المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أبو حاتم الرازي - النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد - جـ ٢

[إبراهيم بن سعيد الصبيحي]

فهرس الكتاب

- ‌الْقسم الثاني«مناهج بعض أئمة النقد والمصنِّفين»

- ‌مقدمة

- ‌خطة العمل في هذا القسم:

- ‌البخاري

- ‌المبحث الأول: منهج البخاري في "الجامع الصحيح

- ‌المطلب الأول: فيما يتعلق بالأسانيد

- ‌الأمر الأولمنهج البخاري في انتقاء رجال "صحيحه" وكيفية إخراجه لحديثهم، أو: شرطه في رجال "صحيحه

- ‌ توطئة

- ‌أولاً: قول ابن طاهر في شروط الأئمة الستة:

- ‌ثانيًا: قول الحازمي في شروط الأئمة الخمسة:

- ‌ثالثًا: قول ابن تيمية:

- ‌رابعًا: قول العراقي:

- ‌مقصد تطبيقات العلامة المعلمي على منهج البخاري وشرطه في رجال "صحيحه

- ‌الأمر الثاني: انتقاء البخاري من أحاديث شيوخه المتكلم فيهم

- ‌الأمر الثالث: الرواة المتكلم فيه داخل "الصحيحين

- ‌الأمر الرابع: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في "الصحيح" يقتضي ضعْفَهُ أو لِينَهُ عندهما

- ‌الأمر الخامس: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عندهما

- ‌المطلب الثاني: فيما يتعلق بالمتون

- ‌الأمر الأولمن منهح البخاري في ترتيب أحاديث الباب

- ‌الأمر الثانيمن منهج البخاري في إخراج الحديث في باب دون باب

- ‌النموذج الأول:

- ‌النموذج الثاني:

- ‌النموذج الثالث:

- ‌الأمر الثالثالأحاديث المنتقدة على "الصحيحين

- ‌الأمر الرابعما يعلقه البخاري بصيغة الجزم

- ‌الأمر الخامسرواية البخاري من حفظه

- ‌الأمر السادسفيما ذكر أن البخاري مات قبل أن يبيض كتابه

- ‌المبحث الثاني: منهج البخاري في غير "الصحيحين

- ‌أولًا: شيوخه:

- ‌ثانيًا: غير شيوخه:

- ‌المبحث الثالث: البخاري وكتابه "التاريخ الكبير

- ‌المطلب الأولطريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير" ومنهجه في تصنيفه والجواب المجمل على ما أُخذ عليه فيه

- ‌المطلب الثانيإشارة البخاري أحيانًا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته من "التاريخ

- ‌المبحث الرابع: اصطلاح البخاري في بعض عبارات الجرح

- ‌أولاً: قوله: "فيه نظر"، "سكتوا عنه"، "منكر الحديث

- ‌ثانيا: قوله: "لم يصح حديثه"، "في إسناده نظر"، "يتكلمون في إسناده

- ‌مسلم بن الحجاج

- ‌المطلب السابعمنهج مسلم في ترتيب روايات الحديث في الباب الواحد

- ‌النوع الأولما وقفتُ فيه لمسلمٍ فيه على كلام خارج "الصحيح"، وهو أعلاها

- ‌نموذج (1)في باب: مواقيت الحج والعمرة

- ‌نموذج (2)في باب: من باع نخلا عليها ثمر

- ‌نموذج (3)في أول كتاب القسامة

- ‌النوع الثانيما نبَّهَ مسلم عقب إيراده على ما وقع فيه من الوهم أو المخالفة

- ‌نموذج (1)

- ‌نموذج (2)

- ‌نموذج (3)

- ‌النوع الثالثما يورد فى فيه مسلمٌ الحديثَ أولا بالسياق المحفوظ، ثم يشير إلى وروده من طريقٍ أخرى يسوق إسنادها أو يقول: بمثل إسناد السابق، لكنه يُعرض عن متنها

- ‌نموذج (1)في باب التيمم من "الصحيح

- ‌نموذج (2)راجع النموذج الآتي المتعلق بصلاة الكسوف في النوع الرابع

- ‌النوع الرابعما تدل طريقة عرضه لأحاديث الباب، ولقرائن تحتف بذلك على إرادته ترجيح أحاديث على أخرى

- ‌نموذج (1)الأحاديث الواردة في صفة صلاة الكسوف

- ‌نموذج (2)الأحاديث المتعلقة بصلاة العشاء: وقتها وتأخيرها

- ‌نموذج (3)أحاديث "سترة المصلي

- ‌النوع الخامس:ما شرح مسلم فيه ما وقع أحيانا من الإدراج في بعض الأحاديث، دون النص على وقوع ذلك

- ‌نموذج (1)باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن من "الصحيح

- ‌نموذج (2)باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه:

- ‌أبو حاتم الرازي

- ‌1 - أيوب بن سويد الرملي:

- ‌2 - ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي:

- ‌3 - حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي:

- ‌4 - سماك بن حرب الكوفي:

- ‌5 - ضرار بن صرد أبو نعيم الطحان الكوفي:

- ‌6 - عبد الرحمن بن النعمان بن معبد:

- ‌7 - أبو جعفر الرازي واسمه عيسى، واخلتف في اسم أبيه:

- ‌8 - مجاهد بن وردان:

- ‌9 - محمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي:

- ‌10 - الوليد بن الوليد بن زيد العنسي الدمشقي:

- ‌11 - يمان بن عدي الحضرمي الحمصي:

- ‌12 - يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي بن صهيب:

- ‌13 - يونس بن أبي يعفور العبدي الكوفي:

- ‌ابن معين

- ‌الأمر الأولاختلاف قوله في الراوي

- ‌الأمر الثانيتكذيبه أحيانًا بمعنى كثرة الخطأ ونحوه

- ‌الأمر الثالثقوله "ليس بثقة" قد يريد به نفي الدرجة العليا من التوثيق

- ‌الأمر الرابعتشدده أحيانًا فيما يتفرد به الراوي

- ‌الأمر الخامسمعنى قول ابن معين: ليس بشيء

- ‌الأمر السادستوثيقه لبعض المجاهيل

- ‌الأمر السابعتوثيقه لمن ضعفه غيره

- ‌الأمر الثامنتجمُّل بعض الرواة الضعفاء لابن معين واستقباله بأحاديث مستقيمة فيُحسن القولَ فيهم

- ‌الإمام أحمد بن حنبل

- ‌الأمر الأولكيف يشير إلى تعليل الروايات في "مسنده" أحيانا

- ‌الأمر الثانيمنهجه في ترتيب الروايات في "المسند" من حيث القوة

- ‌الأمر الثالثموضوع "المسند" وهل يخرج فيه مراسيل

- ‌الإمام مالك بن أنس

- ‌قضية تركه للعمل بما لم يعمل به أهل المدينة

- ‌عبد الله بن المبارك

- ‌الأول: أن من عادته تتبع أصول شيوخه:

- ‌الثاني: هل روايته عن الرجل تقويه

- ‌الثالث: هل هو ممن لا يشدد في الرواية عن الرجال

- ‌الإمام النسائي

- ‌المبحث الأول: منهجه في الجرح والتعديل

- ‌المطلب الأولشرط النسائي في الرجال مقارنةً بشرط الشيخين

- ‌المطلب الثانيتوسُّعُه في توثيق المجاهيل

- ‌المبحث الثاني: منهجه في إيراد اختلاف الروايات في سننه

- ‌تطبيق يتعلق بما نسب إلى النسائي من التشيع

- ‌ابن حبان

- ‌المطلب الأولما لا صلة له بمنهجه في الجرح والتعديل أو التصحيح والتعليل

- ‌الأمر الأولقولُ ابن الصلاح فيه: غلط الغلط الفاحش في تصرفه

- ‌الأمر الثانيما نُقل عنه أنه قال: "النبوة: العلم والعمل

- ‌الأمر الثالثما نُقل من إنكاره الحدّ لله تعالى

- ‌المطلب الثانيما يتعلق بمنهج ابن حبان في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل وغير ذلك

