الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله واجب كل مسلم بل هي الطابع الذي طبع الله به هذه الأمة وميزها به عن غيرها من سائر أمم الأرض وجعله آية فضلها وشارة سؤددها إذ قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ولكن العلماء أوفر حظا من هذا الواجب لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع ولأنهم أعلم من غيرهم بطرق الدعوة وأساليبها، وقد بين الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أدوات الدعوة إلى الله إذ قال:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي أدع إلى الإسلام ومبادئه بالدليل الموضح للحق والدافع للشبهة وبإيراد العبر البليغة المنبهة للأذهان بضرب الأمثلة التاريخية على أخذ الله للذين تمردوا على دينه واتبعوا أهواءهم، أخذ عزيز مقتدر فإذا عاندك معاند أو جادلك جاحد، فجادله بالحسنى من الرفق واللين فإن في ذلك جلبا للقلوب وتأثيرا على النفوس (وطالما استعبد الإنسان إحسان) هذه هي أدوات الدعوة إلى الله:
دليل واضح وموعظة بالغة وقول يحيل الخصم صديقا كما يقول الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} هكذا: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، هنا السر كامن ومن هنا أخذ محمد صلى الله عليه وسلم مفتاح الدعوة الذي فتح به القلوب ثم فتح به الممالك لذلك يقول الله له:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} وصدقت عائشة إذ سئلت عن
خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، إننا نستطيع أن نعرف سياسة الإسلام كلها من هذه الكلمة:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وإذا كانت الكلمة اللينة والصدر الرحب من خير أدوات الدعوات بحيث تجعل العدو صديقا كما تشير إليه الآية، فبعكس ذلك تكون الكلمة الجافية والصدر الضيق من شر أسباب النفور بحيث يجعلان الصديق عدوا، وهذا ما آل إليه حال المسلمين بعد أن انحرفوا عن منهج القرآن وأدب الإسلام، فقد كانت أخلاقهم تفتح لهم القلوب وتفسح أمامهم الطريق وتجعل من أولئك الأعداء الأشداء والخصوم الألداء أخدانا وإخوانا وعلى الدعوة إلى الله ونصره دينه أنصارا وأعوانا، فأصبحت اليوم أخلاقهم وبالا عليهم: تجعل من أصدقائهم خصوما ومن أنصارهم أعداء فإلى الله المشتكي غير أن الضربة التي أصابت الدعوة الإسلاميه في الصميم هي أن الدعاة- إلا قليلا منهم- ليسوا على شيء مما يدعون إليه فلم يبدأوا بأنفسهم في تأييد دعوتهم ولم يعطوا الشهادة العملية على ما يدعون إليه، فشككوا الناس في دعوتهم التي لم يحترمونها ولم يؤيدوها بأعمالهم وهذا هو المقت الذي حذر منه القرآن إذ قال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ذلك أن الداعي قدوة لمن يدعوه ولذا لما سئل عليه الصلاة والسلام: ما هو البلاء؟ قال: العلماء إذا أفسدوا، وهذا هو السر في نجاح الدعوة الإسلامية يوم أن كان على رأسها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنهم المثل الأعلى للكمال الإنسانى والصورة الحية الناطقة لما يدعون إليه لأن الناس يؤثر فيهم حسن العمل أكثر مما يؤثر فيهم حسن القول، فقبيح أن يدعو داع إلى شيء لم يفعله أو إلى خلق لم يتحل به، ولذلك جعل الله العمل الصالح من صفات القول الحسن وهذا من بدائع القرآن التي أنفرد بها إذ يقول:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فليتعظ بذلك دعاتنا فكثير منهم أحوج إلى الموعظة ممن يعظونهم وهذه فضيحة لهم في الدنيا قبل الآخرة. فليست الدعوة إلى الله- إذن- كلاما مجردا عاديا يستطيع أن يملأ به شدقيه كل من لاحظ له من دين أو خلق ولا خلاق له من إيمان أو استقامة، وإنما هي كفاح مرير ينبغي إن لا يخوض غماره إلا من تسلح له بسعة الصدر ولين القول واستقامة السيرة وبلاغة المنطق وقوة الحجة، ثم تأتي بعد ذلك مسؤلية الجمهور الذي يجب عليه أن يبلغ ما سمع إلى إخوانه الذين
شردوا عن مواطن الإصلاح وأتبعوا أهواءهم، لتعم دعوة الإصلاح سائر الطبقات، تلك المسئولية العامة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم بالآية المتقدمة "كنتم خير أمة الخ" وبقوله صلى الله عليه وسلم "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".
هذه بعض أو أهم أدوات الدعوة إلى الله، أما الدعوة نفسها فالقرآن كله دعوة إلى الله حتى قسم القصص والأخبار منه كما حكي أن المنصور قال لعمرو بن عبيد: عظني قال: نعم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} .
وأكبر ما أبتليت به الدعوة الإسلامية في هذا العصر هذه الدعوة الإلحادية التي تقوم بها الكثرة الغالبة من شبابنا الذي قضت عليه ظروفه السيئة أن يتلقى ثقافته عن قوم ليس لهم عدو إلا الإسلام حتى أصبح مقياس الرقي عندهم عقوق هذا الدين الذي بذل شباب الإسلام الأولون في الدعوة له والدفاع عنه دماءهم وأرواحهم، ولكن سينصره الله وإن خذله المسلمون كما نصره قبل أن يخلقوا والعالم كله يتيه في الشرك والوثنية {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}
وإذن فالدعوة التي تتناسب مع هذا الظرف الذي تغلبت فيه المادة على الروح والكفر على الإسلام هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فإن الله لا يقبل الإسلام المبعض الذي لم يقبله من بني إسرائيل إذ قال فيهم: {تُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ولا يقبل الإسلام المؤقت لأن الأعمال بالخواتم ولأن الله يقول: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)