الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأخوة
لابد لهذا المجتبع الإنساني (تلك الأسرة الكبيرة المتشعبة) من روابط قوية تؤلف بينها، وتمكنها من تعاونها من لغة، ودين، ووطن، ومصاهرة، وأخوة، الخ .. ، وقد راعى الإسلام كل هذه الروابط ومكن لها ودعا إليها، وحث عليها، لأنها تعين على تحقيق ما جاء به من جعل الناس- بالتآخي والتآلف والتعاون- أسرة واحدة، ومن هنا كانت رسالة الإسلام عامة.
والذي يعنينا- هنا- من هذه الروابط، هو الأخوة، إذ هي التي كاد يطويها الزمان، ويعفى عليها ذيل النسيان، مع أن الإسلام قد اعتبرها الرابطة العامة، والجامعة الكبرى بين أبناء الإسلام، إذ قال- تعالى-:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} بل، إن هذا التعبير بأداة الحصر هكذا:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} يؤدي أكثر من ذلك، إذ ينفي ويمنع أن يكون المسلم غير أخ للمسلم.
وللأخوة الإسلامية فوائدها وثمراتها، والحديث الصحيح يتكفل ببيان ذلك إذ يقول:"المؤمن كثير بإخوانه" وإذ يقول: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة".
إنه- صلى الله عليه وسلم يريد أن الإسلام يجعل من الأخوة قوة أي يجعل من القلة كثرة، ومن الفرد جماعة، وينقل قلة الفرد، إلى كثرة الجماعة، ذلك لأن الأخوة تجعل الأخ لا يظلم أخاه ولا يسلمه، بل يعينه ويحترمه، كما في الحديث
المتقدم،- وإذن- فالوحده التي هي دعامة القوة، أساسها تحقيق معنى الأخوة، ومن هنا باء بالخيبة والفشل هؤلاء الذين بحت أصواتهم في الدعوه إلى توحيد كلمة الأمة، وجمع شتاتها، قبل تحقيق الأخوة بين أفرادها، لأنهم يبنون على غير أساس، كيف تتحد الآراء، وقد تنافرت القلوب؟
وقد نجح الإسلام في توحيد المسلمين، لأنه وحد- قبل ذلك- قلوبهم برباط الأخوة الإسلامية التي أقام أساسها على صخرة صلبه تنبو المعاول عنها، وهي تقوى الله، والحب في الله،:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} ، {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} ، {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} .
إن هذه الأخوة- أخوة الروح لا الجسد، وأخوة الدين لا الدنيا، وأخوة في الله، لا في المصلحة- التي ربط الإسلام بها ما بين القلوب- لو بقيت للمسلمين لبقي لهم كيانهم وسلطانم، ولكن هذه الأخوة تبدد شملها، ودالت دولتها، وخلفتها أخوة المصالح والأغراض، وأخوة الكاسات والخليلات، تلك الأخوة التي يتباهى بها الشاعر الماجن إذ يقول:
فإن يشرب أبو فروخ أشرب
…
وإن كانت معتقة عقارا
وإن يأكل أبو فروخ آكل
…
وإن كانت خنانيصا صغارا
والتي يحدثنا عنها التاريخ إذ يقول:
ولي خالد بن عبد الله بن إبي بكرة قضاء البصرة، فجعل يحابي فقيل له في ذلك فقال: وما خير رجل لا يقطع لأخيه قطعة من دينه.
تلك الأخوة التي يعصى بها الله ويطاع الشيطان، والتي تفرق أكثر مما تجمع، والتي يقضى عليها حياته أكثر شباب اليوم.
ولله در ابن المقفع إذ يقول: أبذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحيتك، ولعدوك إنصافك وعدلك، وصن بدينك وعرضك عن كل أحد.
أيها المسلم: إنه لا بد لك في هذه الحياة الطافحة بالمصائب والويلات من أخ تبثه شكواك، ويعينك على بلواك، فاختره من ذوي الدين والمعرفة، ومن أهل الصدق والمروءة، من مثل أولئك الذين عناهم الشاعر بقوله:
إن أخاك الحق من كان معك
…
ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الرمان صدعك
…
شتت فيه شمله ليجمعك
فإذا ظفرت بهذا الأخ فحافظ عليه، واحذر أن يفلت من يديك، فقد قيل: أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم، والرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال، ولله در القائل:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة
…
ولكن إخوان الثقات الذخائر
وإياك ان تصحب كل من سرك لقاؤه، وأعجبك كلامه، فكثيرا ما سر المظهر، وساء المخبر، وفي الناس المنافق، وذو الوجهين، ولا سيما في هذا العصر المادي، وإن الإخوان- كما قال المأمون:- ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليه إلا أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
وإذا تطلعت نفسك إلى المثل الأعلى للصديق، فاقرأ الأمثلة التالية:
قال محمد الباقر، لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدراهم والدنانير؟ قالوا: لا، قال: فلسم إذن بإخوان.
وقال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئم: رجل بدأنى بالسلام، ورجل وسع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه في المشي إلي، إرادة التسليم علي، فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجل، قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي.
ولما طلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب (كاتب مروان- آخر خلفاء بني أمية) حين تغلب بنو العباس عليهم-،كان صديقا لابن المقفع- فاجأهما الطلب وهما معا في بيت، فقال الذين كلفوا بالقبض عليه: أيكما عبد الحميد؟ فكل واحد منهما قل: أنا- خوفا على صاحبه- وخشي عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع، فقال: ترفقوا
بنا فإن كلا منا له علامات، فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر، ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم، ففعلوا، وأخذ عبد الحميد.