الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التقوى هاهنا
قال لي أحد الإخوان: إن من يقرأ عنوان مقالك (لنتطهر) يشعر بأن سيقرأ مقالا في التطهر من الذنوب عامة، ولكنه يخرج بكلام في الربا وحده.
قلت له: وأي ذنب كالربا أولى بأن نبدأ به ونجعله الحلقة الأولى لسلسلة تتناول أشياء كثيرة يجب أن نتطهر منها؟
وإن أكل الحرام أول شيء يجب أن نتطهر منه، ولا غرابة في ذلك فقبل بذر الحب يجب إعداد الأرض للزرع، وقبل الصلاة- التي هي تطهر قلب- يجب الوضوء- الذي هو تطهر بدن- ولكن هذا البدن المتنجس بالغذاء الحرام، لا يفيد فيه الوضوء قبل أن يتطهر من الغذاء الحرام، والربا هو الحرام الذي عمت به البلوى، والسحت الذي نبت منه- اليوم- كل لحم، والذي يقول صلى الله عليه وسلم في مدى خطره-:"كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"، ولا يصرفنا عن التعرض لهذا المرض أن الأكثرية الساحقة من الأمة قد أصيبت به، بل إن المرض العام والأكثر انتشارا هو الذي يجب أن يلفت الأنظار، وتتظافر- لمقاومته- الجهود.
نحن- اليوم- ويا للأسف.- نسبح في خضم متلاطم الأمواج من الذنوب لأننا نعيش في بيئة، أقل ما يقال فيها: أنها بيئة ذنوب، والوازع الديني فيها والخلقي، فقد كل ما كان له من تأثير وسلطان على النفوس وما أسرع فشو الذنوب في بيئة فقدت وازع الدين والخلق، فهناك أشياء في قانون الدين والخلق، تعين على تضييق دائرة الذنوب أو تقضي عليها من أصلها، وتأتي على بنيانها من القواعد، خلت منها بيئتنا منذ خلت من الوازع الديني والخلقي، كالغيرة والحياء، اللذين طالما وقفا سدا منيعا في
طريق الذنوب، وتمثلا حارسا قويا لضعاف القلوب، يهم الفتى أو الفتاة بالفاحشة، فسرعان ما يستيقظ بين جوانحهما عامل الغيرة، الغيرة على رأس المال الحقيقي، الذي هو الشرف، الذي ميز الله به الإنسان عن الحيوان فإذا لم يستيقظ عامل الغيرة، أو استيقظ ولكنه لم يقو على المقاومة والوقوف في وجه التيار، استيقظ عامل الحياء والخوف من الفضيحة وذهاب هذه الذخيرة الغالية، التي تسمى الشرف، ضحية شهوة تفنى ويخلد عارها.
ولكن، أين الغيرة والحياء اليوم؟ لقد تقلص ظلهما، واختفى شبحهما، منذ زمن بعيد، وحل محلهما النظام الغربي الجديد الذي لا يقيم للوازع الديني والخلق وزنا، والذي يرى أن الغيرة ضيق أفق، والحياء جمود فكر، وأصبحنا نرى الشاب المسلم يغار على شعره أكثر مما يغار على أهله، ويستحي من دخول المسجد، ولا يستحي من دخول دور اللهو والعبث والفسق والفجور، ونرى الكواعب الأبكار قد خلعن العذار، وهجرن الديار، وبرزن في كل ميدان واستسلمن إلى كل تيار، وتجردن من كل ما يسمى غيرة أو حياء، وتجاهلن كل اعتبار ..
إن موت الغيرة والحياء ساقنا إلى الدمار، وجلب كل عار، وحسبنا خزيا أن لحوما كثيرة في مجتمعنا نبتت من حرام، وليس لذلك من سبب إلا انطفاء نار الغيرة، ونضوب ماء الحياء اللذان سببا اختلاط النساء بالرجال، فجاء من هذا الإختلاط الحرام، نبات (نبت) من حرام.
إنه لو بقيت الغيرة والحياء، لما عرفنا هذا البلاء، ولكن كيف تبقى الغيرة أو الحياء، وهما من الإيمان؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا إيمان لمن لا غيرة له"، كما يقول:(الحياء من الإيمان)، بل يقول (قلة الحياء كفر)، والإيمان قد خلا مكانه من القلوب، فما بقاء الفرع، بعد ذهاب الأصل؟
إنه لو بقي في القلوب إيمان، لبقي السلك الكهربائي الذي يصل ما بين القلوب، فإذا خوطبت بالأمر والنهي ومست بالكلام المثير، تحرك فيها ذلك السلك الكهربائي، فاهتزت واستيقظت واتجهت في طريق الرشد والسداد.
إن للحياة مصدرا هو القلب، وإن صاحب القلب الميت لا ينتفع بالأمر والنهي، فلا عجب أن نرى القرآن- كتاب التوجيه الخالد- لا يوجه نداءاته إلا للقلوب
الحية التي تعي ما يوجه إليها من تذكير وإنذار: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ، {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} .
والمراد بالعمى، عمى القلوب، وهو موتها وذهاب نزرها، {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .
فلا غرو- بعد ذلك- أن يجعل نبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام هذه القلوب الواعية المستيقظة الحية، الموطن الأصلي والمصدر الحقيقي للتقوى، إذ يقول: "التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا)، ويشير إلى قلبه.
ولكن لا بأس، فالمسلم لا يدين باليأس، {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} ، وما دام المسلمون ممسكين بخيط- ولو كان ضعيفا واهيا- من الإيمان الذي هو حبل الإنقاذ والهداية، فإن العاقبة لهم بحول الله.
{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .