الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده: فيا لَك من ليل هَذَا أَيْضا من بَيت وَهُوَ: الطَّوِيل
(فيا لَك من ليلٍ كَأَن نجومه
…
بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا
…
فَنعم الزَّاد زَاد أَبِيك زادا)
على أَنه قد يَجِيء بعد الْفَاعِل الظَّاهِر تَمْيِيز للتوكيد.
قَالَ ابْن يعِيش: اخْتلف الْأَئِمَّة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَمنع سِيبَوَيْهٍ من ذَلِك وَأَنه
لَا يُقَال: نعم الرجل رجلا زيد وَكَذَلِكَ السيرافي وَابْن السراج وَأَجَازَهُ الْمبرد وَأَبُو عَليّ.
وَاحْتج فِي ذَلِك سِيبَوَيْهٍ بِأَن الْمَقْصُود من الْمَرْفُوع والمنصوب الدّلَالَة على الْجِنْس وَأَحَدهمَا كَاف عَن الآخر. وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك رُبمَا أوهم بِأَن الْفِعْل الْوَاحِد لَهُ فاعلان وَذَلِكَ إِن رفعت اسْم الْجِنْس بِأَنَّهُ فَاعل.
وَإِذا نصبت النكرَة بعد ذَلِك آذَنت بِأَن الْفِعْل فِيهِ ضمير فَاعل لِأَن النكرَة المنصوبة لَا تَأتي إِلَّا كَذَلِك.
وَحجَّة الْمبرد فِي الْجَوَاز الغلو فِي الْبَيَان والتأكيد وَالْأول أظهر.
تزَود مثل زَاد أَبِيك
…
...
…
... . إِلَخ فَإِن الْمبرد أنْشدهُ شَاهدا على مَا ادّعى من جَوَاز ذَلِك. فَإِن رفع الزَّاد الْمُعَرّف بِاللَّامِ بِأَنَّهُ فَاعل)
نعم وَزَاد أَبِيك هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح وَزَادا تَمْيِيز وَتَفْسِير فَالْقَوْل عَلَيْهِ أَنا لَا نسلم أَن زاداً مَنْصُوب بنعم وَإِنَّمَا هُوَ مفعول بِهِ بتزود وَالتَّقْدِير: تزَود زاداً مثل زَاد أَبِيك فِينَا فَلَمَّا قدم صفته عَلَيْهِ نصبها على الْحَال.
وَيجوز أَن يكون مصدرا مؤكداً مَحْذُوف الزَّوَائِد وَالتَّقْدِير: تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا تزوداً.
وَيجوز أَن يكون تمييزاً لمثل كَمَا يُقَال: مَا رَأَيْت مثله رجلا. وعَلى تَقْدِير أَن يكون الْعَامِل فِيهِ نعم فَإِن ذَلِك من ضَرُورَة الشّعْر وَلَا يَجْعَل قِيَاسا.
وَمثله قَول الآخر: الوافر
(ذَرِينِي أصطبح يَا بكر إِنِّي
…
رَأَيْت الْمَوْت نقب عَن هِشَام)
(تخبره وَلم يعدل سواهُ
…
وَنعم الْمَرْء من رجل تهامي)
فَقَوله: من رجل كَقَوْلِه رجلا لِأَن من تدخل على التَّمْيِيز. وَذَلِكَ كُله من ضَرُورَة الشّعْر.
وَقَالَ ابْن جني فِي الخصائص: إِن الرجل من نَحْو قَوْلهم: نعم الرجل زيد غير الْمُضمر فِي نعم إِذا قلت: نعم رجلا زيد لِأَن الْمُضمر
على شريطة التَّفْسِير لَا يظْهر وَلَا يسْتَعْمل ملفوظاً بِهِ.
وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَذَا بَاب مَا لَا يعلم فِي الْمَعْرُوف إِلَّا مضمراً أَي: إِذا فسر بالنكرة نَحْو: نعم رجلا زيد فَإِنَّهُ لَا يظْهر أبدا. وَإِذا كَانَ كَذَلِك علمت زِيَادَة الزَّاد فِي قَول جرير: تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا
…
...
