الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والموقف خَبره فَقلب بِأَن جعل الِاسْم خَبرا وَالْخَبَر اسْما وَالْقلب مِمَّا يشجع عَلَيْهِ عِنْد أَمن الالتباس.
وَهَذَا المصراع عجز وصدره: قفي قبل التَّفَرُّق يَا ضباعا
وَالْبَيْت مطلع قصيدة للقطامي تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا
…
تميماً بجوف الشَّام أم متساكر)
على أَن سِيبَوَيْهٍ مثل بِهِ للإخبار عَن النكرَة بالمعرفة.
وَهَذَا نَصه: اعْلَم أَنه إِذا وَقع فِي الْبَاب نكرَة وَمَعْرِفَة فَالَّذِي تشغل بِهِ كَانَ الْمعرفَة لِأَنَّهُ حد الْكَلَام وَلِأَنَّهُمَا شَيْء وَاحِد وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: ضرب رجل زيدا لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وهما فِي كَانَ بمنزلتهما فِي الِابْتِدَاء.
فَإِذا قلت: كَانَ زيد فقد ابتدأت بِمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْده مثله عنْدك وَإِنَّمَا ينْتَظر الْخَبَر. فَإِذا قلت: حَلِيمًا فقد أعلمته مثل مَا علمت. فَإِذا قلت: كَانَ حَلِيمًا فَإِنَّمَا ينْتَظر أَن تعرفه صَاحب الصّفة فَهُوَ مبدوء بِهِ فِي الْفِعْل وَإِن كَانَ مُؤَخرا فِي اللَّفْظ. فَإِن قلت: كَانَ حَلِيم
أَو رجل فقد بدأت بنكرة فَلَا يَسْتَقِيم أَن تخبر الْمُخَاطب عَن المنكور. وَلَا يبْدَأ بِمَا فِيهِ يكون اللّبْس وَهُوَ النكرَة.
أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: كَانَ حَلِيمًا أَو كَانَ رجل مُنْطَلقًا كنت تلبس لِأَنَّهُ لَا يستنكر أَن يكون إِنْسَان هَكَذَا. فكرهوا أَن يبدؤوا باللبس ويجعلوا الْمعرفَة خَبرا
لما يكون فِي هَذَا اللّبْس.
وَقد يجوز فِي الشّعْر فِي ضعف من الْكَلَام. حملهمْ على ذَلِك أَنه فعل بِمَنْزِلَة ضرب وَأَنه قد يعلم إِذا ذكرت زيدا وَجَعَلته خَبرا أَنه صَاحب الصّفة على ضعف من الْكَلَام.
وَذَلِكَ قَول خِدَاش بن زُهَيْر: الوافر
(فَإنَّك لَا تبالي بعد حول
…
أظبي كَانَ أمك أم حمَار)
وَقَالَ حسان: الوافر
(كَأَن سبيئة من بَيت رَأس
…
يكون مزاجها عسل وَمَاء)
وَقَالَ أَبُو قيس بن الأسلت الْأنْصَارِيّ: الوافر وَقَالَ الفرزدق:
(أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا
…
تميماً بجوف الشَّام أم متساكر)
فَهَذَا إنشاد بَعضهم.
وَأَكْثَرهم ينصب بالسكران وَيرْفَع الآخر على قطع وَابْتِدَاء. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.)
وَقَوله: وَأَكْثَرهم ينصب السَّكْرَان أَي: وَيرْفَع ابْن المراغة على أَنه اسْم كَانَ وَيكون الْخَبَر مقدما وَهُوَ سَكرَان. وعَلى هَذَا لَا قبح.
وَقَوله: وَيرْفَع الآخر هُوَ متساكر وَيكون رَفعه على الْقطع بجعله خبر
مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أم هُوَ متساكر فَتكون أم مُنْقَطِعَة.
وَإِذا رفع سَكرَان وَنصب ابْن المراغة وَهَذِه مَسْأَلَتنَا فَفِيهِ قبح لضَرُورَة الشّعْر لِأَنَّهُ جعل اسْم كَانَ ضمير سَكرَان وَهُوَ نكرَة وَيكون ابْن المراغة خبر كَانَ فَيكون قد أخبر بِمَعْرِِفَة عَن نكرَة ويرتفع سَكرَان حِينَئِذٍ بكان محذوفة كَمَا يَأْتِي بَيَانه
وَيكون متساكر مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وعَلى هَذَا أم مُتَّصِلَة وَيكون الْعَطف من عطف مُفْرد على مُفْرد وَالْجُمْلَة وَاحِدَة. وعَلى الأول جملتان.
وَإِنَّمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَأورد سِيبَوَيْهٍ للتمثيل بالإخبار عَن النكرَة بالمعرفة وَلم يقل: اسْتشْهد للإخبار لِأَن سِيبَوَيْهٍ لم يذهب إِلَى أَن هَذَا جَائِز فِي الِاخْتِيَار حَتَّى يستشهد لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَبِيح خَاص بالشعر لم يرتضه فِي الْكَلَام. فأورد هَذِه الأبيات أَمْثِلَة لما استقبحه فِي الشّعْر.
وَقد رُوِيَ رفع ابْن المراغة مَعَ رفع سَكرَان فَيكون الْمُعَرّف على هَذَا مُبْتَدأ وَالْمُنكر خَبرا وَكَانَ زَائِدَة.
وَجوز ابْن خلف أَن يضمر فِي كَانَ ضمير الشَّأْن. وَهَذَا خطأ تبع فِيهِ يُوسُف بن السيرافي فِي شَرحه لشواهد سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ ابْن هِشَام: وَضمير الشَّأْن يعود على مَا بعده لُزُوما وَلَا يجوز للجملة المفسرة لَهُ أَن تتقدم هِيَ وَلَا شَيْء مِنْهَا عَلَيْهِ.
وَقد غلظ يُوسُف بن السيرافي إِذْ قَالَ فِي قَوْله: أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا الْبَيْت
فِيمَن رفع سَكرَان وَابْن المراغة: إِن كَانَ شأنية وَابْن المراغة وسكران مُبْتَدأ وَخَبره وَالْجُمْلَة خبر كَانَ. وَالصَّوَاب أَن كَانَ زَائِدَة.
وَالْأَشْهر فِي إنشاده نصب سَكرَان وَرفع ابْن المراغة فارتفاع متساكر على نه خبر لَهو محذوفاً. ويروى بِالْعَكْسِ فاسم كَانَ مستتر فِيهَا. انْتهى.
قَوْله: أسكران رفع بِفعل مُضْمر تكون كَانَ تَفْسِيرا لَهُ ودليلاً عَلَيْهِ. وَحسن الرّفْع فِي هَذَا)
لموْضِع لِأَن التَّقْدِير: أَكَانَ سَكرَان ابْن المراغة فاستفهم عَن سكره لَا عَنهُ فِي نَفسه. وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ الأولى أَن يرفع لِأَن النكرَة لما دَخلهَا هَذَا
الْمَعْنى من أَن الْقَصْد إِنَّمَا وَقع إِلَيْهَا وَجب أَن يكون الرّفْع فَترفع بكان. وَكَذَلِكَ قَول الآخر: أظبي كَانَ أمك أم حمَار انْتهى.
وَمثله لِابْنِ جني فِي الخصائص قَالَ: وَقد حذف خبر كَانَ فِي قَوْله: أسكران كَانَ ابْن المراغة الْبَيْت أَلا ترى أَن تَقْدِيره: أَكَانَ سَكرَان ابْن المراغة فَلَمَّا حذف الْفِعْل فسره بِالثَّانِي وَابْن المراغة الْمَذْكُور خبر كَانَ الظَّاهِرَة وَخبر كَانَ المضمرة مَحْذُوف مَعهَا لِأَن كَانَ الثَّانِيَة دلّت على الأولى.
وَكَذَلِكَ الْخَبَر الثَّانِي الظَّاهِر دلّ على الْخَبَر الأول الْمَحْذُوف. انْتهى.
وَزعم ابْن الملا الْحلَبِي فِي شرح الْمُغنِي أَن سَكرَان مُبْتَدأ. قَالَ:
وَصحت ابتدائيته مَعَ نكارته لوُقُوعه فِي حيّز الِاسْتِفْهَام وَأَن جملَة كَانَ ابْن المراغة خَبره. هَذَا كَلَامه.
وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا. وَأَرَادَ بِابْن المراغة جَرِيرًا وَكَانَ الفرزدق قد لقب أمه بالمراغة ونسبها إِلَى أَنَّهَا راعية حمير. والمراغة: الأتان الَّتِي لَا تمْتَنع من الفحول. وَإِذ: ظرف يتَعَلَّق بكان وفاعل هجا ضمير ابْن المراغة.
وَأَرَادَ بتميم هَاهُنَا: بني دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة وهم رَهْط الفرزدق وَجَرِير من رَهْط كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة.
فَلم يعْتد الفرزدق برهط جرير فِي تَمِيم احتقاراً لَهُم. وَأَرَادَ بجوف الشَّام: داخلها.
وروى أَبُو عَليّ وَابْن جني وَغَيرهمَا: بِبَطن الشَّام وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ: بجو الشَّام وَهَذَا تَحْرِيف.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وانشد بعده: الوافر
(فَإنَّك لَا تبالي بعد حول
…
أظبي كَانَ أمك أم حمَار)
لما تقدم قبله.