- ‌الأمر الأولمنزلة ابن حبان بين أهل النقد

- ‌الأمر الثانيمنهج ابن حبان في شرائط إيراده للرواة في كتاب "الثقات

- ‌الأمر الثالثفي ذكر بعض عادات ابن حبان في إيراد الرواة في كتاب "الثقات

- ‌أولًا: يذكر الرجل في "الثقات" بناء على أنه يروي المناكير التى رويت من طريقه أنَّ الحمل فيها على غيره:

- ‌ثانيًا: إذا تردد ابن حبان في توثيق راوٍ ذكره في "الثقات" وغَمَزَهُ:

- ‌ثالثًا: عادة ابن حبان فيمن لم يجد عنه إلا راوٍ واحدٍ:

- ‌الأمر الرابعفي درجات توثيق ابن حبان

- ‌الأمر الخامسفيما ذُكر من تعنت ابن حبان في باب الجرح في مقابل ما وُصف به من التساهل في باب التوثيق

- ‌الأمر السادسفي تفسير بعض الألفاظ التي يطلقها ابن حبان في كتاب "الثقات

- ‌أولاً: قوله: ربما أخطأ، وربما خالف، ونحوهما:

- ‌ثانيًا: قوله: يغرب:

- ‌ثالثًا: قوله: يخطىء ويخالف:

- ‌الأمر السابعفي شرائط ابن حبان في تصحيح الأخبار

- ‌الأمر الثامنفي النظر في طبقة شيوخ وشيوخ شيوخ ابن حبان

- ‌1 - طبقة شيوخ ابن حبان:

- ‌2 - طبقة شيوخ شيوخ ابن حبان:

- ‌الأمر التاسعأمثلة لما أُخذ على ابن حبان في توثيقه لمَنْ ضَعَّفَهُ في موضع آخر

- ‌الحاكم صاحب "المستدرك

- ‌المطلب الأولشرط الحاكم في كتابه "المستدرك

- ‌المطلب الثانيتناقضه في إخراج أحاديث في "المستدرك" بأسانيد قد وَهَّنَ هو بعض رجالها في مواضع أخرى

- ‌المطلب الثالثالبحث في القَدْر الذي أصاب الحاكم فيه التساهُل في "المستدرك"، والسبب في ذلك

- ‌المطلب الرابع:منزلته في التوثيق والتصحيح

- ‌ابن القطان صاحب "بيان الوهم والإيهام

- ‌الأمر الأولقول المعلمي فيما وقع لابن القطان من التصحيف في أسماء الرواة

- ‌الأمر الثانيما زدتُّه من بعميه الفوائد والنكات الحديثية المتعلقة بكتاب "بيان الوهم والإيهام

- ‌نماذج من مناقشات واعتراضات بعض الحفاظ على ابن القطان في جانب نقده للرواة

- ‌1 - الرد عليه في رميه هشام بن عروة بالاختلاط والتغير:

- ‌2 - الاعتراض عليه في إطلاق التجهيل على من لم يَطَّلِعْ على حاله من الرواة مع مناقشة هذا الاعتراض:

- ‌3 - عدم معرفة ابن القطان بأئمة كبار:

- ‌4 - الاعتراض عليه في ذهابه إلى أن انفراد الثقات أو اختلافهم لا يضر:

- ‌5 - الاعتراض على ابن القطان في إيطاله لكثير من تعليلات النقاد بأنواع من التجويزات والاحتمالات العقلية:

- ‌6 - الاعتراض عليه في رده مراسيل الصحابة:

- ‌تعليق مجمل على ما سبق

- ‌الضياء المقدسي صاحب "المختارة

- ‌الأمر الأولقول المعلمي في تصحيحٍ للضياء

- ‌الأمر الثانيما زدتُّه من بعض الفوائد والنكات المتعلقة بإخراج الضياء المقدسي للحديث في كتابه "المختارة" وتصحيحه له بناء على ذلك

- ‌1 - مدح كتابه لا سيما عند مقارنته بـ "مستدرك الحاكم

- ‌2 - تصحيحه ما لم يُسبق إليه:

- ‌3 - بعض ما انتقده الحفاظ عليه في "المختارة

- ‌أبو عوانة

- ‌الأمر الأولقول المعلمي في أبي عوانة والمستخرجات بصفة عامة

- ‌الأمر الثانيما زدتُّه من بعض النماذج التي وقفت عليها مما يؤيد تلك المعاني التي شرحها المعلمي

- ‌الخطيب البغدادي

- ‌الأمر الأولالنظر في عقيدته وتقرير أنه كان على مذهب السلف

- ‌الأمر الثانيالنظر في مذهبه في الفروع

- ‌الأمر الثالثحول اختصاصه بالبغداديين

- ‌الأمر الرابعحول انفراده بالرواية عن الرجل وتصديقه إياه

- ‌الأمر الخامستثبته واحتياطه

- ‌الأمر السادسعادته في "تاريخه" التعويل فيما يورده من الجرح والتعديل على الكلام المؤخر في الترجمة

- ‌الأمر السابعالإشارة إلى وَهَن الراوي بإيراد الأحاديث الشاذَّة والمنكرة في ترجمته من "التاريخ

- ‌ابن الجوزي

- ‌الأمر الأولالنظر في عقيدته

- ‌الأمر الثانيالتنبيه على أنه لا يُعلم أنه يلتزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، والتنبيه على كثرة أوهامه في تصانيفه

- ‌الأمر الثالثكشف ما في كلامه في الخطيب من التجني والتحامل

- ‌ابن عدي

- ‌الأمر الأولذكره الأحاديث في ترجمة الرجل مع أن الحمل فيها على غيره واعتذار المعلمي عنه في بعض المواضع

- ‌الأمر الثانيالنظر في جواب المعلمي على رمي ابن عدي رجلا بالسرقة من أجل حديث واحد لا يتبين الحمل فيه عليه

- ‌الأمر الثالثمعنى قوله في التراجم: أرجو أنه لا بأس به

- ‌الدارقطني

- ‌البيهقي

- ‌الأمر الأولبيان عذر البيهقي في إخراج أحاديث البخاري وغيره بإسناد البيهقي إليهم، ونسبتها إليهم مع وجود خلاف في اللفظ

- ‌الأمر الثانيجواب الشيخ المعلمي عن قول البيهقي في حماد بن سلمة

- ‌الأمر الثالثمقارنة البيهقي بابن حبان والخطيب في معرفة دقائق هذا الفن

- ‌ابن قانع

- ‌وصفه الشيخ المعلمي

- ‌ نماذج مما تعقب فيه ابنُ حجر ابنَ قانع:

- ‌الدولابي

- ‌ نعيم بن حماد

- ‌ حماد بن سلمة

- ‌العقيلي

- ‌مسلمة بن القاسم الأندلسي

- ‌أبو الفتح الأزدي

- ‌السليماني

- ‌السيوطي

- ‌ابن التركماني

- ‌ابن سعد

- ‌ابن شاهين

- ‌ابن يونس

- ‌أبو الشيخ الأصبهاني

- ‌السُّلَمي

- ‌ابن طاهر

- ‌رزين بن معاوية العبدري

- ‌النووي

- ‌ابن تيمية

- ‌ابن السبكي

- ‌سبط ابن الجوزي

- ‌ابن فُورَك

- ‌ابن الثلجي

- ‌ابن قتيبة

- ‌ابن خراش

- ‌ابن نمير

- ‌عثمان بن أبي شيبة

- ‌دحيم

- ‌العجلي

- ‌ابن أبي خيثمة

- ‌ابن محرز

- ‌موسى بن عقبة

- ‌الحكيم الترمذي

- ‌بدر الدين العيني

- ‌ياقوت الحموي

- ‌الحسن بن صالح بن حي

- ‌الإمام أبو حنيفة

- ‌أبو بكر الرازي

- ‌عبد القادر القرشي

- ‌ابن خالويه

- ‌أبو الحسن الأشعري

- ‌الدميري

- ‌أبو جعفر الإسكافي

- ‌الثعالبي

- ‌الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب

- ‌ابن دحية

- ‌محمد بن مخلد أبو عبد الله العطار

- ‌ابن أبي الحديد

- ‌محمد رشيد رضا

- ‌الأمر الأولمناقشته في قضية خطيرة نسبها إلى أبي حامد الغزالي، وهو منها براء

- ‌الأمر الثانيالرَّدُّ عليه في قوله إن النهي عن كتابة الأحاديث متأخر عن الإذن بالكتابة

- ‌الأمر الثالثالجواب عما زعمه هو وأبو رية من تصديق النبي للمنافقين والكفار في أحاديثهم لعدم علمه بالغيب

- ‌الأمر الرابعهل السنة تنسخ القرآن أم لا

- ‌المدعو مسعود بن شيبة

الفصل: ‌أبو حاتم الرازي

‌أبو حاتم الرازي

(ت 277 هـ)

ص: 151

يتعلق بأبى حاتم هاهنا أمر واحد، وهو ما اشتهر عنه لدى كثير من المتأخرين مِن وَصْفهِ بالتشدد أو التعنت في باب الجرح، وقد جاء وصفُهُ بذلك في كلام الشيخ المعلمي، أُورِدُهُ أولًا، ثم أنظرُ في ذلك إجمالًا.

1 -

قال الشيخ المعلمي في "التنكيل"(1/ 350):

"معروف -يعني أبا حاتم- بالتشدد، قد لا تقِلُّ كلمةُ (صدوق) منه عن كلمة (ثقة) من غيره؛ فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة (صدوق) في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه هذا هو الغالب". اهـ.

2 -

وبنحوه في (1/ 325).

3 -

وقال في ترجمة: نعيم بن حماد من "التنكيل"(1/ 495):

"وقال أبو حاتم مع تشدده: صدوق".

4 -

ومثله في ترجمة: محمد بن كثير العبدي منه (1/ 467).

5 -

وقال في ترجمة محمد بن بشار بندار (1/ 430):

"ثقة جليل، وثقه أبو حاتم مع تشدده".

ص: 153

قال أبو أنس:

نظرت هنا إجمالا في وصف أبي حاتم بالتشدد في باب الجرح:

فأقول:

"قسَّم الذهبيُّ المتكلمين في الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام:

قِسْمٍ منهم: متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، قال: فهذا إذا وَثَّقَ شخصًا، فَعَضَّ قوله بنواجذك، وتَمَسَّكْ بتوثيقه، وإذا ضَعَّفَ رجلا، فانظر: هل وافقه غيرُه على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثِّقْ ذاك الرجل أحدٌ من الحُذَّاقِ، فهو ضعيف، وإن وَثَّقَهُ آخر، فهذا هو الذي قالوا: لا يُقبل فيه الجرحُ إلا مفسَّرا؛ يعني لا يكفي فيه قولُ ابنِ معين مثلا: هو ضعيف -ولم يوضح سببَ ضعفه- ثم يجيءُ البخاري وغيره يوثقه، ومثل هذا يُختلفُ في تصحيح حديثه وتضعيفه.

وقسمٍ منهم يتسمَّح، كالترمذي والحاكم.

وقسمٍ معتدل، كأحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي". اهـ.

