الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بريد الشيطان
جاء رجل إلى وهب فقال له: إن فلانا شتمك، فقال له: أما وجد الشيطان بريدا غيرك؟ وجاء آخر إلى عمرو بن عبيد فقال له: إن الأسواري لم يزل يذكرك ويقول: الضال، قال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حق مجالسته إذ نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه، إعلم أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا.
ورفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحرضه فيها على أخذ مال يتيم- وكان له مال كثير- فكتب على ظهر الرقعة: النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت رحمه الله، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعي لعنه الله.
وزار بعض السلف أخا له صالحا، فذكر له عن بعض إخوانه شيئا، فقال له: يا أخي أطلت الغيبة وأتيتني بثلاث جنايات، بغضت إلي أخي، وشغلت قلبي بسببه، واتهمت نفسك الأمينة.
نسوق هذه الأمثلة الرائعة الأسلوب، السامية الحكمة، إلى أولئك الذين يحلو لهم أن يوقدوا نار الفتنة بين الأخ والأخ، والجار والجار، والعشيرة والعشيرة، والجماعة والجماعة ثم يقفون بعيدا عن مواقع اللهب متفرجين على الأخ يشتم أخاه، والجار يضرب جاره، والعشيرة تخاصم العشيرة، والجماعة تقاتل الجماعة.
والعجب أن هؤلاء الذين يقومون: بهذه (المهمة) ويؤدون هذه (الوظيفة) لا يرجون من ورائها مغنما، وإنما يقومون بها احتسابا للشيطان، لأنهم كما سماهم وهب
(بريد الشيطان) وتقوم إداره هذا البريد الشيطاني على الكلمة الجارجة ينقلها شيطان من الإنس بإيعاز شيطان من الجن فتندلع نار الفتنة وتنتشر في كل مكان، وتلتهم الأخضر واليابس، والقريب والبعيد، كل ذلك تفعله كلمة، مثلما يفعل عود واحد من الثقاب في غابة كثيفة، فإذا هي كومة من رماد.
إن عملا كهذا ذميما لا يقوم به إلا من سمته الآية زنيما- والزنيم ولد الزنا في قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} وحسبه لؤما أن الله لم يصف أحدا في كتابه العظيم، بهذا الوصف الذميم، سوى من كان على شاكلته من كل {مشاء بنميم} ومن هنا قال ابن المبارك:(ولد الزنا لا يكتم الحديث) وأراد أن كل من يسعى بالنميمة فقد دل على أنه ولد زنا، وحسبه ذنبا أن الله سماه فاسقا- ولو كان صادقا- في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} .
وحسبه خسة أن يرضي لنفسه بمنزلة ناقلات الجراثيم من الذباب والبعوض والقمل بل أن حرصه على إشاعة الشر والفتنة لأشد من حرص ناقلات الجراثيم على إشاعة الأمراض والأسقام، بحيث أن النمام ينقل إليك ليسمع منك فينقل عنك ليجمع بين طرفي الفتنة، كما قال الحسن البصري:(من نقل إليك حديثا، فاعلم أنه ينقل إلى غيرك حديثك).
وأما من حيث الضرر وعموم الشر فقد قيل: إن عمل النمام أضر من عمل الشيطان، لأن عمل الشيطان بالوسوسة، وعمل النمام بالمواجهة.
ومما يحسن أن يروي في هذا الصدد: أن رجلا رآى غلاما يباع وينادي بأن لا عيب فيه إلا أنه نمام، فقال: هذا لا يضر، واشتراه، ولكن بعد أيام دارت في رأس الغلام فكرة، فجاء إلى زوجة سيده وقال لها: إن سيده أراد أن يتزوج عليها ثم يطلقها وقال لها: إن أردت أن تسلمي من ذلك، فاحلقي بعض شعرات من منتهي لحيته وأبقيها عندك، ثم جاء سيده وقال له: إن سيدتي تحب رجلا آخر وهي تريد أن تقتلك وتتزوجه، وإن كنت في شك من قولي، فتناوم لها فإنها ستأتي بالموس لتذبحك، وأثر كلامه في كلا الزوجين فجاءت المرأة بالموسى لتأخذ
الشعرات وكان الرجل يتظاهر بالنوم، فأخذ من يدها الموس وذبحها به، فسمع أهلها فجاء إليه وقتلوه، وآل الأمر إلى مقتلة وفتنة عظمى بسبب النميمة.
صدق الله العظيم