الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المال والولد
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} . يدفعنا حب البقاء إلى حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ويدفعنا حب الولد إلى حب المال، والاحتيال لتحصيله، وفي هذا بعض السر في ذكر المال والولد مقترنين في الآيتين، وليس في هذا ما يضير، فلا يضير حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ولا حب المال، والاحتيال لتحصيله، ما لم يتجاوز ذلك الحد المعقول، إنما الذي يضير حقا أن ينسيك الولد واجبك مع الله، أو يلهيك المال عن أداء رسالتك في الحياة، وهو ما ينصب عليه النهي في الآية الأولى
…
{لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} ، وتتضمنه خاتمة الآية الثانية:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} إثر قوله: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} نعم إن الله أرحم وأحكم من أن يؤاخذنا على حب شيء جعله لنا طبيعة وفطرة، وله طابعا وصبغة، وللحياه زينة وبهجة، إنما ينهانا عن الغلو في كل شيء، حتى في دينه الذي أرتضاه لنا، إذ قال:{لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ، فكيف لا ينهانا عن الإفراط والغلو فيما يلهينا عنه ويشغلنا عن طاعته، ونحن الأمة الوسط التي جعلها الله المثل الأعلى للأمم في الاعتدال والقصد في كل شيء، وأهلنا بذلك للاختصاص، بفضيلة الرقابة والشهادة على خلقه، إذ قال:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ، فلا كان هؤلاء الذين
استبد بهم حب المال، حتى أنساهم ذكر الله، وشغلهم عن أداء رسالة الحياة، وأصبحوا لا يبالون أجاء المال من حلال أو حرام، وأكتسبوه أم أغتصبوه، حتى إذا أستغنوا تجبروا وطغوا، ومنعوا الحقوق الواجبة وبغوا، كما أخبر بذلك قوله تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} ، وكما نشاهده في جل أغنيائنا، وهكذا، فالمال الذي جعله الله من أجل النعم، ومن أهم وسائل الإصلاح ينقلب في أيدي هؤلاء أداة عاطلة، أو وسيلة شر وفساد.
ولا كان أولئك الذين اتخذوا من أولادهم أوثانا، يعبدونها من دون الله، فيحلون في سبيلهم ما حرم الله، ويشغلهم الاهتمام الشديد بهم عما يجب عليهم لله، ويحملهم على البخل والجبن اللذين هما من أقبح ما يتصف به المؤمن بالله، كما يصرح بذلك الحديث:(الولد مبخلة مجبنه)، وكما يشير إليه اقتران ذكر المال بالولد، في الآية المفتتح بها الفصل.
وشر من هؤلاء وأولئك الذين يقصرون عنايتهم بأولادهم، على الجانب المادي وحده، فيجعلون جمع المال لهم غايتهم القصوى، ولا يربونهم على الدين، والخلق، ولا يهذبون نفوسهم بالعلم والمعرفة، كأن المال، هو كل ما يحتاج إليه الناس في دنياهم، كل ما تتطلبه الحياة. من وسائل النجاح، حتى إذا فصل الموت بينهم وبين أبنائهم، وجد هؤلاء الأبناء أنفسهم بلا سلاح، في دنيا الكفاح وإنما وجدوا مالا وفيرا، وجهلا كبيرا، فلا يفي مالهم بجهلهم، بل يبددون بجهلهم ما جمعه الآباء بكدهم، ويبقون أسرى الجهل والفقر معا.
-وإذن- فخير ميراث يورثه الآباء للأبناء، هو الإعداد الصالح والتوجيه الصحيح وهو ما عناه عمر رضي الله عنه بقوله:(الأدب خير ميراث).
إن الولد الذي أحسن أبواه إعداده وتوجيهه، لا يحتاج إلى المال، لأنه لا يعجزه الحصول على المال، وإن الولد الذي أهمل- أو أساء- أبواه إعداده وتوجيهه، لا ينفعه المال، لأنه لا يعرف كيف يحتفظ بالمال، ويجهل طرق استثمار المال، فسرعان ما ينفلب من بين يديه المال، وإذا كان الولد من زينة هذه الحياة، كما
قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فخير لنا أن نحرص على تكميل هذه الزينة، ونجتهد في العناية بها، والحياطة لها، ليكون أولادنا {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} حقيقة، وإلا كانوا على حد قول شاعرنا المتشائم أي العلاء المعري:
أرى ولد الفتى عبئا عليه
…
لقد سعد الأتي أس! ى! ا
فإما أن تربيه عدوا
…
وإما أن تخلفه يتيما
ولكن على رسلك- يا قارئي العزيز- فقد نسينا بداية الطريق: إن صلاح الولد يبدأ من صلاح الوالد إذ (لا يستقيم الظل والعود أعوج)، ويوم أن كان آباؤنا صلحاء كان أبناؤهم صلحاء، ولأضرب لك مثلا يكون لك منارة في هذا الطريق: لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، وخطب الناس خطبته الأولى، وذهب ليقيل (ينام القيلولة)، أتاه إبنه عبد الملك فقال له: ما تصنع؟ قال: أقيل، لأني سهرت البارحة، قال: أتقيل، ولا ترد المظالم؟ قال: إذا صليت الظهر رددتها، فقال له: من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقبله وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري مما يعينني على ديني.
إن ولدا كهذا لا يحتاج إلى مال يرثه عن أبيه، فإن له من هذا الرصيد الديني الخلقي ما يكفيه، ولذا روي أن عمر بن عبد العزيز لما مات خلف أحد عشر إبنا- هذا أحدهم- وتركهم فقراء إلا من هذا الرصيد الديني الخلقي العظيم، وقال لهم عند وفاته: ليس لي مال، فأوصى فيه، يا بني: إني خيرت نفسي بين أن تفتقروا إلى آخر الدهر وبين أن يدخل أبوكم النار، فاخترت الأولى يا بني عصمكم الله، وقد وكلت أمركم إلى الله {الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} ، وخلف هشام أحد عشر إبنا- كذلك- ورث كل واحد منهم ألف ألف دينار، فأما أولاد عمر بن عبد العزيز فما رؤي أحد منهم إلا وهو غني، ومنهم واحد جهز من ماله ألف فارس، على ألف فرس في سبيل الله، وما رؤي أحد من أولاد هشام إلا وهو فقير، ولقد رؤي أحدهم وهو يوقد النار في التنور أجرا.
وبعد: فالولد لا تنفعه الثروة المادية، إذا لم تحصن بثروة روحية تثقيفية تكون شبه ضمان مما يحدث لهذه الثروة المادية من الحوادث فيعصف بها، والوالد لا ينفعه- يوم يلقى ربه- لا ماله الذي جمعه، ولا ولده الذي جمع له، وإنما ينفعه أن يصلح قلبه ويحسن عمله، كما قال تعالى: - حكاية لقول إبراهيم-: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع أثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
والرجل الصالح يستطيع أن يجعل من حسن عمله، حسن تربيته لولده، وحسن تصرفه في ماله، أما الغبي الجاهل فلا يزيده المال والولد، إلا شقاء على شقاء، وصدق الله العظيم: