الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يجزئ عنه
(1)
بدون إذنه، ويتوجه
…
(2)
.
وأيضًا فإن ذلك ما دام إذنه ممكنًا، فعند تعذُّرِ إذنه يجوز أن يجعل الله فعل غيره قائمًا مقام فعلِ نفسِه في الواجبات وامتثال الأوامر، كما قد يقوم فعلُ غيره مقامَ فعله في المندوبات وحصول الثواب، كما تقدَّم في مسألة إهداء الثواب للموتى
(3)
، وتقدَّم تقرير هذه القاعدة، وأن
من زعم أن العمل لا ينفع غير عامله في جميع المواضع فقد خرج عن دين الإسلام
(4)
.
فصل
يجب الحج عن الميت والعاجز من حيث وجب عليه
، قال القاضي
(5)
: يلزمهم أن يحجوا عنه من دُويرة أهله. وهو الموضع الذي ملك فيه الزاد والراحلة، سواء كان هو وطنه أو لم يكن، وسواء مات فيه أو في غيره. ثم إن مات في بلد الوجوب حُجَّ عنه من ذلك البلد. وإن مات في بلد أبعد عن مكة منه، أو هو في جهة غير جهة بلد الوجوب، حُجَّ عنه من بلد الوجوب، ولم يجب أن يحج عنه من بلد الموت. وإن مات ببلد أقرب إلى مكة من بلد الوجوب، وجب أن يُحَجَّ عنه من بلد الوجوب أيضًا، إلا أن يكون قد مات
(1)
«عنه» ليست في ق.
(2)
بياض في النسختين.
(3)
في القسم المفقود من الكتاب.
(4)
قرَّر المؤلف هذه القاعدة في «مجموع الفتاوى» (24/ 306 - 313) و «جامع المسائل» (5/ 203 - 206).
(5)
انظر «التعليقة» (1/ 80).
قاصدًا للحج.
قال في رواية الأثرم
(1)
: يُحَجُّ عنه من حيث وجب عليه من حيث أيسر، قيل له: فرجل من أهل بغداد خرج إلى خراسان فأيسر ثَمَّ؟ يُحَجُّ
(2)
عنه من حيث أيسر، فذُكِر له أن رجلًا قال: يُحَجُّ عنه من الميقات، فأنكره. قيل له
(3)
: فرجل من أهل خراسان أو من أهل بغداد خرج إلى البصرة، ومات بها، قال: يُحَجُّ عنه من حيث وجب عليه.
وقال في رواية أبي داود
(4)
في
(5)
رجلٍ من أهل الريّ وجب عليه الحج ببغداد، ومات بنيسابور: يُحَجُّ
(6)
عنه من بغداد
…
(7)
.
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحج الذي عليه دَينًا، وأمر الوارث أن يفعله
(8)
عنه كما يفعل الدين، وقد كان عليه أن يحج من دُويرة أهله، فكذلك من يحج عنه.
ولأن الحجة التي يُنشِئها من دُويرة أهله أفضل وأتمُّ من التي يُنشِئها من دون ذلك، بدليل قوله سبحانه:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. قال
(1)
كما في المصدر السابق (1/ 80).
(2)
في المطبوع: «تحج» ، تصحيف.
(3)
«له» ساقطة من س.
(4)
انظر «مسائله» (ص 136). ونقلها أبو يعلى في «التعليقة» (1/ 80).
(5)
«في» ساقطة من س.
(6)
في المطبوع: «نحجُّ» ، تصحيف.
(7)
بياض في النسختين.
(8)
ق: «يفعل» .
علي رضي الله عنه: إتمامهما
(1)
أن تُحرِم بهما من دُويرة أهلك
(2)
. يعني أن تُنشئ لهما سفرًا من دُويرة أهلك. فإذا مات فقد استقرت في ذمته على صفة تامة، فلا يجزئ أن يفعل بدون تلك الصفة.
ولأنها مسافة وجب قطعها في حال الحياة، فوجب قطعها بعد الموت، كالمسافة من الميقات، وهذا لأنه لو كان مجرد الحج كافيًا لأجزأ الحج عنه من مكة، لأنها حجة تامة.
و
(3)
لأن قطع المسافة في الحج أمر مقصود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك جهادًا
(4)
، فقال:«الحج جهاد كل ضعيف»
(5)
. وقال للنساء: «عليكن جهاد لا قتالَ فيه: الحج والعمرة»
(6)
. ولهذا كان ركن الوجوب الزاد والراحلة هو المال، فيجب الحج بوجوده، وينتفي الوجوب [ق 155] بعدمه.
ومعلوم أن المال لا يحتاج إليه في أفعال الحج، فإن أكثر المواقيت بينها وبين مكة دون مسافة القصر، وذلك القدر لا يعتبر له راحلة ولا مِلْك زادٍ أيضًا، ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل يُطيل السفر أشعثَ أغبرَ، يمدُّ
(1)
ق: «تمامهما» .
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (12834) والطبري (3/ 329) والحاكم (2/ 276) وغيرهم من طريق عبد الله بن سلمة المرادي عن علي. قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (2/ 228): «إسناده قوي» .
(3)
الواو ساقطة من ق.
(4)
في المطبوع: «جهاد» ، خطأ.
(5)
سبق تخريجه.
(6)
سبق تخريجه.
يديه
(1)
إلى السماء، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرام ومشربُه حرام وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟»
(2)
، ولم يذكر مثل هذا في المصلّي ونحوه؛ لأنه ليس المال من خصائصه.
فلو جاز أن يحج عنه من دون الميقات لسقط ما يعتبر له المال من قطع المسافة.
وأيضًا فإن النائب يجب أن يحج من حيث وجب على المنوب عنه كالمعضوب، فإنه لا بد أن يُحَجّ عنه من دُويرة أهله، والميت مثله، لأنهما في المعنى سواء.
فإن قيل: فهذا الميت والمعضوب لو قطع هذه المسافة لغير الحج، ثم أراد إنشاء الحج، لم يجب عليه أن يرجع إلى دُويرة أهله.
قلنا: وكذلك لو جاوز الميقات غير مريدٍ لمكة
(3)
، ثم عرض له قصدُها، جاز أن يُحرِم من موضعه، وإن لم يجز له ابتداءً أن يجاوزه إلا محرمًا.
ولأن من حج بنفسه يسقط
(4)
الفرض عنه بنفس أداء المناسك على أي صفة كان، بخلاف من حج عن غيره.
(1)
س: «يده» .
(2)
أخرجه مسلم (1015) من حديث أبي هريرة.
(3)
ق: «مكة» .
(4)
ق: «سقط» .
فصل
ومتى ملك الزاد والراحلة وجب عليه أن يحج على الفور، فإن أخّره بعد ذلك عصى بذلك. هذا هو المشهور في المذهب الذي عليه جمهور أصحابنا
(1)
، مثل أبي بكر وابن حامد
(2)
، وغيرهم. وقد نصّ أحمد في رواية عبد الله وابن إبراهيم
(3)
فيمن استطاع الحج وكان موسرًا، ولم تحبسه علة ولا سبب: لم تجز شهادته.
وقال
(4)
: إنه لا تُقبل شهادة من كان موسرًا قد وجب عليه الحج ولم يحج، إلا أن يكون به زمانةٌ أو أمرٌ يَحبِسه.
ولم يفرِّق بين أن يكون عازمًا على فعله أو غير عازم، ولم يأمر الحاكم بالاستفصال.
وقال ابن أبي موسى
(5)
: اختلف أصحابنا في الحج هل هو
(6)
على الفور أو على التراخي، على وجهين: أصحهما أنه على الفور على من وجد السبيل إليه، وهو بيِّن في كلام أحمد رضي الله عنه.
(1)
انظر «التعليقة» (1/ 120) و «المغني» (5/ 36).
(2)
س: «أبي حامد» ، خطأ.
(3)
«ابن» سقط من س، والصواب إثباتها كما في ق، وهو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ. انظر «التعليقة» (1/ 120، 121). ولا توجد المسألة في المطبوع من مسائل عبد الله وابن هانئ.
