الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صدق الشعور
لقينى أخى السعيد البيباني بقسنطينة في هذه المناسبة الطيبه (مناسبة تدشين
دار الطلبة) ومعه طفل لم يتجاوز السادسة من عمره، ولما سألته أهو ابنه؟ قال: نعم هذا ابني عبد الحميد طلب إلي أن يصحبني إلى حفلة التدشين ليحظى بسماع صوت الرئيس البشير الإبراهيمي لأنه كان قد سمعني أتحدث بأن حديثا خاصا بهذه المناسبة قد سجل للأستاذ الرئيس في القاهرة لتسمعه الجماهير الوافدة لشهود الحفلة.
إن هذا الخبر شاهد على صدق الشعور الذي انبث في هذه الأمة وتغلغل في أفرادها حتى نبضت به قلوب صبيانها وأعربت عنه ألسنتها.
إن الأطفال لا يعرفون المجاملة ولا يحسنون النفاق فكل ما تنطق به ألسنتهم من هذا القبيل هو الصدق طبيعة وجبلة، وشاهد آخر رآه الناس في يوم قسنطينة العظيم (يوم تدشين دار الطلبة) إذ تجردت نساء تلمسان من حليهن وزينتهن لإعانة هذا المشروع عن رغبة صادقة في الخير وعن طيب خاطر وعن تفان في حب الإصلاح ورفع منزلة الوطن والنهوض بالأمة إلى مستواها الجديرة به بين الأمم.
أماما قابل به أهل قسنطينة ضيوفهم الكرام من الحفاوة والإكرام والتقدير والاحترام، فحدث عن البحر ولا حرج، وإنك لتراهم يتسابقون إلى الضيوف ليفوز كل منهم بعدد كبير يشرف به منزله طوال مدة إقامته، وإنك لتسمع الذين ظفروا ببغيتهم من الحصول على عدد وافر من الضيوف يفاخرون الذين حرموا بغيتهم فلم يظفروا إلا بعدد قليل لا يروى غلتهم إلى البر وحب الخير، أو رجعوا خائبين لم يظفروا بكثير ولا قليل، وإنك لتلمح على هذه الوجوه التي حرمت بغيتها آثار الخيبة والحرمان وتتبين فيها علائم الحزن والحسرة والألم، وإنه ليطربني أن أرى شيوخ المعهد وأعضاء الجمعية في الطليعة
يتقدمون الأمة في هذه المبرة الخالدة زيادة على التنظيم والإعداد اللذين أنفدوا فيهما قواهم. الحقيقة: أن هذه الأمة لم يخلق الله مثلها في الأمم، وأن هذه المشاعر الكريمة والخصائص العظيمة التي وهبها الله هذه الأمة لم يهب مثلها أمة من الأمم، وإن يوما تتنبه فيه هذه المشاعر وتتجلى فيه هذه الخصائص على أكملها لهو يوم يكثر فيه عويل من يتمنون زوالها ويتربصون بها دوائر السوء، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
فيا أيتها الأمة الكريمة على ربها، العظيمة في تاريخها، لا تحقري نفسك
ولا تستصغري قدرك، فإن الله جعلك خير أمة أخرت للناس، وخصك بخير الأنبياء، وختم بكتابك هداية السماء، وقد طال منامك حتى ظن حمامك، فانفضى عنك غبار السنين وأزجرى عن أجفانك طائر الكرى، وانهضي لقيادة العالم من جديد فقد أوشك أن يلقى حمامه ويودع أيامه، إنه يترنح للسقوط، إنه مفكك الأوصال مهيض الجناحين، مستعبد لشهواته، إنه يصنع بيديه ما يقضي عليه، ويخرج مصنعه كل- ما فيه مصرعة، إنه يخرب بيته بيده، ويسعى إلى حتفه بظلفه، إنه عاد إلى شريعة الغاب والظفر والناب، وودع شريعة الأخلاق والآداب.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
…
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهيوا
إن العالم اليوم تسيره الأيدي التي لا تؤمن بالله، وهذا يكفي في سيره إلى الهاوية. وأنت: أنت أيتها الأمه المسلمة التي تنقذين العالم كما أنقذته من قبل، وتنيرين له الطريق كما أنرته أولا.
إنه لا ينقصك للقيام بهذه المهمة إلا أداة واحدة، وهي الأداة التي كانت في
يدك يوم ائتمنتك السماء على هدايتها، هي أن تحملي مشعل هذه الهداية في يدك وتسيري في الطريق الذي رسمه لك حامل المشعل الأول صلى الله عليه وسلم. ليس عليك إلا أن تلمي شعثك وتوحدي صفوفك وتضحي بنفسك ومالك لتربية أبنائك وتثقيفهم وإعدادهم للمسئولية الكبرى ولليوم العظيم.
هذه هي الأداة التي كانت في يدك فصنعت بها العجائب وهي التي ستصنعين بها العجائب إن أردت، والتي يصلح عليها أمر دنياك وأمر أخراك، وإمام دار الهجرة مالك ابن أنس رضي الله عنه يقول:"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".