ولم يُسَمِّ الذهبيُّ من القسم الأول أحدًا هنا، لكنه ذكر بعد ذلك طبقات من تكلموا في الجرح والتعديل، فبلغ: عبد الرحمن بن يوسف بن خراش البغدادي فقال: "له مصنَّف في الجرح والتعديل، قويُّ النَّفَس كأبي حاتم".

وقد نعت الذهبي جماعةً بذلك في كتابه "الميزان".

فمن هؤلاء:

1 -

يحيى بن سعيد القطان:

وصفه الذهبي بـ "متعنت جدًّا في الرجال" في ترجمة: سفيان بن عيينة رقم (3327)، وقال في ترجمة: سيف بن سليمان المكي رقم (3636): "حدث يحيى القطان مع تعنته عن سيف".

ص: 154

2 -

ابن حبان البستي:

وصفه الذهبي بـ "الحشاف -أو الخساف- المتهور" في ترجمة: محمد بن الفضل السدوسي عارم رقم (8057)، وقال في ترجمة: سويد بن عمرو الكلبي رقم (3624): "أسرف واجترأ"، وفي ترجمة: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي رقم (5532): "يُقَعْقِعُ كعادته".

3 -

ابن القطان الفاسي:

ترجم له الذهبي وقال: "تعنَّتَ في أحوال الرجال، فما أَنْصَفَ، بحيث إنه أخذ يُلَيِّنُ هشامَ بن عروة، ونحوه".

4 -

وقد حملَ الذهبي جدًّا على العقيلي بسبب ترجمته لـ: علي بن المديني، في كتابه "الضعفاء"، فقال عند ذكر ابن المديني رقم (5874):

"ذكره العقيلي في كتاب "الضعفاء"، فبئس ما صنع

أفما لك عقلٌ يا عقيليُّ، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقاتٍ كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له وأكمل لرتبته وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك

". اهـ.

ولم أر الذهبي يصف أبا حاتم بالتشدد إلا في موضعين -على كثرة ما نقل عنه في كتبه:

ص: 155

الأول: في ترجمة عاصم بن علي الواسطي شيخ البخاري من "الميزان"(4058) قال الذهبي: "هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق" اهـ. يقوي بذلك تعديلَه على مَنْ ليَّنَهُ.

الثاني: في ترجمة طالوت بن عباد من "السير"(11/ 26) قال: "حَسْبُكَ بقول المتعنّت في النقد أبي حاتم فيه اهـ. يعني قوله: صدوق. يردُّ بذلك على ابن الجوزي في قوله: "ضعَّفه علماء النقل".

ويلاحظ في هذين المثالين أن وصف الذهبي لأبي حاتم بالمتعنت، ليس ردًّا لقوله بسبب العنت، وإنما هو من باب: إذا وَثَّقَ المتعنِّتُ أحدًا فعض عليه بالنواجذ، وهو يوافق كلمة الشيخ المعلمي التي نقلناها آنفا أن كلمة "صدوق" من أبي حاتم قد لا تقل عن كلمة "ثقة" من غيره.

ولم أر الذهبي ردّ قولا لأبي حاتم من أجل تعنته.

بل إن الذهبي اعتمد على أبي حاتم في ذكر المجاهيل من الرواة بقوله فيهم: "مجهول"، حتى إنه يقول هذا في تراجم "الميزان"، ولا يذكر قائله، وهو قول أبي حاتم في "الجرح"، كما صرح بذلك الذهبي في ترجمة: أبان بن حاتم الأملوكي من "الميزان" رقم (4) فقال:

"اعلم أن كل من أقول فيه "مجهول" ولا أسنده إلى قائلٍ، فإن ذلك هو قول أبي حاتم فيه، وسيأتي من ذلك شيء كثير جدًّا، فاعلمه، فإن عزوته إلى قائله، كابن المديني وابن معين، فذلك بَيِّنٌ ظاهرٌ، وإن قلت: "فيه جهالة" أو: "نكرة" أو: "يجهل" أو: "لا يعرف"، وأمثال ذلك، ولم أعزه إلى قائلٍ فهو مِنْ قِبَلي". اهـ.

