الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نموذج (3)
في أول كتاب القسامة
(ص 1291):
ذكر مسلم (1669/ 1) حديث سهل بن أبي حثمة -ورافع بن خديج في بعض الطرق- قال: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر، تفرقا في بعض ما هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا، فدفنه، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وحويصة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل
…
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم -أو قاتلكم-؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عَقْلَه. اهـ.
وفي روايةٍ: فَوَداهُ مِنْ عنده.
وفي أخرى: فعقله رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عنده.
أخرجه مسلم (1669/ 1 - 4) بنحو هذه الألفاظ من طريق جماعة من الحفاظ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بُشَيْر بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة به.
ثم أخرجه (1669/ 5) من طريق عبد الله من نمير: حدثنا سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري، أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلا.
قال مسلم: وساق الحديث، وقال فيه: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة. اهـ.
أقول:
يلاحظ أن مسلمًا اكتفى بقوله: وساق الحديث -يعني سعيد بن عبيد- ولم يذكر لفظه، وذلك لأنه قد شرح ما وقع فيه من الوهم لسعيد بن عبيد في كتابه "التمييز".
ففيه (ص 191):
"مِنَ الحديث الذي نُقل على الوهم في متنه ولم يُحفظ".
ثم ساق حديث سعيد بتمامه من نفس طريق "الصحيح". وفيه بعد قوله: فوجدوا أحدهم قتيلًا: "فقلنا للذين وجدناه عندهم: قتلتم صاحبنا. قالوا: ما قتلنا ولا علمنا. قال: تجيئون بالبيّنة على الذين تدعون عليهم؟ قالوا: ما لنا ببينة. قال: فيحلفون لكم. قالوا: لا نقبل أيمان يهود. فكره رسول الله
…
".
ثم أشار إلى أنه قد رواه أبو نعيم أيضًا عن سعيد.
ورواية أبي نعيم قد أخرجها البخاري في "الصحيح"(6898) وكذا النسائي وأبو داود.
ثم قال مسلم:
"هذا خبرٌ لم يحفظه سعيد بن عُبيد على صحته، ودخله الوهم حتى أغفل موضع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهته.
وذلك أن في الخبر حُكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة: أن يحلف المدَّعُون خمسين يمينا ويستحقون قاتلهم، فأبوا أن يحلفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تبرئكم يهود بخمسين يمينا، فلم يقبلوا أيمانهم، فعند ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عَقْلَهُ. اهـ.
ثم لخص مسلم طرق هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بُشير بن يسار، بمثل ما ساقه في "الصحيح".
وزاد طرقا أخرى، ثم قال:
قد ذكرنا جملةً من أخبار أهل القسامة في الدم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلها مذكور فيها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياهم قسامة خمسين يمينا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم البَيِّنة، إلا ما ذكر سعيد من عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر، فلم يذكره.
وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة.
وغير مُشْكَلٍ على من عقل التمييز من الحفاظ من نَقَلَةِ الأخبار ومن ليس كمثلهم: أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأنا في طريق العلم وأسبابه.
فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بُشير بن يسار، لكان الأمر واضحا في أن أَوْلاهما بالحفظ: يحيى بن سعيد، ودافعٌ لما خالفه. اهـ.
ثم ذكر مسلم -استطرادا- وجوها أخرى للخلاف في متن هذا الحديث، فقال:
"غير أن الرواة قد اختلفوا في موضعين من هذا الخبر سوى الموضع الذي خالف فيه سعيد، وهو أن بعضهم ذكر في روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ المدَّعِين بالقسامة، وتلك رواية بُشير بن يسار ومن وافقه عليه، وهو أصح الروايتين.
وقال الآخرون: بل بدأ بالمدَّعَى عليهم.
والموضع الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم وَداهُ مِنْ عنده، وهو ما قال بُشير في خبره، ومن تابعه.
وقال فريق آخر: بل أغرم النبي صلى الله عليه وسلم يهودا الدية، وحديث بُشير -يعني: ابن يسار- في القسامة، أقوى الأحاديث فيها وأصحها. اهـ.
