الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أمجاد الإسلام
قال يحى بن سعيد: " بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقيا فاقتضيتها وطلبت فقراء أعطيها لهم فلم أجد بها فقيرا ولم أجد من يأخذها فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم" ليتعظ بهذا من لا يرى النور يشع إلا من الغرب ويعمي عن مشرق النور الحقيقي وهو الشرق ليحول المفتونون من أبناء الإسلام بالمدنيه الغربية أنظارهم صوب المشرق مطلع الشمس فإن ما بهرهم من بريق في بلاد الغرب لم يكن إلا أشعة هزيلة انبعثت من مشرق النور ومنبع الحضارات وهو الشرق يوم أن كان الشرق أستاذ الغرب. ولأمر ما جعل الله الشمس تطلع من الشرق لا من الغرب، لو بقي للمسلمين قلوب يفقهون بها، فإن الله الذي جعل الشمس تطلع من الشرق جعل الشرق أيضا مشرق الهدايات ومنبع الحضارات، ولكن المسلمين فقدوا أغلى شيء في الحياة وهو الإعتزاز بالنفس، إن المسلمين اليوم كل همهم في الحياة أن يعيشوا عالة على الناس، أن يعيشوا إمعات أن يكونوا تابعين لا متبوعين، أن يكونوا من القافلة في مؤخرتها بل {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} وقد كانوا (قبل أن يسلبوا الإعتزاز بالنفس) سادة الأمم وقادة العالم وحاملي مشعل العلم والحضارة يسير الناس على هداهم واقتفاء خطواتهم كانوا- إذ ذاك- متبوعين لا تابعين، وحاكمين لا محكومين، وأساتذه لا تلاميذ، وموجهين لا مقلدين، وفي مقدمة القافلة لا في مؤخرتها.
ليتعظ- إذن- أبناؤنا المتنكرون لماضيهم والمتمردون على قوميتهم والزاهدون في تراثهم بهذه النفحة العلوية من سجل ماضيهم المجيد الحافل بجلائل الأعمال والآثار، وليقفوا طويلا أمام هذه اللوحة الفنية من معرض تاريخهم الرائع العظيم.
وليقارنوا بين مدينة تعطي ومدينة تأخذ وبين فتح يزيل الفقر من البلاد المفتوحة ولا يترك بها فقرا واحدا تدفع إليه الصدقة، وفتح يخرج الغي منها ويترك أهلها فقراء بين شحاذ وماسح أحذية ومكب على صناديق القمامات والأوساخ.
وليجيلوا أنظارهم في سجلات التاريخ من أقدم العصور إلى اليوم هل سجل
مثل هذه الصفة الرائعه الخالدة لغير الإسلام وغير عظماء الإسلام؟ وهل استطاعت أية أمة من أمم الأرض قديما وحديثا غير أمة الإسلام أن تحدث مثل هذا الحدث الفذ العجيب، فتنفي الفقر نفيا وتطرد شبحه من الموضع الذي تطؤه أقدامها طردا؟ أما مع الإسلام فلا عجب فإنه النور الذي سدد كل ظلام والغيث النافع الذي يكفل كل رخاء والدستور الصالح العادل الذي يقر الأمن والنظام في البلاد ويقر التكافل والتضامن بين الأفراد ويقر الهدوء والإستقرار والطمأنينة في كل فؤاد.
إن الله وإن فضل بعض عباده على بعض في الرزق فإنه شرع لهم من النظم والقوانين ما يكفل رفاهيتهم وسعادتهم أجمعين إن كانوا لهذه النظم والقوانين مع المتبعين، فتبع المسلمون في عهودهم الأولى هذه النظم والقوانين فبلغوا القمة الشاهقة من الرقي الإنساني المنشود، فلما تخلوا عن العمل بهذه النظم والقوانين التي تكفل للناس سعادتهم في دنياهم وأخراهم، تنكر لهم الدهر وتخلى عنهم النصر، وتداعت عليهم الأمم التي لم تقتبس النور إلا منهم، ولم تقطف ثمار العلم والمدنية إلا من دوحتهم الفينانة القوية، جزاء عادلا على تفريطهم في أسباب عزتهم وسيادتهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ليكون ذلك درسا عمليا بليغا يرد المنحرفين عن الصراط السوي ويعود بهم إلى صوابهم صاغرين وإلا فبئست عاقبة الظالمين.
وليتأمل المسلمون المستسلمون لمغريات الغرب ومغوياته في عدالة دينهم ونزاهة أحكامه وعفة حكامه، كيف أن الزكاة لا تؤخذ من الأغنياء إلا لترد على الفقراء لا لتنقل من البلاد المفتوحة إلى بلاد الأمة الفاتحة أو لتستخدم ضد مصالح البلاد التي أخذت منها كما هو ديدن الحكومات المستعمرة التي يلهج بذكر أعمالها الزائفة الذين يخطف البريق المستعار أبصارهم من أبنائنا.
وليقف المسلم- أخيرا- أمام تلك المبرة العظمى والعبقرية الملهمة لآبائه
الأمجاد إذ يعمد يحيى بن سعيد الموجه من طرف عمر بن عبد العزيز إلى تلك
الأموال التي لم يجد في إفريقيا كلها فقراء يعطيها لهم، فيشتري بها الرقاب المملوكة فيعتقها. هكذا الإسلام لا يعطي إلا الغني والحرية، وهكذا الفتح الإسلامي إذ يطأ أرضنا هذه ينقلها من الفقر إلى الغنى ومن العبودية إلى الحرية لا كما أصبحت تتخبط فيه اليوم من فقر وعبودية.
فهل يعيد التاريخ نفسه؟.