الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحرص
بعد كتابة مقال (الحسد) خطر لي أن أستوفي الكلام في أصول المعصية الثلاثة التي هي (الحسد) و (الكبر) و (الحرص)، بالكلام على (الحرص)، أما الكبر فقد أخذ حظه في مقال الغرور.
الحرص، شبيه بأخويه:(الحسد) و (الكبر)، فإذا كان الحسد عدو الإنسانية لأنه يتمنى لها الحرمان، وكان (الكبر) لا يقل عن الحسد عداوة للإنسانية، لأنه يتكبر عليها ويطلب الاستعلاء على أبنائها بغير حق، فإن الحرص لا يتخلف عن أخويه في المضمار فهو يريد الإستئثار بكل شيء، والاستيلاء على الضروري والكمالي من مطالب العيش، ووسائل الحياة، إنه جوع النفس الذي لا يسده شيء، والذي عبر عنه أحسن تعبير قوله عليه الصلاة والسلام:(لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى الثالث ينفق منه) الحديث، هكذا:(لتمنى الثالث ينفق منه) فهو دائما يطلب المزيد، لا يقف عند حد كالذي يجرى وراء خياله، وكأن شاعر المهجر قد طاف خياله في هذا الأفق إذ قال:
جوع النفوس، هو الجوع الذي عجزت
…
عن سده هذه الدنيا وما تسع
نعم جوع النفوس، هو الجوع الذي لا يشبع، هو الجوع الذي لا يسده شيء في هذه الدنيا، هو الجوع الذي شرد النوم عن عيون الأغنياء، ونفى الطمأنينة عن قلوبهم، حرمهم الكنز الذي لا يفنى، وهو القناعة، فعاشوا جياعا، لمان كانوا شياعا، وقضوا
دنياهم فقراء، وإن كانوا أغنياء، وهم في أخراهم، أشد ضرا منهم في دنياهم، لأن حرصهم في دنياهم أعماهم، وأنساهم أخراهم، فحق عليهم بذلك قول علي رضي الله عنه
في البخيل-: (يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء)، {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} ، إنه الجوع الذي ولد التذلل والخضوع، لأنه ولد الطمع والجشع، والنفاق والملق، والبخل والجبن، وولد الغش والخداع، والسرقة والخيانة، وولد الشر والفساد، والظلم والإستعباد، وولد الحرب والاستعمار، والخراب والدمار، وأهلك الحرث والنسل.
ذلك هو الحرص، داؤنا القديم، الذي لقحت به دماء أبينا الأول وجعله لا يقنع بكل ما في جنان الخلد من الطيبات، وأفانين المشتهيات ودفع به إلى معصية ربه، الذي خلق الجنة من أجله، وأغراه بالأكل من الشجرة التي نهاه عنها، فكان جزاؤه إخراجه من الجنة وحرمانه منها، إلى دار حلالها حساب، وحرامها عقاب، وبذلك كان الحرص أحد أصول المعصية الثلاثة، وبقى لقاحا خبيثا في دمائنا لا نتخلص منه قبل أن نقضي أيامنا المعدودة في هذا المنفى البغيض اذي أخرجنا إليه من جنة الخلد ودار الكرامة، عقابا
لنا على مخالفة الأمر الإلاهي التي أغرانا بها الحرص اللجوج، عقابا يبقى لنا درسا بليغا وذكرى خالدة أليمة، تذكرنا بعاقبة الحرص الوخيمة، حتى لا نقع في حبائله مرة أخرى فنحرم الجنة إلى الأبد، ولنعلم أن ما أخرجنا من الجنة- وهو الحرص- لا ندخلها قبل أن نتطهر منه، ونبتعد مدى حياتنا عنه، ولكن إبليس- عدونا الأكبر- الذي دبر هذه المؤامرة، وجرب هذا اللقاح، واستغل فينا هذه الغريزة اللجوج لحرماننا من دار النعيم المقيم، مازال لم يطفيء غلته ما أحرزه من نصر على خصمه، فيقف لأبنائه في طريق عودتهم إلى الجنة يصدهم عنها، ويستغل فيهم نفس الغريزة التي استغلها في أبيهم من قبل، وأوتي من الحرص في هذا الإغواء ما لا يماثله إلا حرص الأنبياء على الإهداء، وما أبدع قول الأستاذ الإبراهيمي في أحد دروسه النافعة، عند قوله تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} الآية: (من طبيعة الشيطان الحرص، فهو إذا وجد منا يقظة لم ييأس، بل خنس بنتظر أن تحين منا غفلة، ليعيد الكرة)، ولسوء حظنا اجتمع- لإغوائنا- حرصان حرصنا المركوز في طبائعنا، وحرص إبليس على إغوائنا، فلا عجب أن يقول عليه الصلاة والسلام:"يشيب ابن آدم وتشيب معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل"، وطول الأمل هو علة العلل، وهو الباعث على
الحرص، وهو الذي يجعل الحرص على الحياة، أبعد مدى وأطول عمرا من الحياة، "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض خطين، أحدهما أبعد من الآخر، وقال: هنا الأمل- وأشار إلى الخط الأقرب- ثم قال: وهنا الأمل- وأشار إلى الخط الأبعد-"، أي أن الإنسان يؤمل أبعد مما يعمر، وإذا طغى طول الأمل بصاحبه إلى هذا الحد، ران على قلبه، وأعماه، وأنساه أخراه، وجعل إلاهه هواه، وذلك هو الأمل الذي يعصف برؤوس الذين لا يؤمنون بالله، في قوله تعالى:{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ، وليس من ذلك الضروري من الأمل الذي يبعث على صالح العمل، ولا الحرص الممدوح الذي هو الطموح إلى معالي الأمور، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها}.
فلولا هذا الطموح، لما كان سعي إلى خير، ولا تنافس في فضل، ولا تسابق إلى كمال، ولغدت الحياة صحراء جرداء خرابا يبابا.
فخير- إذن- من الحرص وطول الأمل، الطموح إلى معالي الأمور، والسعي الموفور في ميادين العمل.