قال أبو أنس:
بهذا البيان البديع، والشرح الماتع، يتضح أن مسلما قد وفَّى بما وعد به في مقدمة "صحيحه"، وألزم نفسه به: أنه يبدأ بالأحاديث ذات الطرق والمتون الأسلم من العيوب وهي أقوى وأصح ما ورد عنده في الأبواب التي يعقدها في "صحيحه".
وما يُؤخِّرُه ليس بهذه الصفة، وربما يشتمل مع ذلك على عِلَّةٍ أو وهمٍ لبعض الرواة، تتباين وسائلُ شرحه لها، وتنبيهه عليها بحسب كل موضع وما يليق به.
ولو عُثِر على كتاب "التمييز" كاملا، لأبان عن أكثر ما أودعه مسلم في تضاعيف كتابه "الصحيح" من الصناعة الحديثية التي يرتاب فيها أو يهابها كثير من الباحثين.
وَرَأْيُ مسلمٍ في رواية سعيد بن عبيد واضحٌ من منطوق كلامه في "التمييز" أنه يراها وهما من سعيد، ومن مفهوم صنيعه في "الصحيح".
وشرح ذلك -على فرض أننا لم نقف على كلامه في "التمييز"- أنه قد ساق حُكم القسامة من خلال ما اشتهر من طريق جماعة من الحفاظ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار في ذلك، وهو البدء باستحلاف خمسين من المدَّعِين، فلما أَبَوْا عرض عليهم استحلاف مثلهم من المدَّعى عليهم.
ثم لما ذكر حديث سعيد بن عبيد، ولم يسق لفظه تاما كما فعل مع حديث يحيى، ولم يقل: مثله أو نحوه، ليدل على أنه لم يسق لفظه اختصارا، أثار ذلك هِمَّةَ الباحث لينظر في لفظ حديث سعيد من طريق مسلم، فلما وُجد في لفظه البدءُ بسؤال البينة، وعدم ذكر الخمسين في المستحلَفِين، عَلم أن مسلما لو كان يرى أن لفظ سعيد محفوظا، لما ساغ له طيُّه في معرض بيان حكمٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما لو كان لفظ سعيد موافقا للفظ يحيى.
فلما تحقق الباحث من هذه المعطيات، ترجح عنده أن مسلما قصد الإعراض عن سياق لفظ سعيد لما يراه من وهمه فيه.
وقد كان يمكن لمسلم أن يسوق لفظ سعيد بتمامه، وينبه على وهمه صراحة، لكنه قد نصب أماراتٍ تُرشد الباحث إلى مراده من ذلك، تعلم بالاستقراء والتتبع والنظر.
وإنما شَرْحُ تلك العلل وبيان أوهام الرواة موضعه كتابٌ كالتمييز له، فهذا هو مقام التفصيل، أما "الصحيح" فإنه إذا احتاج إلى شيء منه لمزيد فائدة، فإنما يسلك في ذلك طرائق عدة، ولكل مقام مقال.
وشاء الله عز وجل أن يُسَطِّرَ مسلم رأيه في كثير من الأحاديث التي احتاج إلى إيراد بعضها في "الصحيح" ليجلي طريقته التي أشار إليها في مقدمة "صحيحه"، لئلا تبقى خافيةً على من ينظر في كتابه "الصحيح"، إلا أنه قد فُقد كثر ذلك، فَوَعَرَ الطريق، واحتاج الأمر إلى مزيد بحث مع كثير من التوفيق والاحتياط.
* * *
استطراد:
أما البخاري فقد ذكروا أنه لا يذهب إلى القول بالقسامة؛ لأنها مما خالفت فيه بقيةَ الحقوق من حيث أن القاعدة: "البينة على من ادَّعَى، واليمن على من أنكر".
وقد أقام البخاري الشواهد والقرائن الدالة على مذهبه هذا، ففي باب القسامة من "صحيحه" (12/ 239 فتح) قال:
وقال الأشعث بن قيس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه". وقال ابن أبي مليكة: لم يُقِدْ بها معاوية. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة -وكان أمَّره على البصرة- في قتيلٍ وُجد عند بيت من بيوت السمانين: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يُقضي فيه إلى يوم القيامة.
ثم أخرج حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار الذي فيه: تأتون ببينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة. قال: فيحلفون.
ثم أخرج قصة سؤال عمر بن عبد العزيز للناس عن القسامة فقالوا: نقول القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء، وسؤاله لأبي قلابة، وإنكار أبي قلابة لها.
واحتجاجه فيما احتج بما ذكره -مرسلا- من قصة تشبه قصة عبد الله بن سهل ومحيصة -أو لعلها هي- وفيها أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ فقالوا: ما
يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون. قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلف. فوداه من عنده. والنَّفْل هو الحلف.
فلم يخرج البخاري في باب القسامة إلا ما يؤيد عدم القول بمقتضى القسامة الواردة في حديث يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار.
وقد أخرج مع ذلك حديث يحيى بن سعيد ومالك عن أبي ليلى في أبواب أُخر بعيدة عن باب القسامة.
أخرج الأول في باب: الصلح مع المشركين (2702) من كتاب الصلح؛ لقول سهل بن أبي حثمة: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صلح
…
" والمراد مصالحة أهلها اليهود مع المسلمن.
ثم أخرجه في باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره
…
من كتاب: الجزية والموادعة (3173) لنفس السبب.
ثم أخرجه في باب: إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال من كتاب: الأدب (6142) لقوله في الحديث: فبدأ عبد الرحمن -وكان أصغر القوم- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كَبِّرِ الكُبْرَ. قال يحيى: ليلي الكلام الأكبر.
وأخرج الثاني -حديث مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل- في باب: كتاب الحاكم إلى عُمَّاله، والقاضي إلى أمنائه من كتاب: الأحكام (7192) لقوله: "فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم -أي إلى أهل خيبر- به".
فقد أخرج الرواية المشتملة على القسامة في أربعة مواضع من "الصحيح" مُبْعدا لها عن بابها (1).
(1) قال بنحو هذا ابن المنير، نقله عنه الحافظ في "الفتح"(12/ 248 - 249).
وهذا مما تَنَوَّعَ فيه تصرفُ الشيخين في التعبير عن رأيهما في هذا الحديث.
وحديث سعيد بن عبيد قد أعله الإمام أحمد، ففي كتاب "التمهيد" لابن عبد البر (23/ 209):
"
…
وحكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه ضعف حيث سعيد بن عبيد هذا عن بشير بن يسار. وقال: الصحيح ما رواه عنه يحيى بن سعيد، وإليه أذهب". اهـ.
وقال ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم"(ص 313):
"
…
ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي؛ فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين، وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفةُ سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث، فنفض، وقال: ذاك ليس بشيء
…
وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط" اهـ.
وقال ابن القيم في "تهذيب السنن"(6/ 321):
"الصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثَنَّى بأيمان اليهود، وهذا هو المحفوظ في هذه القصة، وما سواه وهم، وبالله التوفيق.
وقد نحا البيهقي إلى الجمع بين الروايتين في ذلك، فقال في رواية سعيد بن عبيد:"كأنه أراد بالبينة: أيمان المدعين، مع اللَّوْث (1)، كما فسره يحيى بن سعيد وطالبهم بالبينة كما في هذه الرواية فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوا ردها على اليهود، كما في الروايتين جميعا (2) ". اهـ.
(1) اللوث هنا: خفاء الأمر والتواؤه، واسترخاء قيام الدليل على الدم.
(2)
نقله ابن القيم في "تهذيب السنن"، وردَّه بتصويب رواية يحيى بن سعيد، وتوهيم ما عداها، كما سبق.
وبنحو هذا قال الحافظ في "الفتح"(12/ 244).
وفي حديث القسامة يقول القاضي عياض - كما نقله عنه الحافظ في "الفتح"(12/ 245): "هذا الحديث أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به.
وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكما، وهذا مذهب: الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. اهـ.
وبعد، فالذي يعنينا هنا أصالةً فهو: كيف عَبَّر مسلمٌ عن رأيه في هذا الحديث داخل "الصحيح"، وقد اتضح ذلك، والحمد لله رب العالمين.
* * *