الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل نضب معين الرحمة
؟
كان يوم الأحد- السابع والعشرون من فبراير- وهو آخر أيام الشتاء- يوما عبوسا قمطريرا - اشتد برده، وهطل مطره، وتلبد غيمه، وتسمم جوه، كأن الشتاء الذي لم يبق له من عمره إلا هذا اليوم ثم يقضي نحبه ويلفظ آخر أنفاسه، أراد أن يجمع في مرحلته الأخيرة كل ما فاته في هذا العام من هجماته القاسية، وضرباته القاضية، حتى وجدتني مضطرا للبقاء في المنزل.
وأتاحت لي عزلتي وفراغي، أن أفكر في أشياء كثيرة- وليس الفراغ شرا كله- وقلت: ها أنا الآن في بيتى، مجتمع الشمل بأسرتي، وبين يدي موقد فحم ادفع به غائلة البرد الشديد، وأتقي مفعول الرطوبة المبيد، لا يمسني سوء، ولا ينالني مكروه، من هذه المعركة الدائرة رحاها خارج منزلي، بين الطبيعة، وبين من ساء حظه من أبنائها، فليت شعري، ما حال ذلك الكائن الحقير، الذي يسمونه الفقير؟ وسرعان ما مرت بذاكرتي صور مختلفه متلاحقه، وكان أول ما تمثل لي منها منظر حمالي سوق الخضر، وهم يتلقون ضربات المطر، بأجسام ضاوية، تخرقت عنها أسمال بالية، ومن فوقها السلال الكبيرة الملآى تكاد تعقرها، بحملونها ويسرعون بها إلى السوق على طريق تلبد فوقه الوحل الذي قلما ينجو الماشي عليه من الانزلاق، في مقابل أجز زهيد لا يكاد يسد رمق أطفالهم، الذين ينتظرون عودتهم بفارغ الصبر، قبل أن يهلكم الجوع، الذي لا يرحم.
ثم منظر أولئك الذين يفترشون الثرى، ويلتحفون السماء، دون وطاء ولا غطاء، ويبيتون للعناصر الهوجاء، تفرى جلودهم وتمزق جسومهم وتخدر أعصابهم وتجمد الدماء
في عروقهم، وإذا استغاثوا أغيثوا بهمسات إبليس في أذن البوليس، ليعطف عليهم بركلات، تزيحهم عن الطريق، وتلف بعضهم ببعض، ولا أنسى- ما حييت- ما لفت نظري بين هؤلاء بصفة خاصة من مشهد تلك الأم التعسة التي أحاط بها أربعة كزغب القطا، وقد بدوا- وهم عراة- كأنهم قطع من اللحم قد صبغت بلون أزرق، إذ ظهر أثر جمود الدم في شرايينهم، زرقة على أبدانهم، ولكن الذي لا أنساه أكثر من كل شيء- هو تلك الكلمة التي سمعتها من أحد المارة- وقد آني أحدق- شاود النظر، ذاهل اللب- في هذا المشهد المؤثر (المخجل) فقال لي- بكل وقاحة-: لا يهمك أمر هؤلاء، فليسوا غير تجار فجار، فكأنما طعنت في قلبي بخنجر مسموم، وما تمالكت أن قلت: هؤلاء أيضا تجار قد استولوا على أموالكم؟ ألا ما أربحها تجارة، وما أعلمكم بالتجار الحقيقيين الذين استغنوا على حسابكم، وسلبوكم خيرات بلادكم، أما كفاك ما يتمرغ فيه هؤلاء من تعاسة وبلاء، حتى تطعنهم هذه الطعنة النجلاء؟ لله درك من فيلسوف خطير!
أما صورة أولئك الطوافين والطوافات على المزابل والكناسات، وصناديق القمامات، فكانت آخر الصور تمثلا لخاطري، ومرورا بذاكرتي لأنها- لكثرة مما نشاهدها في عالم الحس- أصبحت مألوفة لنا، لا تثير عجبا، ولا تلفت نظرا.
أيها المسلم: هذه هي الحال السيئة التعسة الشاذة، التي تعيش عليها الآلاف بل الملايين من أبناء دينك ووطنك، فإن كان لك إيمان، فيجب أن تكون لك غيرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم الذي آمنت به، يقول:"لا إيمان لمن لا غيرة له"، وإذا كنت تنام قرير العين، لأنك تتمتع بفراش وثير، وغطاء كثيف، ومسكن صحي نظيف، فاذكر أولئك البؤساء التعساء من إخوانك في الدين والوطن، الذين لا يذوقون للنوم طعما، لأنهم لا يتمتعون بما تتمتع به، وإنما تبيت سياط البرد تلهب أبدانهم الهزيلة العليلة، فإن كان لك إيمان، فاذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي آمنت به-:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وإذا جعل الله ما توقد من نار، تذكرة بنار أشد منها، كما قال تعالى:{أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} فإن هذا البرد الشديد يجب أن يذكرك ببرد أشد منه وهو الزمهرير الذي إذا استغاث أهل النار من النار،
أغيثوا به، فيكون ما يلقونه منه أشد عليهم من النار، فيطلبون أن يعودوا إلى النار، فاقتصد قليلا من كمالياتك فقط، لتقوم بواجب الشرف، كما قمت بواجب الجسد، ولتشارك في رسالة النفع العام، ولا يكن همك بطنك وحده، فذلك حظ السوام والأنعام، وحظ الذين كفروا بنعم الله كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} .
فلا جرم كان عمر رضي الله عنه، يأخذ درته، ويذهب إلى سوق اللحم، فمن رآه يشتري اللحم يومين متواليين ضربه بالدرة، وقال له:
"هلا طويت بطنك لجارك وابن عمك؟ ".