الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الرابع
ما تدل طريقة عرضه لأحاديث الباب، ولقرائن تحتف بذلك على إرادته ترجيح أحاديث على أخرى
.
نموذج (1)
الأحاديث الواردة في صفة صلاة الكسوف
.
قد اختُلف في عدد الركعات -أي الركوعات- في صلاة الكسوف، بعد الاتفاق على أنها ركعتان، وفي كل ركعة سجدتان.
فقيل: في كل ركعة ركوعان، وقيل ثلاث، وقيل أربع. فعلى الأول يكون عدد الركوعات في الصلاة: أربع، وعلى الثاني: ست، وعلى الثالث: ثمان ركوعات.
انقسم أهل العلم حيالَ ذلك إلى قسمين: قسمٍ صحَّحوا جميعَ ما ورد في ذلك، وذهبوا إلى تعدد صلاته صلى الله عليه وسلم للكسوف، فصلى في كل مرة عددا من الركوعات في الركعة بحسب طول فزة الكسوف، فإنه كان يصلي حتى تنجلي الشمس، فحكى كل صحابي ما حضره من ذلك، فصار الجميعُ سنةً يشرع الأخذ بأيٍّ منها.
من هؤلاء: إسحاق بن راهوية والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، وقوَّاه النووي في شرح مسلم.
وقسمٍ لم يصححوا إلا صفة واحدة منها، وهي الأولى، وذهبوا إلى خطأ ما عداها، واستندوا في ذلك إلى قوة وشهرة طرقها، وأنه قد ثبت في غير ما طريق منها ومن بعض الصفات الأخرى أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال في تلك المناسبة: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد
…
".
وكثير من سائر الطرق قد ثبت فيها قوله هذا دون ذكر موت إبراهيم، وهو المراد من جوابه هذا عما قد يتبادر إلى أذهان البعض أن هذا الكسوف إنما حصل لموت إبراهيم، فالتصريح بأن ذلك كان في ذلك اليوم، أو الإشارة إليه بهذا القول المذكور - يدل على أن هذه الصلاة إنما صلاها صلى الله عليه وسلم مرة واحدة بصفة واحدة فوجب المصير إلى الترجيح بين الصفات الواردة فتعين ترجيح الصفة الأولى لما ذكرنا قَبلُ من قوة طرقها وشهرة رجالها.
من هؤلاء: الشافعي، والبخاري، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن حجر.
أقول:
أما البخاري فلم يخرج سوى الأحاديث المشتملة على الصفة الأولى، وأعرض عن سائرها، فأخرج حديث عائشة من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة عنها به (1066)، وأخرج حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (1051) وحديث ابن عباس من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه به (1052).
ونقل الترمذي في العلل الكبير (ترتيبه 1/ 299) عن البخاري قوله: "أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات". اهـ.
أما مسلم فقد تجشَّم إخراجَ أحاديث الصفات الثلاث. وبتأمّل سياق مسلم لتلك الأحاديث يلاحظ ما يلي:
• أخرجَ مسلمٌ صلاةَ الكسوف لتسعة من الصحابة، بدأ بأربعةٍ منها؛ تشتمل على عدد الركوعات في كل ركعة، هؤلاء الأربعة هم الثلاثة الذين أخرج لهم البخاري كما سلف، وهم: عائشة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، يضاف إليهم: جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
أما حديث عبد الله بن عمرو، فلم يختلف الرواة فيه أنه على الصفة الأولى: أربع ركعات في أربع سجدات.
وأما الثلاثة الآخرون فقد وقع اختلافٌ للرواة في حكاية ذلك العدد في أحاديثهم، اكتفى البخاري بإيراد مَن رواه على تلك الصفة المذكورة؛ من حديث عائشة وابن عباس كما سبق، وأعرض عمن رواه على خلاف ذلك.
• أما مسلم فقد ساق هذا الخلاف على نمط واحد: يبدأ في أحاديث كل صحابي من الثلاثة المذكورين: عائشة، وابن عباس، وجابر، بمن رواه على الصفة الأولى، ثم يتبعها بمن رواه على خلاف ذلك، مع عدم خلو الأسانيد المؤخرة من علة أو مقال -وإن لم ينص هو على شيء منها صراحة- كما سيأتي.
وطريقته في عرض أحاديث تلك الصلاة ينسجم تماما مع ما صرح به في مقدمة "صحيحه" أنه يبدأ بالأحاديث التي هي أسلم من العيوب، فالأحاديث التي قدَّمها -وقد اتفق معه البخاري على إخراجها، واكتفى بها- أصحُّ أسانيدَ، وأشهرُ طرقا مما أخَّره عن ذلك.
وقد حافظ مسلم على تقديم رواية الصفة الأصلى من صلاة الكسوف على غيرها، وهذا مؤدَّاه -حسب تصريحه- أن تلك الصفة عنده أقوى من غيرها.
