الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دواء القلب
قال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء:
(قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين).
لا مرض، كمرض القلب، ولا صحة كصحة القلب، لأن القلب هو مبعث المرض والصحة لهذا الإنسان، فإذا مرض قلبه فهو مريض، وإذا صح، فهو صحيح، "ألا وإن في الجسد مضغه، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
ذلك هو رأي نبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام في القلب، منذ ما يقرب من أربعة عشر قرنا، وما زال هو الرأي الصحيح، الذي يجب الرجوع إليه، والاعتماد عليه، فما زال قلب الإنسان هو نقطة البدء في صحته ومرضه، ومازال قلب الإنسان هو العامل الأول في سعادته وشقائه، ومازال قلب الإنسان هو السبب الرئيسي في رقيه وانحطاطه، وفي عزه وهوانه، وفي حربه وسلمه، وعلى قدر قيمة هذا القلب وتأثيره في حياة الإنسان، كانت العناية به من ذوي الرأي والحكمة ودعاة الإصلاح، فهم لا يفتأون حراسا على هذا القلب، الذي هو كل شيء في حياة الإنسان، يحمون حماه من كل دخيل، ويبادرون بالعلاج كلما ألم بساحته مرض.
وهذا دواء من أدوية القلب، يتقدم به إلى مرضى القلوب، أحد أطباء القلوب، وهو يتركب من خمسة أشياء كل واحد منها دواء قائم بنفسه يكفي للقضاء على كل داء ينزل بساحة القلب، إذا استعمل بصدق وإخلاص. وأول هذه الأشياء الخمسة:
قراءة القرآن بتدبر، وأي دواء للقلب كالقرآن الذي جعله الله شفاء للقلب، إذ يقول:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} والذي له من التأثير ما يعبر الله عنه بقوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وبقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} أي لكن هذا القرآن، ولكن المشكلة أننا لا نقرأ القرآن بقلوبنا، أو نقرؤه بقلوب مقفلة، أي أننا لا نتدبر القرآن كما قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ؟ وكيف نبيح لأنفسنا قراءة القرآن بلا تدبر، وقارىء القرآن كالمتحدث مع الله؟ كما قال عليه الصلاة والسلام "إذا أحب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ القرآن".
ثانيها: خلاء البطن، وكيف لا يكون خلاء البطن دواء للقلب وكل ما نشكوه من بلاء، ناشيء عن هذا الامتلاء، لذا يقول صلى الله عليه وسلم:"ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن" الحديث، لأن البطن إذا امتلأ ضغط على القلب فران عليه الصدأ، وتكاثف عليه البخار فحجب عنه أنوار الفكر، ومن هنا قيل:(البطنة تذهب الفطنة)، فضلا عن أن امتلاء البطن يورث الكسل، ويجلب النوم الذي طالما فوت على أصحابه كثيرا من أعمال البر، ومن هنا قال عيسى عليه السلام: يا بني إسرائيل.: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا فيفوتكم خير كثير.
ثالثها: قيام الليل، أي إحياؤه بضروب من الطاعات والقربات، من صلاة وتسبيح ودعاء واستغفار وإنما كان لعبادة الليل هذا الفضل والإمتياز عن عبادة النهار، لأن الليل أفرغ للبال، وأجمع للفكر، وأبعد عن الضوضاء، وأدعى للسلامة من الرياء، فالعبادة فيه أقرب إلى الإخلاص والصدق، ومن ثم فهي أقرب إلى الله وأحق بالقبول، وأدعى إلى إصلاح القلب وتطهير الوجدان، وتهديب الخلق، ومن هناك كان حث الشارع عليها أكثر:
روى الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام"، وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ إمرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء".
ولا يندهش القارىء لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أبت نضح في وجهها الماء"، وليكن شجاعا في الله وفي سبيل إقامة بيته على دعائم ثابتة قوية، ولا يقل أن هذا اعتداء على حق الزوجة فإن الله تعالى يقول:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} ، ولكن عفوا، فأين الزوج الذي يقوم الليل في زمن قل فيه المحافظون على أداء الفريضه في وقتها، فكيف بقيام الليل الذي لا يتعرض الشيطان لشيء كما يتعرض له؟
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يعمد الشيطان على قافيه رأس أحدكم، إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
رابعها: التضرع عند السحر، والتضرع هو الخضوع والتذلل في الإلتجاء إلى الله والرجوع إليه في طلب الحاجات، وخير ظرف لذلك هو وقت السحر حيث يكون القلب على نقائه وطهره وفراغه من شواغله المادية، وبعد أن يكون قد توسل إلى الله بخير الوسائل وأحبها إليه وهي قيام الليل، فالدعاء المرجو الإجابة، ما كان بعد توثيق الصلة بالله، وتوكيد الزلفة إليه بما رغب فيه من طاعة وشرعه من عباده.
خامسها: مجالسة الصالحين، وما أعظم نفع هذا الدواء، ولكن ما أعظم زهدنا فيه، وأشد غفلتنا عنه، فإن عدوى الآفات الروحيه أشد تأثيرا من عدوى الآفات البدنية، والبذرة الصالحة تفسدها البيئة الفاسدة، وشياطين الإنس أشد ضراوة وأكثر شرا من شياطين الجن، بل لولا شياطين الإنس لما كان لشياطين الجن كل هذا السلطان علينا، وخير للعاقل الحازم إذا أعوزه الجليس الصالح أن يفزع إلى مجالسة المصحف، أو مصاحبة الكتاب، أو ملازمة المسجد، متى فرغ من كفاحه الاجتماعي في الخارج، وأن يكون على حد قول القائل:
وحدة الإنسان خير
…
من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير
…
من جلوس المرء وحده
فلنجرب هذه الخمسة في إصلاح قلوينا، فنحن أحوج ما نكون إلى إصلاح قلوبنا ولا سيما في هذا الدور الحاسم الذي تجتازه الأمة، والذي ألزم ما يلزم له، قلوب طاهرة نقية متحدة متآخية ..