الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطة العمل في هذا القسم:
لقد تتبعتُ من كلام الشيخ المعلمي: جُمَلًا وعباراتٍ تتعلق بالأئمة المذكورين، ثم صنفتُ تلك النصوص في: أبحاثٍ، وأقسامٍ، ومطالبَ، مع الأخْذِ في الاعتبارِ أنَّ الشيخَ لم يكنْ بصددِ عَملِ تراجمَ، أو شرحٍ لمناهجِ هؤلاءِ، بل جاء ذلك: إما ضمن مناقشةٍ لخصمٍ، أو ردٍّ على مخالفٍ، أو تأييدٍ لرأيٍ، فيأتي كلامُه في ذلك حسبما يقتضيه المقامُ، لكنها جاءت نُكَتا نَفِيسةً، وأبحاثا طريفةً، وإن لم يكن قاصدا بذلك الإحاطة بما يتصل بها، أو التقصي لمسائلها.
ولقد جعلتُ كلامَه: هو أصلُ البناء، وربما أضفتُ من عندي: مقدماتٍ، أو زياداتٍ، أو تفسيراتٍ، أو تأييداتٍ، أو اعتراضاتٍ، أو تعليقاتٍ، أو نحو ذلك، مما يزيد في فائدة الكتاب إن شاء اللَّه تعالى.
لكنْ هذا -مع ذلك- لم يَسْمَحْ باستيفاءِ القَولِ فيما يتعلقُ بكلِّ مذكورٍ من الأئمة؛ مراعاةً للحالِ والمقامِ، وأُحبلُ القارىء إلى سلسلتي:"التَعريفُ بمناهجِ أئمةِ أهل الأثر"، وهي قَيْدُ الجَمْعِ.
وتتلخص خطة العمل في النقاط التالية:
أولًا: استخرجتُ الفوائدَ، والأبحاثَ، والنِّكَاتِ المُتَعَلِّقَةَ بمناهج أئمة النَّقْدِ وغيرهم من المصنِّفِين في كُتُبهم، والتي جَرَى ذِكْرُها في تراجم "التنكيل" وبين ثَنَايا "الأنوار الكاشفة" وفي تحقيقات "الفوائد المجموعة" وغيرها من أعمال الشيخ المعلمي.
ثانيًا: تشتمل هذه المُسْتَخْرَجَاتُ على أمورٍ، لِكُلِّ إِمامٍ أو مُصَنِّفٍ حَظٌّ مِنْ بَعْضها:
فمنها: ما يتعلَّقُ بمذهب الإمام في قضايا التصحيح والتعليل، أو الجرح والتعديل بصفة عامَّة.
ومنها: ما يتعلقُ بطريقته في كتبه، كشرطه فيها، أو ترتيبه لها.
ومنها: ما يتعلقُ باصطلاحه في بعض الألفاظ المستعملة في هذا الفنّ.
ومنها: ما يتعلقُ بمكانة الإمام في باب النَّقْد، ومناقشةِ ما يمسُّ وَصْفَهُ بالتَّشَدُّدِ أو التَّسَاهُلِ في ذلك.
ومنها: ما يتعلقُ بمسائلَ عقائدية تختصُّ به.
ومنها: التنبيه على بعض انحرافاتٍ في الفهم أو في التصور لبعضهم.
ثالثًا: بالنسبة لترتيب إيراد الأئمة والمصنِّفين، فقد كان الأحْرَى أن يكونَ بِحَسب وَفَيَاتِهم: الأقدم فالأحدث، لكني رأيتُ أن تكون الأَوْلَوِيَّةُ في الترتيب بِحَسبِ الأهميةِ وطُولِ الأبحاثِ والنكاتِ المتعلقة بالإمام؛ لأن هذا هو المقصود لذاته هنا، بغض النظر عن قِدَم الإمام وفَضْلِهِ.
فَأَبْدَأُ غالبا:
1 -
بِمَنْ لهُ تعلقٌ بالمنهج والمصطلح، وهؤلاء قد رتبتهم على حسب أهميةِ المباحثِ وطولِها. ثُمَّ:
2 -
مَنْ ذُكِرُوا بجرحٍ أو تعديلٍ مِمَّنْ بعدهم. ثُمَّ:
3 -
بالمتأخرين مِمَّنْ له تصنيفٌ في فنٍّ من الفُنون. ثُمّ:
4 -
بأهل الأهواء والمجاهيل منهم.