…
... الْبَيْت وَذَلِكَ أَن فَاعل نعم مظهر فَلَا حجَّة بِهِ إِلَى أَن يُفَسر. فَهَذَا يسْقط اعْتِرَاض الْمبرد على صَاحب الْكتاب فِي هَذَا الْموضع. اه.
وَهَذَا جَوَاب خَامِس.
وَقَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: منع سِيبَوَيْهٍ الْجمع بَين التَّمْيِيز وَالْفَاعِل الظَّاهِر وَأَجَازَ ذَلِك الْمبرد والفارسي. قَالَ المُصَنّف: وَهُوَ الصَّحِيح. اه.
وبالجواز قَالَ ابْن السراج. وَفصل بَعضهم فَقَالَ: إِن أَفَادَ التَّمْيِيز معنى لَا يفِيدهُ الْفَاعِل جَازَ نَحْو: نعم الرجل رجلا فَارِسًا زيد وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ المُصَنّف: وَالْحَامِل لسيبويه على الْمَنْع كَون التَّمْيِيز فِي الأَصْل مسوقاً لدفع الْإِبْهَام والإبهام إِذا ظهر الْفَاعِل زائل فَلَا حَاجَة إِلَى التميز. وَهَذَا الِاعْتِبَار يلْزم مِنْهُ منع التَّمْيِيز فِي كل مَا لَا إِبْهَام فِيهِ كَقَوْلِك: عِنْدِي من الدَّرَاهِم عشرُون درهما. وَمثل هَذَا جَائِز بِلَا خلاف. اه.)
وَمَا ذكره من أَن الْحَامِل لسيبويه مَا ذكر لَيْسَ هُوَ فِي كِتَابه. وَفرق بَين نعم رجل رجلا يزِيد وَبَين: لَهُ من الدَّرَاهِم عشرُون درهما وَنَحْوه بِأَن عشْرين وأمثالها
محتاجة إِلَى التَّمْيِيز فِي الأَصْل بِخِلَاف نعم الرجل
زيد. والتمييز مبناه على التَّبْيِين ثمَّ يعرض لَهُ فِي بعض الْمَوَاضِع أَن يقْتَرن بالْكلَام مَا يُغني عَنهُ فَيصير مؤكداً.
وَقد تَأَول الْفَارِسِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ على أَن مَعْنَاهُ لَا يكون الْفَاعِل ظَاهرا حِين يلْزم التَّمْيِيز بل الْفَاعِل فِي حَال لُزُوم التَّمْيِيز مُضْمر لَا غير وَأما مَعَ الظَّاهِر فَلَا يكون لَازِما. وَفِيه بعد. وَاسْتدلَّ المُصَنّف على الْجَوَاز بِالْقِيَاسِ وَالسَّمَاع.
أما الْقيَاس فَقَالَ بعد التَّمْثِيل ب لَهُ من الدَّرَاهِم عشرُون درهما وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا وَقَوله تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا وَقَوله تَعَالَى: فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَقَوله تَعَالَى: فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة.
فَكَمَا حكم بِالْجَوَازِ فِي مثل هَذَا وَجعل سَبَب الْجَوَاز التوكيد لَا رفع الْإِبْهَام فَكَذَلِك يفعل فِي نَحْو: نعم الرجل رجلا. وَلَا يمْنَع لِأَن تَخْصِيصه بِالْمَنْعِ كَحكم بِلَا دَلِيل. هَذَا لَو لم تستعمله الْعَرَب فَكيف وَقد استعملته. اه.
وَقد تقدم مَا فرق بِهِ بَين مَا ذكرته من التَّمْثِيل وَبَين نعم الرجل. قَالَ: وَمن وُرُوده التَّمْيِيز للتوكيد لَا لرفع الْإِبْهَام قَول أبي طَالب: الْكَامِل وَقَول الآخر: المتقارب
(فَأَما الَّتِي خَيرهَا يرتجى
…
فأجود جوداً من اللافظة)
اه.
وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك الْفرق هُنَا. وَأما السماع فَقَوْل جرير: الْبَسِيط
(والتغلبيون بئس الْفَحْل فحلهم
…
فحلاً وأمهم زلاء منطيق)
وَقَوله جرير أَيْضا: تزَود مثل زَاد أَبِيك
…
...
…
... الْبَيْت وَأنْشد غير المُصَنّف: الْبَسِيط
(نعم الفتاة فتاة هِنْد لَو بذلت
…
رد التَّحِيَّة نطقاً أَو بإيماء)
وَحكي من كَلَام الْعَرَب: نعم الْقَتِيل قَتِيلا أصلح بَين بكر وتغلب. وَهَذَا وَارِد فِي الِاخْتِيَار.)
وَقد تَأَول المانعون السماع. أما فحلاً وفتاة فعلى الْحَال الْمُؤَكّدَة. وَأما زاداً فعلى أَنه مصدر مَحْذُوف الزَّوَائِد مَنْصُوب بتزود. وَقد حكى الْفراء اسْتِعْمَاله مصدرا. أَو على أَنه مفعول بِهِ وَمثل مَنْصُوب على الْحَال لِأَنَّهُ لَو تَأَخّر لَكَانَ صفة.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان: وَعِنْدِي تَأْوِيل غير مَا ذَكرُوهُ وَهُوَ أقرب. وَذَلِكَ أَن يدعى أَن فِي نعم وَبئسَ ضميراً وفحلاً وفتاة وَزَادا تَمْيِيز لذَلِك الضَّمِير وَتَأَخر عَن الْمَخْصُوص على جِهَة الندور.
فالفحل والفتاة والزاد هِيَ الْمَخْصُوصَة وفحلهم
وَزَاد أَبِيك أبدال من الْمَرْفُوع قبلهَا.
هَذَا مَا أوردهُ الْمرَادِي ولفوائده سقناه برمتِهِ.
وَالْبَيْت من قصيدة لجرير مدح بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز مِنْهَا:
(وسدت النَّاس قبل سِنِين عشر
…
كَذَاك أَبوك قبل الْعشْر سَادًّا)
(وَثَبت الْفُرُوع فهن خضر
…
وَلَو لم تحي أصلهم لبادا)
تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا
…
...
…
...
…
. الْبَيْت
(فَلَمَّا كَعْب بن مامة وَابْن سعدى
…
بأجود مِنْك يَا عمر الجوادا)
(وتبني الْمجد يَا عمر بن ليلى
…
وتكفي الممحل السّنة الجمادا)
(يعود الْحلم مِنْك على قُرَيْش
…
وتفرج عَنْهُم الكرب الشدادا)
(وَتَدْعُو الله مُجْتَهدا ليرضى
…
وتذكر فِي رعيتك المعادا)
وباد: هلك. وأتبع الْجواد لموْضِع عمر وَهُوَ من شَوَاهِد المنادى.
وَكَعب هُوَ ابْن مامة الْإِيَادِي أحد أجواد الْعَرَب.
قَالَ الواحدي فِي
أَمْثَاله: كَانَ كَعْب فِيمَا يُقَال أَجود من حَاتِم الطَّائِي. حُكيَ أَنه خرج فِي ركب وَفِيهِمْ رجل من النمر بن قاسط فِي القيظ فضلوا
فتصافنوا المَاء بالمقلة فَقعدَ أَصْحَاب كَعْب لشرب المَاء فَلَمَّا دَار الْقَعْب إِلَى كَعْب أبْصر النمري يحدد النّظر إِلَيْهِ فآثره كَعْب بمائه وَقَالَ للساقي: اسْقِ أَخَاك النمري يصطبح فَذَهَبت مثلا.
