الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: منهجه في إيراد اختلاف الروايات في سننه
ترتيب النسائي أحاديث عند ذكر الخلاف فيه.
يقول ابن رجب الحنبلي في "شرح العلل"(1/ 411):
"وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب، وكان قصده: ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود: فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية
…
". اهـ.
هكذا أطلق ابنُ رجب، والأمر ليس على إطلاقه؛ فقد تبين أنه قدم أحيانا الصواب وأخَّر الخطأ في عدة مواضع، منها:
كتاب الصلاة - ذكر اختلاف الناقلين لخبر زيد بن ثابت في صلاة الوسطى.
كتاب الصيام -فضل شهر رمضان- ذكر الاختلاف على الزهري فيه.
أما الشيخ المعلمي فقد صرح بأن النسائي إذا اكتفى بإيراد الطريق السالمة من العيوب، ولم يورد ما يُعكر عليها مما فيه علّة مع وجوده واشتهاره أَشْعَرَ ذلك بأنه يرى الحكم للسالمة من العلة، وأن الأخرى لا تضر.
فقد قال الشيخ في "التنكيل"(2/ 75):
"وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عند النسائي، ومحاضر بن المورع عند الدارقطني، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن جده
أنه كان يقول: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم: سهما للزبير وسهمًا لذي القربى -لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير- وسهمين للفرس.
سعيد ومحاضر من رجال مسلم، وفي كل منهما مقال.
واقتصر النسائي في باب: سهمان الخيل على هذا الحديث، ولم يتعقبه بشيء، وذاك يشعر بأنه صحيح عنده لا يضره الخلاف.
وقد رواه عيسى بن يونس عند ابن أبي شيبة، ومحمد بن بشر العبدي عند الدارقطني (ص 471)، وابن عيينة عند الشافعي كما في "مسند" بهامش "الأم"(6/ 250) ثلاثتهم، عن هشام بن يحيى مرسلا
…
".
قال أبو أنس:
قول الشيخ المعلمي: "وذاك يشعرُ
…
" ربما يقويه أن النسائي طويلُ النَّفَس في ذكر الخلاف في الأبواب، وربما ذكر أنواعًا من الخلاف قد لا تراها في كتاب آخر، فيصير تركه لخلاف مشهور ومؤثر؛ كإرسال موصول أو وقف مرفوع ونحو ذلك مُشعر بما قاله المعلمي، أو يقال: لعلَّه لم يطَّلِعْ عليه، ويؤيدُه خلوّ بعض الأبواب من أنواع من الخلاف الذي تراه في كتب الأئمة.
فكلا الطرفين يمكن رؤيتهما في سنن النسائي: طُول النَّفَس جدًّا، مع تفرده أحيانا بذكر وجوه من الخلاف، وفي المقابل: اقتصاره أحيانا على وجه واحد مع حكاية غيره وجوه أُخر.
ولذا، فالذي يظهر لي أن الترك حيئذ يصعب حَمْلُه على عدم الاعتداد أو على أنه رآه خلافا لا يضر، والساكت لا يُنسب له قولٌ إلا بقرينة قوية، والله تعالى أعلم.
* * *