فاسم كَانَ ضمير ظَبْي وَهُوَ نكرَة وأمك بِالنّصب خَبَرهَا وَهُوَ معرفَة. وظبي اسْم لَكَانَ)
المضمرة الْمَدْلُول علها بكان الْمَذْكُورَة وَهُوَ نكرَة أَيْضا وَخبر المحذوفة مَحْذُوف أَيْضا مَدْلُول عَلَيْهِ بِخَبَر الْمَذْكُورَة كَمَا تقدم عَن ابْن جني.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي الأول أولى لِأَن همزَة الِاسْتِفْهَام بالجمل
الفعلية أولى مِنْهَا بالاسمية.
وَعَلَيْهِمَا فاسم كَانَ ضمير رَاجع إِلَيْهِ.
وَقَول سِيبَوَيْهٍ إِنَّه أخبر عَن النكرَة بالمعرفة وَاضح على الأول لِأَن ظَبْيًا الْمَذْكُور
اسْم كَانَ وَخَبره أمك وَأما على الثَّانِي فخبر ظَبْي إِنَّمَا هُوَ الْجُمْلَة والجمل نكرات وَلَكِن يكون مَحل الاستشهاد قَوْله: كَانَ أمك على أَن ضمير النكرَة عِنْده نكرَة. انْتهى.
وَذهب صَاحب الْمِفْتَاح إِلَى أَن تنكير الْمسند إِلَيْهِ غير مَوْجُود بالاستقراء. وَأما هَذَا الْبَيْت وَنَحْوه فتنكير الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فِي ظَبْي إِذا ارْتَفع بالمضمر لَا فِي ضمير كَانَ الْعَائِد عَلَيْهِ. وَهُوَ وراد على الْقلب وَالْأَصْل: أظبياً كَانَ أمك أم حمارا قَالَ: إِن كَون الْمسند إِلَيْهِ نكرَة والمسند معرفَة سَوَاء قُلْنَا: يمْتَنع عقلا أَو يَصح عقلا لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب وَأما مَا جَاءَ من نَحْو قَوْله: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَقَوله: يكون مزاجها عسل وَمَاء أظبي كَانَ أمك أم حمَار
فَمَحْمُول على منوال: عرضت النَّاقة على الْحَوْض. وأصل الِاسْتِعْمَال: وَلَا بك موقفا مِنْك الْوَدَاع وَيكون مزاجها عسلاً وَمَاء وأظبياً كَانَ أمك أم حمارا.
وَلَا تَظنن بَيت الْكتاب خَارِجا عَمَّا نَحن فِيهِ ذَهَابًا إِلَى أَن اسْم كَانَ هُوَ الضَّمِير وَالضَّمِير معرفَة فَلَيْسَ المُرَاد كَانَ أمك وَإِنَّمَا المُرَاد ظَبْي بِنَاء على أَن ارتفاعه
بِالْفِعْلِ الْمُفَسّر لَا بِالِابْتِدَاءِ.
وَلذَلِك قَدرنَا الأَصْل على مَا ترى. انْتهى.
وَاخْتَارَ السعد فِي المطول هَذَا الْأَخير فَلَيْسَ فِيهِ قلب لَفْظِي وَإِنَّمَا يكون فِيهِ قلب معنوي.
قَالَ: قيل: إِنَّه قلب من جِهَة اللَّفْظ بِنَاء على أَن ظَبْي مَرْفُوع بكان الْمقدرَة لَا بِالِابْتِدَاءِ فَصَارَ الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة.)
وَالْحق أَن ظَبْي مُبْتَدأ وَكَانَ أمك خَبره فَحِينَئِذٍ لَا قلب فِيهِ من جِهَة اللَّفْظ لِأَن اسْم كَانَ ضمير وَالضَّمِير معرفَة. نعم فِيهِ قلب من جِهَة الْمَعْنى لِأَن الْمخبر عَنهُ فِي الأَصْل هُوَ الْأُم.
انْتهى.
وَيشْهد للقلب مَا رَوَاهُ ابْن خلف فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وَقد ينشد: أظبياً كَأَن أمك أم حمَار على أَنه جعل اسْم كَانَ معرفَة وخبرها نكرَة فَهَذَا جيد إِلَّا أَنه كَانَ يجب أَن ينصب حمَار لِأَنَّهُ مَعْطُوف على ظَبْي. فَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ.
قَالَ الْمبرد فِي كِتَابه الْجَامِع: والأجود فِي هَذِه الأبيات نصب الْأَخْبَار الْمُقدمَة وَرفع المعارف وَرفع القوافي على قطع وَابْتِدَاء. انْتهى.
وَالْبَيْت من أَبْيَات لثروان بن فَزَارَة العامري الصَّحَابِيّ وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.