فَشرب النمري نصيب كَعْب ذَلِك الْيَوْم ثمَّ نزلُوا من الْغَد منزلا آخر فتصافنوا بَقِيَّة مَائِهِمْ فَنظر النمري إِلَى كَعْب كنظره بالْأَمْس فَفعل كَعْب فعلته بالْأَمْس وارتحل الْقَوْم وَقَالُوا: يَا كَعْب ارتحل. فَلم يكن بِهِ قُوَّة النهوض وَكَانُوا قد قربوا من المَاء فَقيل: رد كَعْب إِنَّك وراد. فعجز عَن الْإِجَابَة فَلَمَّا يئسوا مِنْهُ خيلوا عَلَيْهِ بِثَوْب يمنعهُ من السبَاع وتركوه مَكَانَهُ فَمَاتَ فَقَالَ أَبوهُ)
يبكيه: الْبَسِيط
(أوفى على المَاء كَعْب ثمَّ قيل لَهُ
…
رد كَعْب إِنَّك وراد فَمَا وردا)
قَالَ: وَكَانَ من جوده أَنه إِذا مَاتَ جَار لَهُ أدّى دِيَته إِلَى أَهله وَإِن هلك لجاره بعير أَو شَاة أخلفه عَلَيْهِ فجاوره أَبُو دواد الْإِيَادِي فعامله بذلك فَصَارَت الْعَرَب إِذا حمدت مستجاراً بِهِ لحسن جواره قَالُوا: كجار أبي دواد. وَمِنْه قَول قيس بن زُهَيْر: الوافر
(سأفعل مَا بدا لي ثمَّ آوي
…
إِلَى جَار كجار أبي دواد)
اه.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: والتصافن: أَن يطْرَح فِي الْإِنَاء حجر ثمَّ يصب فِيهِ من المَاء مَا يغمره لِئَلَّا يتغابنوا. والمقلة: اسْم ذَلِك الْحجر.
وَابْن سعدى هُوَ كَمَا فِي كَامِل الْمبرد: أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي. وَكَانَ سيداً مقداماً فوفد هُوَ وحاتم بن عبد الله الطَّائِي على عَمْرو بن هِنْد وَأَبوهُ الْمُنْذر بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فَدَعَا أَوْسًا فَقَالَ: أَنْت أفضل أم حَاتِم فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن لَو ملكني حَاتِم وَوَلَدي ولحمتي لوهبنا فِي غَدَاة وَاحِدَة ثمَّ دَعَا حاتماً فَقَالَ: أَنْت أفضل أم أَوْس فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن إِنَّمَا ذكرت بأوس ولأحد وَلَده أفضل مني.
وَكَانَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر دَعَا بحلة وَعِنْده وُفُود الْعَرَب من كل حَيّ فَقَالَ: احضروا فِي غَد فَإِنِّي ملبس هَذِه الْحلَّة أكْرمكُم. فَحَضَرَ الْقَوْم جَمِيعًا إِلَّا أَوْسًا فَقيل لَهُ: لم تتخلف فَقَالَ: إِن كن المُرَاد غَيْرِي فأجمل الْأَشْيَاء أَن لَا أكون حَاضرا وَإِن كنت المُرَاد فسأطلب وَيعرف مَكَاني.
فَلَمَّا جلس النُّعْمَان لم ير أَوْسًا فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى أَوْس فَقولُوا لَهُ: احضر آمنا مِمَّا خفت.
فَحَضَرَ فألبسه الْحلَّة فحسده قوم من أَهله فَقَالُوا للحطيئة: اهجه وَلَك ثلثمِائة نَاقَة فَقَالَ: الحطيئة: كَيفَ أهجو رجلا لَا أرى فِي بَيْتِي أثاثاً وَلَا مَالا إِلَّا من عِنْده ثمَّ قَالَ: الْبَسِيط
(كَيفَ الهجاء وَمَا تنفك صَالِحَة
…
من آل لأم بِظهْر الْغَيْب تَأتِينِي
فَقَالَ لَهُم بشر بن أبي خازم أحد بني أَسد بن خُزَيْمَة: أَنا أهجوه لكم. فَأخذ الْإِبِل وَفعل فَأَغَارَ أَوْس عَلَيْهَا فاكتسحها فَجعل لَا يستجير حَيا إِلَّا قَالَ: قد أجرتك إِلَّا من أَوْس.
وَكَانَ فِي هجائه قد ذكر أمه فَأتي بِهِ فَدخل أَوْس على أمه فَقَالَ: قد أَتَيْنَا ببشر الهاجي لَك ولي.