والمذكورون في هذا الكتاب سبعةٌ وستونَ مُتَرجَمًا، حسبما وقع اختياري أثناءَ مطالعةِ كتبِ الشيخِ المعلمي، وربما سَيَلْفِتُ نظرَ القارىء خُلُوُّ هذه القائمةِ من: الكوثري، وأبي رية، الذَيْنِ تَبَنَّى المعلمي الردَّ عليهما في كتابيه:"التنكيل"، و"الأنوار الكاشفة"، وأبانَ عن زيغِهما فيما أظهراهُ مِنْ تَعَصُّبِ الأولِ ومتابعتِه لهواهُ،
ضاربًا بكلِّ ثوابتِ هذا العلم وقواعدِه عرضَ الحائط، مُتَعاميًا عمَّا يخالفُ مشربَهُ المبتَدعَ، لاويًا عُنُقَ النصوصِ، ودافعًا بالصَّدْرِ والتَّلْبِيسِ والتَّحْرِيفِ تحقيقاتِ النُّقَّادِ من أهلِ ذلك العلم، هذا مع الاعترافِ له بالتَّمَكُّنِ من الوصول إلى الحَقِّ لو أرادهُ، والمُوَفَّقُ من وَفَّقَهُ اللَّهُ.
ومِنْ جهلِ الثاني وضلالِهِ، ومتابعتِهِ مَنْ هُمْ على شاكلتِه مِنَ المستشرقينَ، ومَنْ نَحا نَحوهم مِنَ الكُتَّابِ والمُفَكِّرِينَ، الرَّامِينَ إلى الطَّعْنِ في السنة النبوية، السَّالِكِين في سبيلِ ذلك تمييعَ قضايا هذا العلم والتشكيكَ فيها.
وجوابُ الشيخِ المعلمي عن جميعِ ذلك وغيرِهِ منتشرٌ في الكتابيْنِ، وحالُهما في هذا العلم أوضحُ من إفرادهما بالذِّكْرِ، فلْيُطْلب من هنالك.
رابعًا: بالنسبة لِخِطَّةِ عَرْضِ الأُطْرُوحَاتِ الخاصَّة بكل إمامٍ أو مُصَنِّفٍ، فقد اختلفتْ طريقةُ تناولي لذلك في هذا القسم عن سابقه، ففى القسم الأول كان الأصلُ في صُلْبِ الكتابِ أن يكونَ مِنْ كلام الشيخ المعلمي، وما كان مِنْ إضافةٍ أو تعليقٍ مِنّي ففي حواشي الكتاب، أما فى هذا القسم، فربما اقتضى المقامُ:
1 -
أن أُقَدِّمَ بين يَدِيِّ كلام الشيخ المعلمي بِمُقَدِّمَةٍ تُعِينُ على الإِلْمام بأطرافِ الموضوع مَحَلّ الطَّرْح.
2 -
أو تخليلُ كلامِ الشيخ بشيء من التوضيح.
3 -
أو تدعيمُهُ بِنْقلٍ أو بَيَانٍ.
4 -
أو تذييلهُ بما يُكَمِّلُ فوائدَهُ ويُتَمِّمُ نَفْعَهُ.
5 -
أو تعقيبُهُ برأي مُبَايِنٍ.
فرأيت أن يكون جميعُ ذلك في صُلْب الكتاب، وقد مَيَّزْتُهُ بقولي:"قال أبو أنس".
خامسا: أكتفي بتناول ما أشار إليه أو ناقشه الشيخ المعلمي فيما يتعلق بالإمام أو المصنِّف، ويحتاج من يُترجمُ أو يَدْرسُ منهجَ الواحدِ منهم أن يُوسعَ مجالَ البحث والنَّظرِ، بحيث يشملُ جوانب أُخْرى، ولكنَّ المقامَ هنا يرتبط بما له علاقة بكلام الشيخ المعلمي، أما تلك الجوانب فلها مقامات أُخَر، وباللَّه التوفيق.