(4)
كما في «الإرشاد» (ص 181).
(5)
في «الإرشاد» (ص 181).
(6)
«هو» ساقطة من س.
ولأن أحمد أوجب أن يُخْرَج
(1)
عن الميت من حيث يجب عليه، وإن مات أبعد منه أو أقرب، ولو كان الوجوب في غير وطنه.
وذكر القاضي أبو الحسين
(2)
في المسألة روايتين: إحداهما: أنه على التراخي، ذكرها ابن حامد. وكذلك ذكر ابن أخيه
(3)
؛ لأنه
(4)
قال: وإذا وجد الزاد والراحلة وجب الحج عليه. وقال: ولا تُقبل شهادة من كان موسرًا قد وجب الحج عليه ولم يحج، إلا أن يكون به زمانةٌ أو أمرٌ يحبِسه، وهو قياس على سائر العبادات الموقتة.
وذكر القاضي أبو يعلى الصغير في المسألة روايتين: إحداهما أن وجوبه على التراخي، واختار ذلك لأن فريضة الحج نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة خمس أو ست؛ لأن ذِكْرَ الحج في حديث ضِمام بن ثعلبة، وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة خمس؛ ولأن الله تعالى قال:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فأمر بإتمامهما
(5)
، وذلك يقتضي وجوب فعلهما تامَّينِ، ووجوبَ إتمامهما بعد الشروع فيهما، كما أن قوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] يقتضي ذلك؛ لأن حقيقة الإتمام فعل الشيء تامًّا، وذلك أعمُّ من أن يُبتدأ ثم يتمّ، أو أن يُعمل بعد الابتداء، ولو لم يكن الأمر بإتمامهما
(6)
إلا
(1)
كذا في النسختين، وفي هامش س: لعله «أن يحج» . وفي المطبوع: «نخرج» .
(2)
هو ابن أبي يعلى، انظر «التمام» له (1/ 307).
(3)
هو أبو يعلى الصغير حفيد القاضي أبي يعلى.
(4)
ق: «انه» .
(5)
س: «بإتمامها» .
(6)
س: «بإتمامها» .
للداخل فيهما، فإنما يجب الإتمام لما كان واجبًا بأصل الشرع.
أما أن يكون إتمام العبادة واجبًا أو
(1)
جنسها ليس واجبًا بالشرع، بل العبادات اللواتي يجب جنسهن في الشرع لا يجب إتمامهن= فهذا بعيد.
وهذه الآية نزلت عام الحديبية سنة ست من الهجرة بإجماع أهل التفسير
(2)
.
وأيضًا فإن الله تعالى فرض الحج على لسان إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27]، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا، لا سيما شرع إبراهيم؛ فإنا مأمورون باتباع ملته بقوله تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]، وبقوله تعالى:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130]، وقوله:{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]، وقد فسر جماعة من السلف الحنيف: بالحاج
(3)
، وقوله:{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} الآية [آل عمران: 95 - 96]، وقوله:{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}
(4)
[الأنعام: 161]، وبقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
(1)
كذا في النسختين، ولعل الصواب «و» .
(2)
انظر «تفسير الطبري» (3/ 341) و «تفسير ابن كثير» (2/ 92) وغيرهما.
(3)
انظر «تفسير الطبري» (2/ 592، 593) و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 241).
(4)
«وقد فسر
…
حنيفا» ساقطة من ق ..
إِمَامًا} [البقرة: 124]، وبقوله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل: 120]، وبقوله تعالى:{هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} في آخر سورة الحج والمناسك، وقوله تعالى:{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} [آل عمران: 68]، خصوصًا حرمة الكعبة وحجها
(1)
، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يُبعث بتغيير ذلك، وإنما بُعث بتقريره وتثبيته وإحياء مشاعر إبراهيم عليه السلام.
وقد اقتص [ق 156] الله تعالى علينا أمر الكعبة، وذكر بناءها وحجَّها واستقبالها وملةَ إبراهيم في أثناء سورة البقرة
(2)
، وذكر أيضًا ملة إبراهيم والبيت وأمره
(3)
، وثلَّث ذلك في أثناء سورة آل عمران
(4)
، وذكر الحج وأمره وسنته وملة إبراهيم والمناسك والحضّ عليها وتثبيت أمرها في سورة الحج
(5)
، وسورة الحج بعضها مكي بلا شك أو
(6)
أكثرها، وباقيها مدني متقدم، فعُلِم بذلك أن إيجاب الحج وفرضه
(7)
من الأمور المحكمة من ملة إبراهيم
(8)
، فيكون وجوبه من أول الإسلام.
(1)
بعدها في ق: «وذكر بناها وحجها» . وسيأتي قريبًا.
(2)
في الآيات 125 - 132.
(3)
في الآيات 135 - 144.
(4)
في الآيات 95 - 97.
(5)
في الآيات 26 - 37، 78.
(6)
ق: «و» .
(7)
ق: «وفريضته» .
(8)
«إبراهيم» ساقطة من س.
وإذا كان وجوبه متقدمًا، وهو صلى الله عليه وسلم فتح مكة في رمضان سنة ثمان، وأقام الحج للناس تلك السنة عتّاب بن أَسِيد أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه في سنة تسع، فأقام للناس الموسم، ومعه علي بن أبي طالب بسورة براءة ورجالٌ من المسلمين، فلو كان الحج واجبًا على الفور لبادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فعله. ولو فُرِض له عذرٌ فإن عامة أصحابه لم يحجوا إلّا معه حجة الوداع، ومحالٌ أن يكون ألوفٌ مؤلَّفة ليس فيهم مستطيع
(1)
.
وأيضًا فإن الله تعالى أوجبه إيجابًا مطلقًا، وأمر به ولم يخصَّ به زمانًا دون زمان، فيجب أن يجوز
(2)
فعله في جميع العمر.
ومن قال [به]
(3)
من أصحابنا قال: إن الأمر المطلق لا يقتضي فعل المأمور به على الفور، لا سيما والحج هو عبادة العمر، فيجب أن يكون جميع العمر وقتًا له، كما أن الصلاة لما كانت عبادة وقت مخصوص، وقضاء رمضان لما كان عبادة سَنَةٍ مخصوصة
(4)
= كان جميع ذلك الزمن وقتًا لها
(5)
.
وأيضًا فإنه لو وجب على الفور لكان فعله بعد ذلك الوقت قضاء، كما لو فعل الصلاة بعد خروج الوقت، وليس كذلك.
(1)
«ولو فرض
…
مستطيع» ساقطة من المطبوع.
(2)
ق: «يكون» .
(3)
زيادة ليستقيم السياق.
(4)
أي أن قضاء رمضان يجوز في أي وقت مدة سنة إلى رمضان القادم.
(5)
في المطبوع: «له» ، خلاف النسختين.
وأيضًا فإنه إذا أخَّره وفعله فقد برئت ذمته، والأصل براءة الذمة من إثم التأخير، فمن ادعاه فعليه الدليل.
فعلى هذا هل يجب العزم على الفعل لجواز تأخيره؟
…
(1)
، وإنما يجوز تأخيره إلى أن تظهر أمارات العجز ودلائل الموت، بحيث يغلب على ظنه أنه إن لم
(2)
يحج ذلك العام فاته، فإن أخَّره
(3)
بعد ذلك أَثِمَ ومات عاصيًا، وإن مات قبل ذلك فهل يكون آثمًا؟ ذكر أبو يعلى فيه
(4)
وجهين، واختار أنه لا يكون آثمًا، كما لو مات من عليه الصلاة وقضاء رمضان في أثناء وقتهما.