لكن قال الذهبي في ترجمة أبي زرعة من "السير"(13/ 81):

ص: 156

"يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يَبِينُ عليه الورعُ والمَخْبَرَةُ، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جَرَّاح". اهـ.

إلا أنه لا يدل على التشدد، بل على أنه أجرأ على جرح من يراه مستحقا لذلك من الرواة، والله أعلم

أما الحافظ ابن حجر، فقد قال في ترجمة: محمد بن أبي عدي البصري من مقدمة "الفتح"(ص 463): "من شيوخ أحمد، قال عمرو بن علي: أحسن عبد الرحمن بن مهدي الثناء عليه، وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: ثقة، وفي "الميزان" أن أبا حاتم قال: لا يحتج به، فينظر في ذلك، وأبو حاتم عنده عَنَت، وقد احتج به الجماعة". اهـ.

قلت: مع النظر الذي أشار إليه ابن حجر، وثبوت توثيق أبي حاتم له، لا يتجه وصفه بالعنت هنا.

ولو ثبتت هذه العبارة عن أبي حاتم، لدَلَّتْ على درجة التوثيق التي عناها؛ لأن الثقة درجات، كما هو معلوم.

وقال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح":

"كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه، ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد منه، ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري وأبو حاتم أشد من البخاري". اهـ.

أقول:

بالنسبة للرابعة، فربما بناها ابن حجر على: تجهيلِ أبي حاتم لجماعةٍ مِمَّنْ أخرج لهم البخاري في "صحيحه"، أو طعنِهِ فيهم، أو إعلالِه لبعض ما أخرجه البخاري

ص: 157

فيه، وهذا لا يلزمُ، وإلا لاطَّرَدَ، فيقال مثلُهُ في جماعةٍ من الحفاظ، انتقدوا على البخاري إخراجَهُ لبعض الأحرف، أو تكلموا في بعض رجال "صحيحه"، ولا شك أن هذا غير مُسَلَّم، فهذا ابن طاهر لما قال:"شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة رجاله إلى الصحابي المشهور"، قال العراقي:"ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضعف رجالا أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين، فأجاب الحافظ ابن حجر بقوله: "تضعيف النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِهِ عن معاصرٍ، فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم، فلا

".

قلت: لاحِظْ أنه لما ضَعَّفَ النسائيُّ جماعةً من رجال الشيخين، بل وتجنب إخراجَ أحاديثهم، قيل: إنَّ له في الرجال شرطًا أشد من شرطهما، ولم يقل أحد أنه أشد تعنتا منهما، وذلك لأنها قضية تختلف فيها الأنظار، ولا شك أن أكثر ما خالف فيه النسائي -أو وافق أيضا- إنما مرجعه إلى الاجتهاد والنظر- ونَقْلُهُ في الأبواب كلامًا لغيره قليلٌ.

فكذلك الحالُ بالنسبة لأبي حاتم أو غيره من النقاد، يُجَهِّلُ أحدُهم مَنْ يَعرفُهُ غيرُه، أو يُضَعِّفُ مَنْ يُوثقُهُ غيرُه، والعكسُ بالعكسِ، ولا غضاضةَ في ذلك، ولا إشكالَ البَتَّةَ لِمَنْ تدبر كتب القوم واختلافهم فيها.

وقواعدُ النظرِ في اختلافهم، والترجيحِ بين أقوالهم: منشورةٌ في كتب الفن قديما، لا يعوز الطالبَ إلا تحصيلُ أسبابها، وليس من تلك القواعد أن تُطرحَ أقوالُ أَحدهم -لمجرد مخالفة غيره له من النقاد- بدعوى أنه متعنت، والأمرُ دائرٌ حولَ القرائن، وتابعٌ لاختلافِ الأحوال، والحججُ والدلائلُ والشواهدُ قاضيةٌ على كُلِّ دعوى.

ص: 158