الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكفاءة
قال عليه الصلاة والسلام: "إذا وسد- أسند- الأمر إلى غير أهله، فانتظروا الساعة). ينبهنا هذا الحديث العظيم إلى علة مبيدة متلفة، من عللنا الاجتماعية المختلفة وهي قيام نهضتنا على جهاز تندس فيه بعض العناصر التي لا تصلح لأن تكون في الأساس لأن الأساس يجب أن يتكون من حجارة قوية صلبة تثبت لما يقوم عليها من بناء، وإلا تضعضع البناء ثم انهار، وأدركه الدمار.
لذلك نرى المجتمع الإسلامي الأول قد قام على دعائم ثابته قوية، من أمثال إلى بكر وعمر وعثمان، وعلي وباقي العشرة المشهود لهم بالجنة وما ثبتت لهم شهادة الصادق الأمين بالجنة، حتى ثبتوا معه، ثبوت الأطواد في إقامة دعوته على دعائم ثابتة، راسخة، ضمنت لها الخلود والبقاء، ومن أحق بالجنة من هؤلاء الذين تكونت منهم أسرة الإسلام الأولى؟.
هذه العلة تولدت من علل أخرى كثيرة، أبرزها تلك العلة الفاتكة، التي خصصنا لها الفصل السابق، وهي: الغرور ولا عجب فالعلل تتوالد، كما تتوالد الجراثيم.
فهذا الغرور زين لكثير من السطحيين وبسطاء التفكير، أن يبرزوا في الميدان ويزاحموا بمنكبهم الضعيفة، ذوي المناكب القوية، في تشييد صرح النهضة وإقامه أساسها ويمكننا أن نسمي هذا النوع من الغرور تطفلا، إذ يحمل أصحابه على التطلع لمراتب لم يخلقوا لها، ويوحى إليهم بالتطاول إلى مقامات ليسوا من أربابها، ومن ثم يمكننا كذلك أن نسميه تنطعا، والتنطع أن تتكلف ما لا تحسن، أو ما لا يتسع له طوقك
وذرعك، وهو داء قلما سلم المصابون به من آثاره السيئة، وعواقبه الوخيمة، ومن هنا قال- عليه الصلاة والسلام:"هلك المتنطعون"، إذ لو عرف كل متنطع منزلته فوقف عندها، أو تواضع لله فوقف دونها لما ارتطمنا بهذه المشكلة، ولما تعرض هنا لآفتها وسوء عاقبتها.
وأيا كان اسم هذا الداء، فإن الحديث يبرز سوء عاقبته في صورة مهوله مفزعة، تقشعر منها الأبدان، وتبعث الرعب في النفوس، وتثير الخوف في القلوب، وتشعر اليأس من تلا في الأمر، وإمكان النجاة إنها قيام الساعة، وكفى بها هولا وفظاعة، هكذا:"إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة".
وقيام الساعة كناية عن اختلال الأمور، وانتشار الفوضى، وانقلاب الأوضاع، وخراب المجتمع، كما يحدث عند قيام الساعة، ولا غرابة في ذلك فإن العالم يقوم على قواعد ثابتة، وأنظمة محكمة فمتى سرى الاختلال والفساد إلى هذه القواعد والأنظمة فقد قامت قيامة العالم وإدركته نهايته.
وقد عرف العرب قديما، هذا الداء فقالوا:(أعط القوس باريها) وقال شاعرهم:
يا باري القوس بريا لست تحسنها
…
لا تفسدنها وأعط القوس باريها
فهذه العلة- أن يقوم بالأمر من لا يحسنه- عله قديمة، أصطلى الناس بنارها مند القدم، ولم يتمكنوا من الإفلات منها إلى اليوم، وهي كذلك عامة في كل حركة من الحركات، وفي كل ناحية من نواحي الحياة، تقوى هنا وتضعف هناك، وتعلم في ناحية، وتجهل في أخرى.
فكم متهافت على الزعامة، متهالك عليها، وهو ليس من أهلها ولا من طرازها، ولكن الغرور، وعدم الإعتراف بالقصور، قاداه إلى ما لا تحمد عقباه، فقاد أمته إلى الحمام، وهو يقول:(إلى الأمام).
كم متطفل على التعليم، أفنى عمره في إفساد النشء الصالح وتضليل
الشباب الطامح، فقلب الحقائق، وطمس المعالم، وجاءت على يده البصائر حولا، كما يقول شوقي:
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة
…
جاءت على يده البصائر حولا
وكم مدع للطب، جلب الداء، وضاعف البلاء، وأهلك الحرث والنسل وكان كأبي منذر المتطبب الذي يقول فيه الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
…
حنانيك، بعض الشر، أهون من بعض
وكم من مباشر لمهنة، جهل مهنته، فأضاع وقته، وخان أمته، من حيث يدري أو من حيث لا يدري.
إن تنسيق الأوضاع، وترتيب الكفاءات، وإعطاء القوس باريها، وإسناد الأمر إلى أهله، أمور لابد منها لكل أمة تريد الحياة، ولا سيما هذه الأمة الفتية التي تقف اليوم على عتبة الحياة ة فليعرف كل مواطن، واجبه في إخلاصه لأمته، ولا يتكلف ما لا يحسن، وليجعل شعاره قول عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
…
وجاوزه إلى ما تستطيع