سادسا: قد كنتُ شَرَعْتُ في عَملِ ترجمةٍ لِكُلِّ إمام أو مصنِّفٍ ذُكِرَ في هذا الكتاب، تكونُ بَيْنَ يديّ ما يُطْرح بشأنه لكني لا أَميلُ لعمل التراجم التقليدية التي تُطَوِّلُ الكتاب، ولا يجهلُ المُعْتَنُون بهذا الأمرِ أكثرَ ما يَرِدُ فيها، ولو رَامُوا معرفةَ بعض ذلك لَسَهُلَ عليهم، كما أنني أرى أن أَوْلى التراجم ما يمسّ القضايا الحديثية دون مجرد سرد جوانب السيرة الذاتية للأشخاص، اللهم إلا إن كان في بعض هذه الجوانب التصاقٌ بما ذكرنا، ولذا فقد عَدَلْتُ عما كنت شرعتُ فيه إلا حينما يقتضي المقام، واللَّه الموفق.
* * *
خاتمة:
اعْلَمْ أنه لم يُصَرِّحْ أكثرُ أئمةِ الحديث -لا سيما المتقدمين منهم- بشروطهم في كتبهم، ولم يَحُدُّوا لما يُخرجونه من الحديث أو لمن يخرجون له من الرواة حَدًّا لا يَنْفَكُّون عنه.
فلم يُدَوِّنِ الأكثرُ شروطَهم ولا مناهجَهم في مصنفاتِهم، وإنما سارتْ كتبُهم في أهل الفهم والنظر، فوقفوا على مقاصدِ أصحابها، استنادًا إلى قواعدَ قدِ استقرتْ، وطرائقَ قد مُهِّدَتْ، على اختلافٍ بينهم في أمورٍ جزئيةٍ، لا يستحيلُ في العادة وقوعُها، ولا يمنعُ الاجتهادُ من حدوثِها، وصارَ لكلِّ إمامٍ منهم:"بصمةٌ" يُعرفُ بها.
فلما تَقادَمَ العَهْدُ، وطالتِ الأسانيدُ على مَنْ بعدهم: وَعَرَ الطريقُ، وطاشَتْ مَعالِمُه، وازداد الخَطْبُ، وصار الفهم عزيزًا، فاحتار الناظرون في مقاصدِ القوم واضطربتْ آراؤهم، وصارت كثيرٌ من البديهيات عند الأوائل معضلاتٍ ومبهماتٍ عند مَنْ بعدهم، وذلك بسبب قِصَرِ أنظارِهِم، وسَطْحِيَّهِ أفكارِهِم، وزادوا الطِّينَ بلة؛ فقلَّد التالي منهم المتقدمَ، ولم يُدَقِّقْ ولم يُمَحِّصْ، كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" (ص 489):
"كثير من المحدثين وغيرهم يستروحون بنقل كلام من يتقدمهم مقلِّدِين له، ويكون الأول ما أتقن ولا حرّر، بل يتبعونه تحسينًا للظن به". اهـ.
فإذا تَقَرَّرَ ما سبق، فاعلم أنه لا سبيلَ للوقوف على مقاصدِ القوم وطرائِقِهِم إلا سبيلٌ واحدٌ، ألا وهو: دراسةُ منهجِ هؤلاء من خلال ما سَطَّروا، أو سُطِّر عنهم، والسعي إلى الوقوف على التصور الصحيح لهذا الميدان الواسع الذي كانت تدور في جنباته حلقاتُ الرواية، ومحاولةُ فهمِ مسالك الرواة في تحمُّلِهم وأدائهم، وإدراكُ دلالاتِ التوثيقِ والضبطِ والاحتياطِ، وأوجهِ الخلل وأسبابِ العلل في المرويات.
وهذا -وغيره- لا يأتي إلا بالممارسةِ الطويلة، وحُسنِ الفهمِ والنظرِ، وتحصيلِ أسبابِ المَلَكَةِ، وعدمِ استعجالِ النتائج، مع سلامة النية والقصد.
وبعد:
فهذه أماراتٌ على دربٍ -يوصِّلُ إلى المراد إن شاء اللَّه- ظننتُ أنه مهجورٌ، إلا مِنْ أوزاعٍ سائرين على وَجَلٍ، لا قائدَ لهم يدلُّهم، ولا مُعينَ لهم يحتمون به، وإلى اللَّه المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وهذا أوان الشروع في المقصود، واللَّه حسبي، وهو نعم الوكيل.
وكتبه
أبو أنس إبراهيم بن سعيد الصبيحي
الدوحة - قطر
في السابع عشر من رجب الخير لعام 1430 هـ
الموافق للعاشر من يوليو لعام 2009 م
جوال: 9745788137 +
بريد إلكتروني: [email protected]