بل إن مسلما قد أَلْمح إلى تلك التقوية بشيء آخر -سوى ما سبق- فعلى الرغم من اشتمال أكثر تلك الأحاديث الأربعة على قول النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبة تلك الصلاة: "إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" وفي سياق واحد منها التصريح بأن ذلك كان يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم (904/ 10) فقد أعقب مسلم تلك الأحاديث الأربعة في صفة صلاة الكسوف بأحاديث خمسة من الصحابة، هم: أبو مسعود الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة ليس فيها جميعا -سوى حديث عبد الرحمن بن سمرة- إلا مقالة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة، وفي بعض طرق حديث أبي مسعود: يوم مات إبراهيم،
فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، وكذلك هو في حديث المغيرة بن شعبة - وهو آخرها، وليس في شيء منها عدد الركوعات.
فلا تظهر فائدةُ إيراد تلك الأحاديث بعد عرض أحاديث صفة الصلاة، واشتمال أكثرها على ما اشتملت عليه تلك الأحاديث إلا أن يريد مسلمٌ التنبيه على أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف كان يوم مات إبراهيم، فهى مرة واحدة لم تتكرر منه صلى الله عليه وسلم، وهذا دال على أنه يَلزم ترجيح صفة واحدة لتلك الصلاة، فتعيَّن أن تكون هي ما قدَّمه في كل رواية على ما سبق بيانه.
أقول:
هذا على سبيل الإجمال، أما على سبيل التفصيل لما ساقه مسلم من طرق هذا الباب، وما في أحاديث الصفات المخالفة للصفة الأولى من المقال، فهاك البيان:
• بدأ مسلم بحديث عائشة (901) وقد رواه عنها مشتملا على عدد الركوعات: عروة بن الزبير، والزهري، وعبيد بن عمير.
فبدأ برواية عروة من طريق مالك وعبد الله بن نمير وأبي معاوية -فرقهم- عن هشام بن عروة، عن عروة به.
ثم برواية الزهري من طريق يونس بن يزيد الأيلي عنه، ومن طريق الوليد بن مسلم قال: قال الأوزاعي وغيره: سمعمت ابن شهاب يخبر عن عروة به. ومن طريق الوليد بن مسلم: أخبرنا عبد الرحمن بن نمر أنه سمع ابن شهاب به.
ثم ذكر للزهري إسنادا آخر من طريق عبد الرحمن بن نمر أيضًا، مختصر، ومن طريق محمد بن الوليد الزبيدي عنه بمثل حديث عروة عن عائشة.
جميع ذلك من حديث عروة والزهري عن عائشة، اتفقت الرواية فيها على الصفة الأولى: أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
ثم ختمها برواية عبيد بن عمير عنها، أوردها من طريقين عن عبيد:
الأول: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: سمعت عبيد بن عمير يقول: حدثني من أصدق -حسبته يريد عائشة- أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
وفيه: ثلاث ركعات وأربع سجدات.
الثاني: من طريق معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عائشة بمثله مختصرا.
أما رواية ابن جريج عن عطاء ففيها شك فيمن سمع منه عبيد بن عمير هذا الحديث.
وأما حديث معاذ عن أبيه، فلم يشك فيه قتادة، لكن قد خولف معاذ في إسناده، فرواه وكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان عن هشام الدستوائي، فأوقفاه على عائشة، ذكره النسائي عقب حديث معاذ في "السنن الكبرى"، وكذلك أوقفه أبو داود الطيالسي عن هشام.
ومعاذ قد تُكلم في حفظه، لكن قد رواه ابن خزيمة (1382) عن محمد بن بشار عن معاذ وابن أبي عدي كلاهما عن هشام به مرفوعا، فقد تابع ابن أبي عدي معاذا.
لكن يُخشى من جمعهما أن تُحمل روايةُ أحدهما على الآخر، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن قتادة به مرفوعا، أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني"(1/ 328).
وحماد قد قال مسلم في "التمييز"(ص 218): يخطىء في حديث قتادة كثيرا.
وقد قال ابن عبد البر في "التمهيد"(3/ 307): "سماع قتادة عندهم من عطاء غير صحيح".
• ثم ثَنَّى مسلم بحديث جابر، أورده من طريقين، بدأ بطريق إسماعيل بن علية وعبد الملك بن الصباح -فرقهما- عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر به، بالصفة الأولى. ولم يختلف على أبي الزبير في رفع هذا الحديث.
ثم أتبعه مسلم بطريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر مرفوعا، وفيه: يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات
…
وهي الصفة الثانية.
فقد خالف عبدُ الملك كُلَّ من رواه عن عطاء في إسناده، فجعله عن جابر بدلا من عبيد بن عمير عن عائشة.
وفي متنه؛ إذ أن المعروف في حديث جابر: أربع ركوعات في أربع سجدات أشار إلى ذلك النسائي عقب حديث يحيى بن سعيد عن هشام في "السنن".
وفي كتاب "العلل ومعرفة الرجال" لأحمد (5123): قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول في حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر: انكسفت الشمس: خالفه ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: أخبرني من أصدق -فظننته يريد عائشة-، قال أبي: رواه قتادة، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قال أبي: أقضي بابن جريج على عبد الملك في حديث عطاء. اهـ.
• أما حديث ابن عباس -وهو ثالثها- فقد أورده من طريقين أيضا، بدأ برواية حفص بن ميسرة ومالك بن أنس -فرقهما- عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس مرفوعا بالصفة الأولى، وهي أربع ركوعات في أربع سجدات، ثم أتبعه برواية إسماعيل بن علية ويحيى بن سعيد القطان -فرقهما- عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعا بالصفة الثالثة، وهي: ثمان ركعات في أربع سجدات، وزاد مسلم بعد حديث إسماعيل بن علية: وعن عليٍّ مثل ذلك.
• أما حديث حبيب بن أبي ثابت، فقد قال ابن حبان في "الصحيح" (7/ 98):"خبر حبيب عن طاوس ليس بصحيح؛ لأن حبيبا لم يسمع من طاوس هذا الخبر".
وقال البيهقي في "سننه الكبرى"(3/ 327): "حبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس
…
وقد
روى سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس من فعله أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعا". اهـ.
• وأما حديث عليٍّ المشار إليه فهو من رواية حنش بن ربيعة، عن علي، وقد اختلف في وقفه ورفعه، كما في "السنن الكبرى" للبيهقي (3/ 329 - 330) وقد أعلَّه ابن حبان أيضا في "صحيحه"(7/ 98) بحنش راويه عن علي.
وبعد، فقد وضح المراد من عرض مسلم أحاديث ذلك الباب على النحو الذي لم يَخْتَلَّ في موضع واحد.
يبقى أنه ذكر حديث عائشة من رواية عمرة عنها، وحديث أسماء بنت أبي بكر.
أما حديث عمرة فهو بعد حديث عبيد بن عمير، لكن اقتصرت فيه على ركوعين في ركعة واحدة قالت: ثم رفع وقد تجلت الشمس. فلم تذكر ركعتين، هكذا ساقه من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عنها به، ثم ذكره من طريق عبد الوهاب، وابن أبي عمر عن سفيان كلاهما عن يحيى، ولم يسق لفظه، وإنما قال: بمثل معنى حديث سليمان بن بلال، لكن رواه الحميدي عن سفيان عن يحيى عنها بالصفة الأولى.
وأما حديث أسماء بنت أبي بكر فهو بعد حديث جابر، وذكرت فيه طول القيام جدًّا، ولم تذكر فيه عددا.
قال البيهقي في "سننه الكبرى"(3/ 326) تعقيبا على حديثي عبد الملك عن عطاء، وأبي الزبير، عن جابر: "من نظر في هاتين القصتين علم أنها قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها يوم توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اتفقت رواية عروة ابن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن -يعني من رواية الحميدي السابقة- عن عائشة، ورواية عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلاها ركعتين، في كل ركعة ركوعين.
وفي حكاية أكثرهم قوله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته" دلالةٌ على أنه إنما صلاها يوم توفي ابنه، فخطب وقال هذه المقالة ردا لقولهم: إنما كسفت لموته.
وفي اتفاق هؤلاء العدد مع فضل حفظهم دلالةٌ على أنه لم يزد في كل ركعة على ركوعين، كما ذهب إليه الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري رحمها الله تعالى". اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(2/ 532) فيما زاد على الصفة الأولى:
"لا يخلو إسنادٌ منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر، ونقل صاحب الهدي -يعني ابن القيم في زاد المعاد (1) - عن الشافعي، وأحمد، والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح
…
" ثم ذكر الأقوال الأخرى في المسألة.
أقول:
لا محيصَ من فَهْمِ طريقة مسلم في عرض تلك الروايات تقديما وتأخيرا بناءً على طريقته التي صرح هو نفسه بها -ولم يذكرها عنه أحدٌ نظرا أو استقراءً- أنه يبدأ بالأخبار التي هي أسلم من العيوب، مع قرينةِ إخراجه عقب ذلك لطرق الحديث التي تشتمل فقط على قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر
…
وفي بعضها التصريح بأن ذلك يوم مات إبراهيم كما سبق، على ما سلف شرحه ونقله عن البيهقي وغيره، مع اشتمال بعض ما قدمه من الأحاديث على هذه المعاني.
(1)(1/ 123 - 127).
فالقول بأن مسلما إنما عرض هذه الأخبار على هذا النحو في ضوء ما وعد به من زيادة البيان والإيضاح للأخبار المعلَّة: أمرٌ يتفق مع منهجه الذي صرح به، ومع إمامته في هذا الشأن، فيتفق مع جهابذة هذا الفن، وهذا أَولى وأَحْرى بالقول من مثل قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (1/ 256):
"لا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري
…
وكان من عادة البخاري إذا روى حديثا اختلف في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه.
ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه.
بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نُوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركعات كما روي أنه صلى ركعتين.
والصواب أنه لم يُصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم. وقد بيَّن ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان". اهـ.
فأقول:
إذا تحقق ما ذكرناه آنفا من تأمُّل طريقة مسلم في إخراج أحاديث هذا الباب، ظهرت موافقته لمن ذكرهم ابن تيمية، ولا يُعَدُّ هذا حينئذٍ مما نُوزع مسلم في تصحيحه، والله تعالى الهادي إلى الصواب.