والأول
(5)
: هو المذهب المعروف لمسلكين عام وخاص:
أما العام فهو أن الأمر المطلق يقتضي فعل المأمور به على الفور، بل عند أكثر أصحابنا ليس في الشريعة إلا واجبٌ موقَّت أو واجبٌ على الفور. أما واجب يجوز تأخيره مطلقًا فلا يجوز؛ لأنه إن جاز له
(6)
التأخير إلى غير غاية موصوفة بحيث لو مات مات غير عاصٍ بطل معنى الوجوب، وإن جاز
(7)
إلى أن يغلب على ظنه الفوتُ إن لم يفعل، لم يجُزْ لوجهين:
(1)
بياض في النسختين.
(2)
ق: «لا» .
(3)
ق: «فانه ان اخره» .
(4)
س: «هذا فيه» .
(5)
أي كون الحج واجبًا على الفور.
(6)
«له» ساقطة من س.
(7)
ق: «صار» .
أحدهما: أن هذا القدر غير معلوم ولا مظنون، فإن الموت إنما يُعلم بأسبابه، وإذا نزلت أسباب الموت من المرض الشديد ونحوه تعذَّر فعل المأمور به
(1)
، وقبل حصول أسبابه فإنه لا يغلب على ظن أحد أنه يموت في هذا العام ولو بلغ تسعين سنة.
الثاني: أنه إن مات قبل هذا الظن غيرَ عاصٍ لزم أن لا يجب الفعل على أكثر الخلق؛ لأن أكثرهم يموتون قبل هذا الظن، وإن عصى بذلك
(2)
فبأي ذنب يعاقب؟ وإنما فعل ما جاز له. وما الفرق بينه وبين من مات في أثناء وقت الصلاة؟ وكيف يجوز أن يقال: إنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
وأما المسلك الخاص فمن وجوه:
أحدها: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعجَّلوا إلى الحج ــ يعني الفريضة ــ فإن أحدكم لا يدري ما يَعرِض له» . رواه أحمد
(3)
.
فأمر بالتعجيل، والأمر يقتضي الإيجاب، لا سيما واستحباب التعجيل معلوم بالضرورة من نفس الأمر بالحج، فلم يبق لهذا الأمر الثاني فائدة إلا الإيجاب، وتوكيد مضمون الأمر الأول.
(1)
«به» ليست في ق.
(2)
ق: «بذاك» .
(3)
برقم (2867) وفيه أبو إسرائيل المُلائي، وهو ضعيف الحديث، لكنه توبع عند الطبراني في «الكبير» (18/ 288) بإسناد جيّد. وللحديث طريق آخر عن ابن عباس فيه جهالة حال التابعي، وسيأتي قريبًا. فالحديث صحيح بمجموع طرقه.
وعن مهران أبي
(1)
صفوان
(2)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد الحج فليتعجَّل
(3)
». رواه أبو داود
(4)
.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل، أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الراحلة، وتَعرِض الحاجة» . رواه أحمد، وابن ماجه
(5)
، وفيه أبو إسرائيل المُلائي.
فأمر بالتعجيل كما أمر به في الحديث الأول، وأمْرُه بالتعجيل من أراده لا يمنع الوجوب، فإن إرادة الواجب واجبة، كما قال تعالى:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]، ويجب عليه أن يريده ويعزِم عليه حين وجوبه عليه، وإنما ذكره ــ والله أعلم ــ بالإرادة ليبين
(6)
أنه في الحين [ق 157] الذي يعزم
(1)
س: «بن» . وهو خطأ.
(2)
كذا على صورة المُرسل في النسختين. والصواب: «عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
»، كما في مصادر التخريج.
(3)
ق: «فليعجل» .
(4)
برقم (1732). وأخرجه أيضًا أحمد (1973) والحاكم (1/ 448) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو صفوان هذا سمّاه غيره مهران مولى لقريش، ولا يعرف بالجرح» . ومع جهالة حال أبي صفوان هذا، فالحديث صحيح بمجموع طرقه.
(5)
أحمد (1834، 2973، 3340)، وابن ماجه (2883). وأبو إسرائيل الملائي ــ واسمه إسماعيل بن خليفة العَبْسي ــ ضعيف، ولكنه قد توبع، كما سبق.
(6)
ق: «لتبيين» .
عليه ينبغي أن يفعله، لا يؤخره ولا
(1)
يتأخر فعله عن حين إرادته، فإن هذه الإرادة هي التي يخرج بها من حيِّز الساهي والغافل، لا إرادة التخيير بين الفعل والترك؛ لقوله:«من أراد الجمعة فليغتسل»
(2)
.
وأيضًا
(3)
فإن فعْلَ القضاء من الحج يجب على الفور، فإنه لو أفسد الحج أو فاته لزمه الحج من قابلٍ، بدليل قوله عليه السلام:«من كُسِر أو عَرِج فقد حلَّ، وعليه الحج من قابلٍ»
(4)
. وهذا لا خلاف فيه، فإذا كان القضاء يجب على الفور، فأن تجب حجة الإسلام الأداء بطريق الأولى والأحرى.
وأيضًا فإن تأخيره إلى العام الثاني تفويت له؛ لأن الحج ليس كغيره من العبادات يُفعل في كل وقت، وإنما يختص بيوم من السنة، فإذا أخَّره عن ذلك اليوم جاز أن يدرك العام الثاني، وجاز أن لا يدركه، وأن يموت، أو يفتقر، أو يمرض، أو يعجِز، أو يُحبَس، أو يُقطَع عليه الطريق، إلى غير ذلك
(1)
الواو ساقطة من س.
(2)
جاء التعليق بالإرادة في إحدى روايات حديث ابن عمر عند مسلم (844) بلفظ: «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل» . والحديث أخرجه البخاري (877، 894، 919) بلفظ: «من جاء منكم الجمعة
…
»، «إذا جاء أحدكم
…
» ونحو ذلك، وكذا هو في بقية روايات مسلم.
(3)
«وأيضًا» ساقطة من ق.
(4)
أخرجه أحمد (15731) وأبو داود (1862، 1863) والترمذي (940) والنسائي (2861) وابن ماجه (3077) وغيرهم من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» .
قوله: «وعليه الحج من قابل» هكذا عند أبي داود وفي إحدى روايتي النسائي، ولفظ الآخرين:«وعليه حجَّة أخرى» .
من العوائق والموانع، فلا يجوز التأخير إليه. وإلى هذا أشار بقوله صلى الله عليه وسلم:«فإنه قد يمرض المريض، وتَضِلُّ الضالّة، وتعرِضُ الحاجة» وقوله في حديث آخر: «[ما]
(1)
ينتظر أحدكم إلا غِنًى مُطغِيًا، أو فقرًا مُنسِيًا»
(2)
.
وأيضًا: فإن من مات قبل الحج فقد لحقه الوعيد، وهو ما روى هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو، قال: ثنا
(3)
أبو إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن مَلَك زادًا وراحلةً تُبلِّغه إلى بيت الله ولم يحجَّ، فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا»
(4)
. رواه الترمذي
(5)
، ورواه ابن بطة
(6)
، وزاد فيه: {وَمَنْ كَفَرَ
(1)
ساقط من النسختين، واستدركناه من لفظ الحديث.
(2)
جزء من حديث أبي هريرة ? أخرجه ابنُ المبارك في «الزهد» (7)، ومن طريقه الحاكم (4/ 320 - 321) والبيهقي في «شعب الإيمان» (10089) وغيرهما، وهو ضعيف لأن فيه راويًا مبهمًا لم يُسمّ.
وأخرجه الترمذي (2306) والعقيلي (6/ 90) من طريقٍ آخر بنحوه. قال الترمذي: «حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث محرز بن هارون» . ومحرز ــ ويقال: محرَّر ــ ضعيف منكر الحديث.
(3)
س: «قثنا» . وهو اختصار «قال حدثنا» .
(4)
بعدها في ق: «وهذا وإن كان قد قال فيه» . وكأنها مقحمة.
(5)
رقم (812)، وسبق تخريجه.
(6)
عزاه إليه أبو يعلى في «التعليقة» (1/ 121). ولم أجده في الجزء المطبوع من «الإبانة الكبرى» ، ولعله في «سننه» المفقود. وقد أخرج الحديث بهذه الزيادة العقيلي في «الضعفاء» (6/ 272)، والجصاص في «أحكام القرآن» (2/ 26)، وابن مردويه في «تفسيره» كما في «تفسير ابن كثير» (3/ 127).
