الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إصلاح ذات البين
الإصلاح وظيفة الأنبياء ووظيفة ورثة الأنبياء (العلماء) وأهم وجوه الإصلاح: الإصلاح بين الناس بتنقية قلوبهم من أشواك الضغائن وبذور الأحقاد كما أن من أكبر معاول الهدم والإفساد: الإفساد بين الناس بالسعي في بث الخلاف بينهم وإيقاد نار الفتنة في صفوفهم، وأكبر ثغرة يدخل منها الشيطان إلى قلب الإنسان أن يزين له كل ما يبعد ما بينه وبين أخيه كالغضب لأضعف سبب وكالشح بفضول أمواله، وكالغيبة والنميمة والكبر وما إليها مما يحدث الفجوات بين القلوب والوحشة بين النفوس، وإذا تباعدت القلوب لم تتقارب الأبدان وإذا تباغضت الصدور لم تتقابل الوجوه وإذا تشامتت الألسنة لم تتصافح الأيدى. ففي التقاطع التباغض وفي التباغض التخالف وفي التخالف التخاذل وفي التخاذل العجز وفي العجز الحرمان والشقاء ثم الإضمحلال والفناء وهي العاقبة السيئة التي حذر منها الإسلام إذ قال الله تعالى:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} .
فإذا أردنا أن نصلح بين اثنين دبت الخصومة بينهما، فلنصلح أولا قلوبهما ولننزع ما في صدورهما من غل وما تنطوي عليه ضلوعهما من بغضاء وحقد، ولكن هل إلى ذلك من سبيل؟ هل من سبيل إلى التأليف بين قلبين تباغضا؟ نعم إنه لا أصعب من طب القلوب ولكن لكل داء دواء، ولداء القلوب دواؤه، ولكن دواء القلوب لا يخرج من الأرض ولكن ينزل من السماء إنه في دين الله وفي التذكير بالله، إنه في نفحات القرآن التي هبت على قلوب مشركي العرب فملأتها إيمانا بالله، وحولتها من ذلك العداء المستحكم بينها إلى ألفة جعلت الأعداء إخوانا وذلك هو قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
حقا لقد كان العرب يعيشون على هذه الفرقة ويقتاتون من هذه البغضاء
وتنمو هذه البغضاء حتى تستحيل إلى حروب طاحنة مدمرة تمتد إلى أن تعمر ما يعمر الفرد كما عاشت حرب البسوس أربعين سنة وكما عمرت حرب داحس، الغبراء مثل ذلك، فهذا التقاطع الذي تمتد جذوره في أعماق الزمن هذا الامتداد ويتأصل في النفوس والطباع حتى يغدو نظاما اجتماعيا وحتى يصبح الفرد من هذا المجتمع المتقاطع المتناثر يفتخر بالسلب والنهب والقتل وحتى تذم القبيلة بقلة حظها من هذه الصفات المنكرة فيقول أحد الشعراء في تجيلة خصمة:
قبيلته لا يغدرون بذمة
…
ولا يظلمون الناس حبة خردل
هذا التقاطع المستحكم هو الذي انقطعت دونه أطماع المصلحين وانحسرت أمامه كفايات الأنبياء والمرسلين حتى قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} تلك هي معضلة القلوب التي استعصى حلها على غير من برأها، التي جعلته صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:"يا محول القلوب ثبت قلبي على دينك".
وإذن فالذين يحاولون إصلاح القلوب من طريق غير طريق الدين نصيبهم
الفشل والإخفاق، إن هذا الظلام الذي يخيم على القلوب لا يبدده شيء كنور الإيمان وإن هؤلاء الأفراد المتنابذين المتدابرين لا يربط بينهم كرابطة الدين.
فلنلجأ إلى هذا الدين ولنطلب عنده شفاءنا ولنحل على ضوئه مشكلاتنا وليكن مقدمة ما نرده إلى ديننا إصلاح ذات بيننا وإزالة كل أسباب الخلاف من صفوفنا لنتقدم في سيرنا إلى غايتنا بقلوب مجتمعة متآلفة وصدور طاهرة متحالفة وصفوف متحدة متكاتفة ولا نكن كالمنافقين الذين قال الله في حقهم: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} ولنستمع لدعوات القرآن المتكررة في ذلك من مثل قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ولكن فينا شياطين يصدون عن الدين، وإن فينا مفرقين يستغلون ما يحدث من خلاف بين المسلمين فيوغرون صدورهم ويوقدون نار الفتنة بينهم بما ينفثون من سموم السعاية وما يبثون من جراثيم الوشاية لا يخافون في الشر لومة لائم رضوا بأن يكونوا قناطر للشر ومعابر للفتنة كما رضوا لأنفسهم بهذه السفارة الرخيصة سفارة الجراثيم في نقل الأمراض
لا فرق بينهم وبينها إلا أن الجراثيم تسمم الأبدان وهؤلاء يسممون القلوب التي لا صلاح للأبدان إذا فسدت، وإذا قام المسلم بهذه الوظيفة الوضيعة فما الذي أبقى للشيطان الذي يجعل الخلاف وسيلته الكبرى لإشقاء بنى آدم في العاجل والآجل، وماذا أبقى للمستعمر الأستاذ الأكبر المتخصص في غرس شجرة الخلاف الملعونة وتنميتها وتموين الفتنة وتغذيتها على أنه إذا كان في مجتمعنا دعاة للشر والفتنة فإن فيه كذلك دعاة للخير والألفة وكلا الفريقين معروف بأعماله، فلتعرف الأمة ذلك ولتعمل به، وإذا لم يعظها شيء فلتتعظ بما يقع في مجتمعها من خصومات أودت بوحدتها وفتكت بماليتها، فلا عجب بعد ذلك أن يسمى النبي صلى الله عليه وسلم الإصلاح بين الناس تجارة، فعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب:"ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال:"تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا".