتم من أجل تعنته.
بل إن الذهبي اعتمد على أبي حاتم في ذكر المجاهيل من الرواة بقوله فيهم: "مجهول"، حتى إنه يقول هذا في تراجم "الميزان"، ولا يذكر قائله، وهو قول أبي حاتم في "الجرح"، كما صرح بذلك الذهبي في ترجمة: أبان بن حاتم الأملوكي من "الميزان" رقم (4) فقال:
"اعلم أن كل من أقول فيه "مجهول" ولا أسنده إلى قائلٍ، فإن ذلك هو قول أبي حاتم فيه، وسيأتي من ذلك شيء كثير جدًّا، فاعلمه، فإن عزوته إلى قائله، كابن المديني وابن معين، فذلك بَيِّنٌ ظاهرٌ، وإن قلت: "فيه جهالة" أو: "نكرة" أو: "يجهل" أو: "لا يعرف"، وأمثال ذلك، ولم أعزه إلى قائلٍ فهو مِنْ قِبَلي". اهـ.
لكن قال الذهبي في ترجمة أبي زرعة من "السير"(13/ 81):
"يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يَبِينُ عليه الورعُ والمَخْبَرَةُ، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جَرَّاح". اهـ.
إلا أنه لا يدل على التشدد، بل على أنه أجرأ على جرح من يراه مستحقا لذلك من الرواة، والله أعلم
أما الحافظ ابن حجر، فقد قال في ترجمة: محمد بن أبي عدي البصري من مقدمة "الفتح"(ص 463): "من شيوخ أحمد، قال عمرو بن علي: أحسن عبد الرحمن بن مهدي الثناء عليه، وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: ثقة، وفي "الميزان" أن أبا حاتم قال: لا يحتج به، فينظر في ذلك، وأبو حاتم عنده عَنَت، وقد احتج به الجماعة". اهـ.
قلت: مع النظر الذي أشار إليه ابن حجر، وثبوت توثيق أبي حاتم له، لا يتجه وصفه بالعنت هنا.
ولو ثبتت هذه العبارة عن أبي حاتم، لدَلَّتْ على درجة التوثيق التي عناها؛ لأن الثقة درجات، كما هو معلوم.
وقال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح":
"كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه، ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد منه، ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري وأبو حاتم أشد من البخاري". اهـ.
أقول:
بالنسبة للرابعة، فربما بناها ابن حجر على: تجهيلِ أبي حاتم لجماعةٍ مِمَّنْ أخرج لهم البخاري في "صحيحه"، أو طعنِهِ فيهم، أو إعلالِه لبعض ما أخرجه البخاري
فيه، وهذا لا يلزمُ، وإلا لاطَّرَدَ، فيقال مثلُهُ في جماعةٍ من الحفاظ، انتقدوا على البخاري إخراجَهُ لبعض الأحرف، أو تكلموا في بعض رجال "صحيحه"، ولا شك أن هذا غير مُسَلَّم، فهذا ابن طاهر لما قال:"شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة رجاله إلى الصحابي المشهور"، قال العراقي:"ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضعف رجالا أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين، فأجاب الحافظ ابن حجر بقوله: "تضعيف النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِهِ عن معاصرٍ، فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم، فلا
…
".
قلت: لاحِظْ أنه لما ضَعَّفَ النسائيُّ جماعةً من رجال الشيخين، بل وتجنب إخراجَ أحاديثهم، قيل: إنَّ له في الرجال شرطًا أشد من شرطهما، ولم يقل أحد أنه أشد تعنتا منهما، وذلك لأنها قضية تختلف فيها الأنظار، ولا شك أن أكثر ما خالف فيه النسائي -أو وافق أيضا- إنما مرجعه إلى الاجتهاد والنظر- ونَقْلُهُ في الأبواب كلامًا لغيره قليلٌ.
فكذلك الحالُ بالنسبة لأبي حاتم أو غيره من النقاد، يُجَهِّلُ أحدُهم مَنْ يَعرفُهُ غيرُه، أو يُضَعِّفُ مَنْ يُوثقُهُ غيرُه، والعكسُ بالعكسِ، ولا غضاضةَ في ذلك، ولا إشكالَ البَتَّةَ لِمَنْ تدبر كتب القوم واختلافهم فيها.
وقواعدُ النظرِ في اختلافهم، والترجيحِ بين أقوالهم: منشورةٌ في كتب الفن قديما، لا يعوز الطالبَ إلا تحصيلُ أسبابها، وليس من تلك القواعد أن تُطرحَ أقوالُ أَحدهم -لمجرد مخالفة غيره له من النقاد- بدعوى أنه متعنت، والأمرُ دائرٌ حولَ القرائن، وتابعٌ لاختلافِ الأحوال، والحججُ والدلائلُ والشواهدُ قاضيةٌ على كُلِّ دعوى.