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]ــ وقال
(1)
: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث مضعَّف.
عضَدَه ما روى شَرِيك عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يَحْبِسْه مرض، أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، ولم يحج
(2)
، فليمُتْ إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا». رواه ابن المقرئ [قال: ثنا] أبو عروبة
(3)
.
ورواه أحمد
(4)
قال: ثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن
(5)
ابن سابط
(1)
أي الترمذي عقب الحديث.
(2)
«ولم يحج» ساقطة من س.
(3)
ق: «رواه المقرئ أبو عروبة» . س: «رواه ابن المقرئ أبو عروبة» وابن المقرئ هو أبو بكر محمد بن إبراهيم الأصبهاني الحافظ المشهور مسند الوقت، توفي سنة 381. وأبو عروبة هو الحراني (ت 318) شيخ ابن المقرئ. فصواب العبارة كما أثبتناه. وهكذا أخرجه ابن المقرئ في «الأربعين» (62 - ضمن جمهرة الأجزاء الحديثية). وأخرجه أيضًا الدارمي (1826)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (3639) وغيرهما من طريق شريك به.
وهذا الإسناد لا يصحّ، لأن شَرِيكا ــ وهو صدوق يخطئ كثيرا ــ قد خالف الثقات الذين رووه عن ليث عن ابن سابط مُرسلًا، كما سيأتي. ثم لو صحّت رواية شريك ففيها انقطاع، لأن ابن سابط لم يصح له سماع من أبي أمامة. انظر «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» (ص 288).
(4)
في «كتاب الإيمان» له، كما في «السنة» للخلال (5/ 46 - 47). ورواه أحمد أيضًا من طريق ابن عليّة عن ليث به مرسلًا.
(5)
«عن» ساقطة من س.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يحج، ولم يمنعه من
(1)
ذلك مرضٌ حابس، أو سلطان ظالم، أو حاجة ظاهرة، فليمُتْ على أي حالٍ شاء، إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا». ورواه سعيد
(2)
هكذا مرسلًا عن أبي الأحوص عن ليث.
وعن عمر رضي الله عنه قال: «من كان ذا مَيْسرةٍ ولم يحج، فليمتْ إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا»
(3)
.
وعن الضحاك بن عَرْزَم قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من مات وهو موسر
(4)
لم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا»
(5)
.
(1)
«من» ساقطة من س.
(2)
في «سننه» ، وكتاب الحج منه مفقود. وأخرجه من طريق أبي الأحوص أيضًا ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (14665).
(3)
صحّ ذلك عن عمر موقوفًا عليه من عدّة طرق حسان ومُرسلة يعضد بعضها بعضًا، وسيأتي ذكر أكثرها.
(4)
س: «ميسر» .
(5)
اختلفت الرواية عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم ــ ويقال: عرزب ــ الأشعري. فأخرجه ابن أبي عروبة في «المناسك» (4) وابن أبي شيبة (14671) وأحمد في «الإيمان» ــ كما في «السنة» للخلال (5/ 45) ــ من طريق عدي بن عدي، عنه، عن عمر.
وأخرجه أحمد أيضًا ــ كما في «السنة» للخلال (5/ 47) ــ من طريق عدي بن عدي، عنه، عن أبيه، عن عمر.
وأخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (807) والبيهقي في «الكبرى» (4/ 334) عن عبد الله بن نُعيم، عنه، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن عمر. وهذا أصحّ كما قال الدارقطني في «العلل» (199). ويؤيّده ما أخرجه الإسماعيلي ــ كما في «تفسير ابن كثير» (3/ 128) ــ، وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 252) من طريق الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمر. قال ابن كثير:«هذا إسناد صحيح» .
وعن عدي بن عدي قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من مات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا. ولولا ما أرى من سرعة الناس في الحج لجبرتُهم عليه، ولكن إذا وضعتم الرحال فشُدُّوا السُّروجَ، وإذا وضعتم السُّروج فشُدُّوا الرحال»
(1)
.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من وجد إلى الحج سبيلًا سنةً ثم سنةً ثم سنةً، ثم مات ولم يحج، لم يُصلَّ عليه، لا يُدرى مات يهوديًّا أو نصرانيًّا»
(2)
.
وعن إبراهيم قال: كان للأسود بن يزيد جار موسر لم يحج، فقال له: لو
(1)
عدي بن عدي بن عميرة الكندي تابعي صغير لم يُدرك عمر. ولم أجد الأثر بتمامه عنه، وقد رويت عنه الجملة الأولى من الأثر بأوجه مضطربة: عنه عن عمر، وعنه عمن سمع عمر، وعنه عن أبيه عن عمر، وعنه عن الضحاك عن عمر، وعنه عن الضحاك عن أبيه عن عمر. أخرجها أحمد في الإيمان ــ كما في «السنة» للخلال (1/ 45، 47) ــ وابن أبي شيبة (14670، 14671) والفاكهي في «أخبار مكة» (808، 810).
وأما الجملة الثانية من الأثر، فقد أخرجها عبد الرزاق في «المصنف» (9282) وسعيد بن منصور (2350) والفاكهي (793) وغيرهم عن عابس بن ربيعة عن عمر بلفظ:«إذا وضعتم السُّروجَ فشدُّوا الرِّحال إلى الحج والعمرة، فإنه أَحَد الجهادَين» . إسناده صحيح، وقد علّقه البخاري (3/ 380 - الفتح) مختصرًا بصيغة الجزم.
(2)
أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» كما سيذكره المؤلف، وعزاه إليه في «الدر المنثور» (3/ 694) وذكر أنه من طريق نافع عن ابن عمر.
متَّ لم أصلِّ عليك
(1)
. رواهن
(2)
سعيد.
والمرسل إذا اعتضد بقول الصحابة صار حجة بالاتفاق.
وهذا التغليظ يعمُّ من مات قبل أن يغلب على ظنه الفوات وهم أكثر الناس، ومن غلب على ظنه، ففي تأخيره تعرُّضٌ لمثل هذا الوعيد، وهذا لا يجوز. وإنما لَحِقَه هذا لأن سائر أهل الملل من اليهود والنصارى لا يحجون، وإن كانوا قد يصلّون ويصومون
(3)
، وإنما يحج المسلمون خاصة.
وأيضًا فإنه إجماع السلف. روى
(4)
أحمد وسعيد
(5)
عن هُشَيم، قال: ثنا منصور عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: «لقد هممتُ أن أبعث رجالًا
(6)
إلى هذه الأمصار، فينظروا كل رجل ذا جِدَةٍ لم يحج، فيضربوا عليه
(7)
الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين».
(1)
لم أجده عن إبراهيم أو الأسود، ولكن أخرج ابن أبي شيبة (14668) بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير أنه قال:«لو كان لي جار موسر ثم مات ولم يحج، لم أصلِّ عليه» .
(2)
س: «رواه» .
(3)
«ويصومون» ساقطة من س.
(4)
في المطبوع: «رواه» خلاف النسختين.
(5)
رواه أحمد في كتاب «الإيمان» له كما في «السنة» للخلال (5/ 44)، ورواه سعيد بن منصور في «سننه» كما ذكره المؤلف وابن كثير في «تفسيره» (3/ 128). وهو مُرسل، فإن الحسن البصري لم يُدرك عمر.
(6)
س: «رجلًا» .
(7)
س: «عليهم» .
وهذا قاله عمر ولم يخالفه مخالف من الصحابة. وإنما عزم على ذلك وإن كان تارك الحج إذا كان مسلمًا لا يُضرَب عليه الجزية؛ لأنه في
(1)
أول الإسلام كان الغالب على أهل الأمصار الكفرُ إلا من أسلم، فمن لم يحج أبقاه على الكفر الأصلي، فضرب عليه الجزية. ولولا أن وجوبه على الفور لم يجعل تركه شعارًا للكفر
(2)
.
وقد روي عن الحسن بن محمد قال: أبصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه قومًا بعرفة من أهل البحرين عليهم القُمُص والعمائم، فأمر أن تُعاد عليهم الجزية. رواه سعيد
(3)
.
وعن أبي هارون العبدي قال: قال عمر: حُجّوا العامَ فإن لم
(4)
تستطيعوا فقابل، مرتين أو ثلاثًا، فمن لم يستطع فقابل، فمن لم يفعل فآذِنوني أضرِبْ عليهم الجزية. رواه سفيان
(5)
بن عيينة عنه. وهذا صريح بأنه على الفور، وقد خاطب به عمر الناس، ولم يخالفه مخالف.
وأيضًا فإن الحج تمام الإسلام؛ لأن [ق 158] الإسلام بُني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة،
(1)
س: «كان في» .
(2)
س: «شعار الكفر» .
(3)
أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 207) باللفظ المذكور، وابن أبي عمر في «الإيمان» (39) بنحوه. وهو مُرسل، فإن الحسن بن محمد ابن الحنفية لم يُدرك عمر.
(4)
«لم» ساقطة من المطبوع.
(5)
في س تكرار «رواه سفيان» . والأثر لم أقف عليه من هذا الوجه، وأبو هارون العبدي متروك الحديث متّهم ولم يُدرك عمر، وأخرجه ابن أبي عمر في «الإيمان» (40) والفاكهي في «أخبار مكة» (807) من وجه آخر عن عمر، وفي إسناده جهالة.
وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. ولهذا لما حج النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى قوله:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}
(1)
[المائدة: 3]، وكانت
(2)
شرائع الإسلام تنزل شيئًا فشيئًا، فصار الحج كمال الدين وتمام النعمة. فإذا لم يحج الرجل لم يكن إسلامه ودينه كاملًا، بل يكون ناقصًا، ولا يجوز للمسلم أن يترك دينه ناقصًا، كما لا يجوز أن يُخِلَّ بالصلاة والصوم والزكاة بعد وجوبها.
وأما ما ذكروه من أن الحج فُرِض متقدمًا، وأخّره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فعنه ثلاثة
(3)
أجوبة:
أحدها: أنه لا يجوز لمسلم أن
(4)
يعتقد أن الله أوجب الحج وكتبه، ومكث النبي صلى الله عليه وسلم وعامة أصحابه مؤخِّرين له من غير عائقٍ أصلًا خمسَ سنين، ولا سنة واحدة، فإن القوم رضوان الله عليهم كانوا مسارعين في الخيرات، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، يبادرون إلى فعل الصلاة في أول الوقت طلبَ الفضلِ
(5)
والثواب، لعلمهم بما في المسابقة من الأجر، فكيف يؤخِّرون الحج بعد وجوبه من غير عذر أصلًا؟ وتأخيرُه إن لم يكن محرمًا فإنه مكروه، أو هو خلافُ الأحسن والأفضل، وتأخُّرٌ عن مقامات السبق ودرجات المقرَّبين، فكيف تُطبِق الأمة مع نبيها على ترك الأحسن الأفضل لغير عذر أصلًا؟
(1)
بعدها في س: «فروى» ثم بياض.
(2)
ق: «فقد كانت» .
(3)
«ثلاثة» ساقطة من س.
(4)
«أن» ساقطة من ق.
(5)
في النسختين: «الفعل» . ولعل الصواب ما أثبت.
وأيضًا فقد مات منهم في تلك السنوات خلق كثير لم يحجوا، أفترى أولئك لقُوا الله
(1)
عاصين بترك أحد
(2)
مباني الإسلام ولم ينبِّههم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولا قال لهم: احذروا تفوِيْتَه؟ مع أنه من لم يحج خُيِّر بين أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا. وقد عُلِم بغير ريب أن قبل الفتح لم يحج مسلم، وبعد الفتح إنما حج عتّاب بن أَسِيد على عادة الكفار وهَدْيهم، وإنما حج بعض أهل مكة، ثم في
(3)
السنة الثانية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنفي المشركين عن البيت، وبأن لا يطوف بالبيت عارٍ
(4)
، وإنما حج من المسلمين نفر قليل.
ثم إن حج البيت من فروض الكفايات، وقد قال ابن عباس: لو أن الناس تركوا الحج عامًا واحدًا لا يحج أحد ما نُوظِروا
(5)
بعده. رواه سعيد
(6)
. فكيف يتركون المسلمون
(7)
الحج
(8)
بعد وجوبه سنة في سنة، فإن حج الكفار غير مُسقطٍ لهذا الإيجاب.
وأما قولهم: إنه فُرِض سنة خمس أو ست، فقد اختلف الناس في ذلك
(1)
«لقوا الله» ساقطة من ق.
(2)
ق: «إحدى» .
(3)
«في» ساقطة من س.
(4)
س: «عاري» .
(5)
في المطبوع: «ما نظروه» خلاف النسختين. والمعنى: ما أُمهِلوا.
(6)
وأخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (811) بإسناد ضعيف. وأخرج أيضًا (852) من وجه آخر ضعيف أنه قال: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} قال: قيام دينهم، والذي نفسي بيده لو تركوه عامًا واحدًا ما نوظروا.
(7)
كذا في النسختين على لغة «أكلوني البراغيث» .
(8)
«الحج» ساقطة من س.
اختلافًا مشهورًا
(1)
، فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، فالله أعلم متى فُرِض. غير أنه يجب أن يُعلم أنه إما
(2)
فُرِض متأخرًا
(3)
، أو فُرِض متقدمًا وكان هناك مانع عام يمنع من فعله، وإلا لما أطبق المسلمون على تركه وتأخيره.
الجواب الثاني: أن الأشبه ــ والله أعلم ــ أنه إنما فُرِض متأخرًا
(4)
، يدل على ذلك وجوه:
أحدها: أن آية وجوب الحج التي
(5)
أجمع المسلمون على دلالتها على وجوبه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، وقد قيل: إن هذه الآية إنما نزلت متأخرًا سنة تسع أو عشر، ويدل على ذلك أنها في سياق مخاطبة أهل الكتاب، وتقرير ملة إبراهيم، وتنزيهه من اليهودية والنصرانية، وصدرُ سورة آل عمران إنما أُنزِل
(6)
لما جاء وفد نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وناظروه في أمر عيسى ابن مريم عليه السلام، ووفد نجران إنما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بأخَرةٍ
(7)
.
وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، فإنه نزل عام
(1)
سبق ذكره فيما مضى.
(2)
س: «إما أنه» .
(3)
في المطبوع: «متأخر» و «متقدم» ، خلاف ما في النسختين.
(4)
في المطبوع: «متأخر» ، خطأ.
(5)
«التي» ساقطة من س.
(6)
ق: «نزلت» .
(7)
في المطبوع: «بآخره» ، خطأ.
الحديبية سنة ست من الهجرة، لما صدَّ المشركون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن إتمام عمرته التي قد كان أهلَّ بها، وفيها بايع المسلمين بيعةَ الرضوان، وفيها قاضى المشركين على الصلح على أن يعتمر من قابلٍ، فإنما يتضمن الأمر بالإتمام، وليس ذلك يقتضي الأمر
(1)
بالابتداء، فإن كل شارعٍ في الحج والعمرة مأمورٌ بإتمامهما، وليس مأمورًا بابتدائهما، ولا يلزم من وجوب إتمام العبادة وجوب ابتدائها، كما لا يلزم من تأكُّدِ
(2)
استحباب الإتمام تأكُّد استحباب الشروع.
وأما كون الحج والعمرة من دين إبراهيم عليه السلام فهذا لا شك فيه، ولم يزل ذلك قربةً وطاعة من أول الإسلام، وجميع آيات القرآن تدل على حسن ذلك واستحبابه، وأما وجوبه فلا يعلم أنه كان واجبًا في شريعة إبراهيم البتةَ، ولم يكن لإبراهيم عليه السلام شريعة يجب فيها على الناس
…
(3)
.
ويوضح ذلك أنه لم يقل أحد إن الحج كان واجبًا من أول الإسلام.
الوجه الثاني: أن أكثر الأحاديث الصحيحة في دعائم الإسلام ليس فيها ذكر الحج، مثل حديث وفد عبد [ق 159] القيس
(4)
لما أمرهم بأمرٍ فصْلٍ يعملون به، ويدعون إليه مَن وراءهم، ويدخلون به الجنة، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وفسَّره لهم أنه الصلاة والزكاة وصوم رمضان وأن يُعطوا من المغنم الخمسَ. ومعلوم أنه لو كان الحج واجبًا لم يضمن لهم الجنة إلا به.
(1)
س: «مقتض للأمر» .
(2)
س: «توكد» . وفي المطبوع: «تأكيد» في الموضعين، خلاف النسختين.
(3)
بياض في النسختين.
(4)
أخرجه البخاري (53) ومسلم (17) من حديث ابن عباس.
وكذلك الأعرابي الذي جاء من أهل نجدٍ ثائرَ الرأس
(1)
، الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقصُ منه، إنما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة والزكاة والصوم.
وكذلك الذي أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بعملٍ يُدخِله الجنة، أمره بالتوحيد والصلاة والزكاة وصوم رمضان
(2)
.
وقد تقدمت هذه الأحاديث في أول الصيام، مع أنه قد ذكر ابن عبد البر
(3)
أن
(4)
قدوم وفد عبد القيس كان سنة تسع. وأظنه وهمًا، ولعله سنة سبع؛ لأنهم قالوا: إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر. وهذا إنما يكون قبل فتح مكة.
وأما ذكر الحج في حديث ضِمام بن ثعلبة في بعض طرقه
(5)
، فقد
(6)
تقدم اختلاف الناس في وفود ضِمام
(7)
، وبينا أن الصواب أنه إنما وفد سنة تسع، فيكون الحج إنما فُرض سنة تسع، وهذا يطابق نزول الآية في تلك السنة. وهذا شبيه بالحق فإن سنة ثمان وما قبلها كانت
(8)
مكة في أيدي الكفار، وقد غيَّروا شرائع الحج، وبدَّلوا دين إبراهيم عليه السلام، ولا يُمكِن مسلمًا أن يفعل الحج إلا على الوجه الذي يفعلونه، فكيف يَفرِض الله على
(1)
أخرج حديثه البخاري (46) ومسلم (11) عن طلحة بن عبيد الله.
(2)
أخرجه البخاري (1397) ومسلم (14) من حديث أبي هريرة.
(3)
في «الاستيعاب» (1/ 263) و «الدرر» (ص 269).
(4)
«أن» ساقطة من ق.
(5)
ورد ذكر الحج عند مسلم (12) من حديث ثابت عن أنس.
(6)
في النسختين: «وقد» . ولعل الصواب ما أثبته ليكون جواب «أما» .
(7)
في أول الكتاب.
(8)
س: «كان» .
عباده المسلمين ما لا يمكن فعله؟ وإنما كانت الشرائع تنزل شيئًا فشيئًا، فكلَّما
(1)
قَدَروا على أمرٍ
(2)
وتيسَّر عليهم أُمِروا به.
الوجه الثالث: أن الناس قد اختلفوا في وجوبه، والأصل عدم وجوبه في الزمان الذي اختلفوا فيه حتى يجتمعوا عليه، لا سيما والذين ذكروا وجوبه إنما تأولوا عليه آية من القرآن أكثر الناس يخالفونهم في تأويلها، وليس هنا نقل صحيح عن من يُوثَق به أنه وجب
(3)
سنة خمس أو سنة ست.
الجواب الثالث: أنه وإن كان فُرِض متقدمًا لكن كانت هناك عوائق تمنع من فعله، بل من صحته بالكلية، سواء كان واجبًا أو غير واجب، أظهرُها منعًا: أن الحج قبل حجة الوداع كان يقع في غير حينِه؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يُنْسِئون النسيء الذي ذكره الله تعالى في القرآن حيث يقول: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37]. فكان حجهم قبل حجة الوداع في تلك السنين يقع في غير ذي الحجة.
روى أحمد
(4)
بإسناده عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ
(1)
س: «كلما» .
(2)
«على أمر» ساقطة من س.
(3)
في المطبوع: «واجب» ، خلاف النسختين.
(4)
كما في «السنن الكبرى» للبيهقي (5/ 166). قال أحمد: «حدثَنا بهذا الحديث عبدُ الرزاق ثنا معمر عن ابن أبى نجيح عن مجاهد» . وأخرجه الطبري (11/ 455) من طريق آخر عن معمر به.
فِي الْكُفْرِ} قال: حجّوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر
(1)
عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخِرَ من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابلٍ في ذي الحجة، ولذلك
(2)
حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ»
(3)
.
وروى
(4)
عبد الرزاق
(5)
عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمُّون
(6)
الأشهر ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. ثم يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، فيسمون ــ أحسبه قال: ــ المحرم صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رجب، ويسمون رمضان شعبان، وشوالًا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالًا
(7)
، ثم يسمون ذا الحجة ذا
(1)
«شهر» ساقطة من س.
(2)
س: «وكذلك» ، والمثبت من ق. والأولى:«وذلك» .
(3)
قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا متفق عليه، وسيأتي.
(4)
ق: «ورواه» .
(5)
في «تفسيره» (1: 2/ 275 - 276)، ومن طريقه الطبري في «تفسيره» (11/ 454).
(6)
«يسمون» ساقطة من س.
(7)
في س: «ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان شوال، ثم يسمون شوالًا ذا القعدة» . وانظر «تفسير الطبري» (11/ 455).
القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم عادوا لمثل هذه القصة، قال: فكانوا يحجون
(1)
في كل شهرٍ عامين حتى وافق حجةُ أبي بكر الآخِرَ من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج، فوافق ذلك ذا الحجة، فلذلك يقول النبي
(2)
صلى الله عليه وسلم في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» .
وكذلك في رواية أخرى عن مجاهد
(3)
قال: هذا في شأن
(4)
النسيء؛ لأنه كان ينقص من السنة شهرًا.
وروى سفيان عن عمرو عن طاوس
(5)
قال: الشهر الذي نزع الله من الشيطان المحرم.
وروى أبو يعلى الموصلي
(6)
عن إبراهيم في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} قال: النسيء المحرم.
وروى أحمد
(7)
عن أبي وائل في قوله عز وجل: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} الآية، قال: كان
(1)
بعدها في س: «عامين» . وستأتي.
(2)
«النبي» ليست في ق.
(3)
أخرجها آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (1/ 277) باللفظ المذكور سواء، والطبري (11/ 442) وابن أبي حاتم (6/ 1791) بنحوه.
(4)
ق: «سياق» .
(5)
لم أقف عليه.
(6)
ليس في «مسنده» المطبوع، ولعله في «المسند الكبير» .
(7)
لم أجده عنده، وقد أخرجه سعيد بن منصور في «السنن» (1015 - التفسير) والطبري (11/ 453) وابن أبي حاتم (6/ 1794).
رجل ينسأ النسيء من كنانة، وكان يجعل المحرم صفر
(1)
يستحلّ فيه الغنائم، فنزلت:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} .
وهذا مما أجمع عليه أهل العلم بالأخبار [ق 160] والتفسير والحديث، وفي ذلك نزل قوله تعالى:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} الآية [التوبة: 36] و
(2)
التي بعدها.
وعن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم، ثلاثة
(3)
متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجبُ مضر الذي بين جمادى وشعبان» وذكر الحديث. متفق عليه
(4)
.
