الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أمجاد المرأة المسلمة
إن في عرض أمثلة من أمجاد المرأة المسلمة في تاريخها الذهبي لحفزا لهمة المرأة المسلمة في العصر الحاضر ودفعا لها في طريق الكمال الإنساني المنشود، وما زال تاريخ البطولات قدوة صالحة ونموذجا حيا يحتذى ويسير فيه الخلف على آثار السلف، ولاسيما بعد أن عرضنا أمثلة للمرأة المسلمة في عصرها الحاضر، فنتيح لها بذلك فرصة المقارنة بين ما كانت عليه وبين ما آلت إليه، فتعرف هل تقدمت إلى الأمام خطوات، أم عادت إلى جاهلية شر من جاهليتها الأولى وأحط دركات، وإلى القارئين والقارئات هذه الروائع الخالدات:
سافر أبو طلحة وترك ولده مريضا ولما عاد من سفره وجد زوجته الرميصاء أم سليم تستقبله في حنان وتقدم له الطعام، ولكن لهفته على صبيه لم يشغله عنها كلام ولا طعام، فسأل زوجته وهو لم يفرغ من الطعام: كيف الغلام؟ فلم تشأ أن تسرع إليه بما يدخل الكآبة عليه، قبل أن يصيب من الطعام ما هو في حاجة إليه، فقالت:- وهي تغالب الآنفعال-: بأحسن حال ولله الحمد، ثم قامت إلى بيتها وأعدت نفسها لزوجها المحبوب خير إعداد، حتى نبهت ما كان غافيا من غرائزه وغلبته عواطفه وبلغ من ذلك ما أراد، ثم جلسا للحديث فقالت له: زوجه- تمهيدا للخبر الفاجع-: ألا تعجب من جيراننا؟ مال: ما لهم!؟ قالت: أعيروا عارية فلما طلبت منهم جزعوا، قال: بئس ما صنعوا، قالت: هذا ابنك كان عارية من الله تعالى وإن الله قد قبضه إليه، فلم يزد على أن قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
لتتأمل المرأة المسلمة في هذه اللوحة الفنية الرائعة التي تبرز فيها صورة التربية الإسلامية واضحة الملامح والسمات، ولتستجل منها تلك الخلال النبيلة السامية من صبر وثبات لدى المكاره والأزمات، ومن حب وإخلاص ووفاء للزوج ومحافظة على كيانه، وحرص على راحته واطمئنانه، وهكذا أنشأ الإسلام المرأة، وهكذا يجب أن تكون المرأة: حضن رحيم ودود مهذب كريم صبور-، يأوي إليه الزوج فيجد فيه الأمن والهدوء والعطف والحنان، ويتنسم منه نسيم السكينة والقرار والاطمئنان من عنت الأيام ونكد الزمان، كل ذلك تنضح به كلمة (لتسكنوا) في قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} .
وإن هذه الصورة الرائعة للزوجة الصالحة التي أبدعتها تعاليم القرآن التي تصنع المجتمعات الصالحة لا يحسن بعدها إلا ذلك الإطار الفتان لنائلة بنت القرافصة زوجه عثمان رضي الله تعالى عنه.
قالت تماضر- زوجة عبد الرحمن بن عوف- لعثمان رضي الله عنه: هل لك في ابنة عم لي بكر جميلة ممتلئة الخلق أسيلة الخد أصيلة الرأي، تتزوجها؟ قال: نعم، فذكرت له نائلة بنت القرافصة الكلبية، فتزوجها (وهي نصرانية فتحنفت) وحملت إليه من بلاد كلب مع أخيها ضب (وكان مسلما) فلما دخلت عليه قال لها: لعلك تكرهين ما ترين من شيبي؟ قالت: والله يا أمير المؤمنين إني لمن نسوة أحب بعولتهن إليهن الكهول، قال: إني قد جزت الكهول وأنا شيخ، قالت: أذهب شبابك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير ما ذهبت فيه الأعمار، قال عثمان: إما أن تقومي وإما أن أقوم إليك؟ فقالت: ما تجشمت إليك من عرض (السماوة) أبعد مما بيننا، بل أقوم أنا، فقامت حتى جلست معه على السرير، فقال: اطرحي درعك، قالت: ذاك إليك، ومسح رأسها ودعا لها بالبركة، فكانت أحب نسائه إليه، ولم تزل نائلة عند عثمان حتى قتل، فلما دخل إليه الثوار ليقتلوه وقته بيدها فجذمت (أي قطعت) أناملها، فأرسل إليها معاوية بعد ذلك بخطبها، فأرسلت إليه: ما ترجو من امرأة جذماء؟ وقيل أنها قالت لما قتل عثمان، إني رأيت الحزن يبلي كما يبلي الثوب وقد خشيت أن يبلي حزن عثمان من قلبي، فدعت
بفهر رأي حجر) فهتمت به فاها (أي أسقطت مقدم أسنانها) وقالت: والله لاقعد أحد مني مقعد عثمان. وما أروع وأسمى موقف أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد حزب الأمر واشتد الخطب على ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قتاله مع الحجاج بن يوسف إذ تغلبت على عاطفة الأمومة اللجوج ودفعت بابنها في جحيم المعركة حتى قتل وهي مطمئنة هادئة محتسبة صابرة ولم ترض له النكوص على عقبه أو تسليمه نفسه بيده:
يروى أن عبد الله بن الزبير لما ضيق عليه الحجاج الخناق، وقتل من كان يشد أزره من الرفاق، واستسلم بعضهم للقيد والوثاق، ومن بينهم ولداه حمزة وحبيب، جاء أمه فقال: أمه خذلني الناس حتى ولداي وأهلي فلم ببق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع صبر ساعة، والقوم يعطونني من الدنيا ما أردت، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض فيه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار، ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن، فدنا منها فقبل رأسها وقال: هذا والله رأي، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فأنظري يا أمه فأبي مقتول من يومي فلا يشتد حزنك وسلمي لأمر الله، قالت: إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنا، أخرج حتى أنظر ما يصير إليه أمرك، فخرج وما زال يقاتل حتى قتل.
ولا عجب للمرأة المسلمة تدفع بإبنها إلى الموت، فقبل أسماء الخنساء التي لم تذرف عين امرأة من الدمع ما ذرفت عينها على أخيها صخر، ولا أحسن قلب لذع الحزن ما أحس قلبها فراق هذا الأخ الحبيب، هذه الخنساء تحضر وقعة القادسية سنة 16 للهجرة ومعها أولادها الأربعة، فما تزال تحرضهم على القتال حتى قتلوا جميعا وهي تقول: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم!
…