وإذا كان الحج قبل حجة الوداع في تلك السنين باطلًا واقعًا في غير ميقاته، امتنع أن يؤدَّى فرضُ الله سبحانه قبل تلك السنة، وعُلِم أن حجة عتّاب بن أسِيد وحجة أبي بكر إنما كانتا إقامةً للموسم الذي يجتمع فيه وفود العرب والناس
(5)
؛ لتُنبذ العهود، ويُنفى المشركون، ويُمنعون من الطواف عراةً؛ تأسيسًا وتوطئةً للحجة التي أكمل الله بها الدين، وأتمَّ بها النعمة، وأُدِّي بها فرضُ الله، وأقيمت فيها مناسك إبراهيم عليه السلام.
(1)
كذا في النسختين بدون ألف، و «صفر» مصروف، وقد يمنع من الصرف، كما في «تاج العروس» (صفر).
(2)
ق: «والآية» .
(3)
ق: «ثلاث» .
(4)
أخرجه البخاري (3197، 4406، 7447) ومسلم (1679).
(5)
«والناس» ساقطة من ق.
ولا يجوز أن يقال: فقد كان يُمكِن المسلمَ أن يحج في غير وقت حج المشركين، أما قبل الفتح فلو فعل ذلك أحد لأُرِيق دمه، ولمُنِع من ذلك وصُدَّ، وكذلك بعد الفتح؛ لأن القوم حديثو عهدٍ بجاهلية، وفي استعطافهم تأليفُ قلوبهم، وتبليغ الرسالة في الموسم ما فيه.
والذي يبيِّن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر عمرة الحديبية، ثم عمرة القضية من العام المقبل، ثم عمرة الجعرانة من العام الذي يليه، ومعه خلق
(1)
من المسلمين، فقد كان يمكنه أن يحج بدل العمرة، فإنه أكمل وأفضل أن
(2)
يجعل بدل هذه
(3)
العمرة حجة، أو يأمر أحدًا من أصحابه بذلك، ولو أنها حجة مستحبة كما أن العمرة مستحبة، فلمّا لم يفعل عُلِم تعذُّر الحج الذي أذن الله لاختصاصه بوقت دون العمرة.
وقد ذكروا
(4)
أيضًا من جملة أعذاره اختلاط المسلمين بالمشركين، وطوافهم بالبيت عُراةً
(5)
، واستلامهم الأوثان في حجهم، وإهلالهم بالشرك حيث يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك
(6)
، وإفاضتهم من عرفات قبل غروب الشمس، ومن جَمْعٍ بعد طلوعها، ووقوف الحُمْس عشية عرفة بمزدلفة، إلى غير ذلك من المنكرات التي لا يمكن الحج
(1)
في المطبوع: «خلق كثير» . و «كثير» ليست في ق، ومضروب عليها في س.
(2)
س: «أو» .
(3)
ق: «بدل بعض هذه» .
(4)
انظر «التعليقة» (1/ 132، 133) و «المغني» (5/ 37).
(5)
«عراة» ساقطة من ق.
(6)
في المطبوع: «ومالك» .
معها، ولم يمكن تغييرها بعد الفتح إلا في سنة أبي بكر، [ثُمَّ]
(1)
حج من العام المقبل لما زالت.
ومن الأعذار أيضًا اشتغاله بأمر الجهاد، وغلبة الكفَّار على أكثر الأرض، والحاجة، والخوف على نفسه وعلى المدينة من الكفّار والمنافقين، وأن الله أعلمه أنه لا بدَّ أن يحج قبل الموت. وفي بعض هذه الأمور نظر، وإن صحت فهي عذر في خصوصه، ليست عذرًا لجميع المسلمين.
وأما قولهم: وجوب الحج مطلق
(2)
، قلنا: الأمر المطلق عندنا يوجب فعل المأمور به على الفور، وإن
(3)
لم يكن الأمر المطلق يقتضي ذلك، فقد بيّنا من جهة السنة وغيرها ما يقتضي وجوب المبادرة إلى فعل الحج، فيكون الأمر به مقيَّدًا.
وأيضًا فإن تأخير الحج تفويت؛ لأنه لا يتمكن من فعله إلا في وقت واحد، فيصير كالعبادة الموقتة من بعض الوجوه، وإنما لم يكن فعله
(4)
بعد ذلك قضاء؛ لأن القضاء هو فعل العبادة بعد خروج وقتها المحدود شرعًا حدًّا يعمّ المكلَّفين، والحج ليس كذلك. وكونه قضاءً أو أداءً لا يفيد
(5)
وجوب التقديم ولا جواز التأخير؛ بدليل أن النائم والناسي والحائض والمسافر يأتون بالعبادة بعد خروج الوقت العام المحدود، فيكون قضاء مع
(1)
زيادة ليستقيم السياق.
(2)
في المطبوع: «مطلقًا» ، خلاف النسختين.
(3)
س: «ولو» .
(4)
«فعله» ساقطة من س.
(5)
في المطبوع: «لا يغير» ، تحريف.
جواز التأخير أو وجوبه. والمزكِّي يجب عليه أداء الزكاة عقيب الحول، ولو أخّرها لم تكن قضاءً. وكذلك القاضي شهرَ رمضان لو أخّره إلى عامٍ ثانٍ أو أخّر قضاء الحج إلى عام ثانٍ لم يُقَل له: قضاء القضاء. وكذلك من غلب على ظنه تضايقُ الصلاة أو الحج في وقته فأخّره وأخلف ظنُّه أثِمَ بذلك، ولا يكون ما يفعله قضاء. وكذلك لو صرّح بوجوب الفعل على الفور أو أقام عليه دليلًا
(1)
وأخّره إلى الوقت الثاني لم يكن قضاء، فالحج من هذا الباب.
فصل
الميت يحج عنه وليُّه، وكذلك المعضوب كما في الحديث، فإن حج غير الولي
…
(2)
.
فإن حج عن الميت أجنبي بدون إذن الوارث ففيه وجهان: أحدهما: يصح، اختاره ابن عقيل. والثاني: لا يصح، قاله أبو الخطاب في «خلافه»
(3)
.
فأما الحي فلا يجوز أن يُحَجّ عنه
(4)
الفرضُ إلا بإذنه، وكذلك لا يُحَجّ عنه النفلُ بدون إذنه، لكن إن حج وأهدى له ثوابه
…
(5)
.
فأما الميت فيُفْعل عنه الفرض بدون إذنه
(6)
. وأما النفل إذا فعله عنه وارث أو أجنبي [ق 161] فهل يقع الحج عن المحجوج عنه، بحيث يكون
(1)
س: «دليل» .
(2)
بياض في النسختين.
(3)
انظر «الإنصاف» (8/ 72).
(4)
«عنه» ساقطة من س.
(5)
بياض في النسختين.
(6)
س: «بدونه» .
الإحرام عنه، أو يكون الحج عن الحاج ويكون الثواب للميت؟ ففيه
(1)
وجهان:
أحدهما: لا ينعقد عن الميت حج غير واجب إلا بإذنه، قاله القاضي وابن عقيل في موضع.
والثاني: يقع عن المحجوج عنه، قاله القاضي في موضع آخر وابن عقيل.
فعلى هذا إذا خالف النائب ما أُمِر به، وكان عن حي، لم يقع عنه بل يقع عن نفسه، وإن كان عن ميت
…
(2)
.
فصل
وإذا مات وعليه دَينٌ لآدمي، ودينٌ لله تعالى مثل الزكاة والحج، تحاصَّا في إحدى الروايتين. وقال في رواية ابن القاسم
(3)
: إذا مات وعليه دين وزكاة تحاصَّ الغرماء من الزكاة نصفين. وهذا اختيار أكثر أصحابنا.
والثانية: يقدَّم دين الآدمي، قال عبد الله في المناسك
(4)
ــ نقلتُه من خط ابن بطة
(5)
ــ: سألت أبي عن رجل مات، وترك ألفي درهم، وعليه دَيْن ألف
(1)
ق: «فيه» .
(2)
بياض في النسختين.
(3)
كما في «التعليقة» (1/ 87).
(4)
ضمن «مسائله» (ص 225).
(5)
«نقلتُه من خط ابن بطة» ليست في المطبوع و ق.
درهم، ولم يحج
(1)
، وعليه زكاة فرَّط فيها، قال: يُبدأ بالدين فيُقْضى، والحج والزكاة فيهما اختلاف، من الناس من يقول: إن لم يُوصِ فهو ميراث، وإن أوصى فهو من ثلثه، ونحن نقول: يُحَجّ عنه ويُزكَّى من جميع المال، وما بقي فهو ميراث.
والحج والزكاة سواء فيما ذكره.
ونقل عنه أبو جعفر الجرجرائي
(2)
فقال: سألته عن الرجل يحج عنه، قال: إذا لم يكن حج فمن جميع المال، وكذلك جميع ما يلزمه من الزكاة وغيره، والزكاة
(3)
أشدُّ.
قال القاضي
(4)
: لم يُرِد أنها تُقدَّم على الحج أو تُقضى دونه
(5)
، وإنما أراد أنها أوكد؛ لتعلُّق حق الله تعالى بها وحق الفقراء، والحج يتعلق به حق الله تعالى فقط.
فصل
ولا يخلو إما أن يحج عن غيره متبرعًا أو يحج بمال، فإن كان متبرعًا يحج بمال نفسه جاز أن يحج عن كل أحد، وفي مثل ذلك جاء حديث
(1)
ق: «ولم يحج عنه» .
(2)
ق: «الجرجاني» خطأ. وهو منسوب إلى جَرْجَرايا بلد بين واسط وبغداد، وترجمته في «طبقات الحنابلة» (1/ 331). والرواية المذكورة هنا في «التعليقة» (1/ 70).
(3)
ق: «من الزكاة وغير الزكاة» . والمثبت موافق لما في التعليقة.
(4)
في «التعليقة» (1/ 70).
(5)
ق: «أو يقضى دينه» خطأ.
الخثعمية أو
(1)
الخثعمي، وأبي رَزِين، وحديث الجُهنية
(2)
، والمرأة الأخرى، وغيرهم، لكن الأفضل أن يبدأ بالحج عن أقاربه، ويبدأ منهم بأبويه، ويبدأ بالأم إلا أن يكون الحج قد وجب على الأب فيبدأ به. قال في رواية أحمد بن الحسن ويوسف بن موسى
(3)
: إذا أراد الرجل الحج عن أبويه يبدأ بالأم، إلا أن يكون الأب قد وجب
(4)
عليه.
وأما إن حجَّ
(5)
عن غيره بمال ذلك الرجل، فقال في رواية حنبل
(6)
: لا يُعجِبني أن يأخذ دراهم فيحج بها، إلا أن يكون متبرعًا يحجُّ عن أبيه أو ابنه أو أخيه.
وسئل في رواية الجرجرائي
(7)
عن الرجل يُعطَى للحج عن ميت، قال: لا، لا
(8)
يأخذ.
وقال عبد الله
(9)
: سألت أبي: رجل حج ويأخذ كل سنة حجة، قال: لا
(1)
س: «و» .
(2)
«وحديث الجهينة» ساقطة من ق.
(3)
كما في «التعليقة» (1/ 90). وفيه «أحمد بن الحسين» . وهناك شخصان رويا مسائل عن الإمام أحمد، أحدهما: أحمد بن الحسن الترمذي المترجم في «طبقات الحنابلة» (1/ 37)، والثاني: أحمد بن الحسين السرَّمرّي المترجم فيه (1/ 39).
(4)
س: «قد مات» .
(5)
سق «أن يحج» .
(6)
كما في «التعليقة» (1/ 89).
(7)
ق: «الجرجاني» خطأ. والرواية في «التعليقة» (1/ 70).
(8)
كذا بتكرار «لا» في س و «التعليقة» .
(9)
في «مسائله» (ص 202، 203).
يعجبني هذا.
وقال
(1)
: سألت أبي عن رجل يحب الحج ترى له أن يحج عن الناس؟ فقال: لا يعجبني أن يحج عن الناس إلا إن ابتدأَ
(2)
فقيل له: حُجَّ، فلا بأس به.
فقد رخّص فيه لمن ابتدأ
(3)
إذا كان مقصوده الحج.
وإن حج عن ميت وارث، فقال في رواية أبي الحارث
(4)
، وقد سئل: يحج الرجل عن أبيه وعن أمه؟ فقال: إن حج من مال نفسه متبرعًا، وإن كان من مال الميت فلا يحج وارث عن وارث. كأنه يرى أنها وصية لوارث.
فصل
ويجوز الاستنابة في حج التطوع في الحياة وبعد الموت من المعضوب والقادر في إحدى الروايتين، نصَّ عليها في رواية الأثرم
(5)
، وقد سئل عن الصحيح: هل له
(6)
أن يعطي من يحج عنه بعد الفريضة يتطوَّع بذلك؟ فقال: إنما جاء الحديث في
(7)
الذي لا يستطيع، ولكن إن أحجَّ
(8)
الصحيح عنه أرجو أن لا يضرَّه.
(1)
في «مسائله» (ص 243).
(2)
س: «ابتدئ» .
(3)
س: «ابتدئ» .
(4)
كما في «التعليقة» (1/ 90).
(5)
كما في «التعليقة» (1/ 69).
(6)
ق: «هل يجوز» . والمثبت موافق لما في «التعليقة» .
(7)
ق: «جاء في الحديث» .
(8)
في النسختين: «حج» . والمثبت من «التعليقة» .
وقال في رواية ابن منصور
(1)
: يُتصدَّق عن الميت، ويُحجُّ عنه، ويُسقى عنه، ويُعتق عنه، ويُصام النذر، إلا الصلاة.
والأخرى: لا تجوز الاستنابة إلا في الفرض، قال في رواية الجرجرائي
(2)
، وقال: سألته عن من قد حج الفريضة يعطي دراهم يُحج عنه؟ فقال: أيشٍ
(3)
يكون له؟! ليس
(4)
عليه شيء. رأى
(5)
أنه ليس له أن يُحِجَّ عنه بعد الفريضة.
قال القاضي
(6)
: وظاهر هذا أنه لا تصح النيابة في نفل
(7)
الحج؛ لأنه قال: ليس له أن يُحِج بعد الفريضة، وجعل العلة أنه ليس عليه شيء
(8)
، سواء كان قادرًا
(9)
أو عاجزًا، وسواء فيه الاستنابة في الحياة وبعد الموت.
وجعل أبو الخطاب
(10)
وكثير من أصحابنا هذا فيمن يقدر أن يحج بنفسه، فأما العاجز فتجوز استنابته بلا تردد. ولو كان عجزه مرجوَّ الزوال
(1)
في «مسائله» (1/ 621).
(2)
في النسختين: «الجرجاني» ، والتصويب من «التعليقة» (1/ 69) حيث نقل هذه المسألة.
(3)
في النسختين: «ليس» . والتصويب من «التعليقة» .
(4)
«له ليس» ساقطة من ق.
(5)
س: «أرى» . والمثبت من ق و «التعليقة» .
(6)
في «التعليقة» (1/ 70).
(7)
في المطبوع: «فعل» ، تحريف.
(8)
«شيء» ليست في س و «التعليقة» .
(9)
في المطبوع: «قادر» .
(10)
في «الهداية» (ص 171).
كالمريض والمحبوس فهو كالمعضوب في النفل؛ لأن النفل مشروع في كل عام، وهو عاجز عنه في هذا العام، فهو كالمعضوب الذي عجز عن الفرض في جميع العمر، وهذا فيمن أحرم عن ذلك ولبَّى عنه.
فأما إن حج عن نفسه ثم أهدى ثوابها للميت، فهذا يجوز عندنا قولًا واحدًا لما تقدم.
فصل
وإذا استناب رجلًا في الحج أو ناب عنه في فرضه، فإن الحج يقع عن المحجوج عنه كأنه هو الذي فعله بنفسه، سواء [ق 162] كان من جهة المنوب عنه
(1)
مال أو لم يكن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبَّه الحج بالدَّين، وجعل فعله عن العاجز والميت كقضاء الدين عنه، وقال لأبي رزين:«حُجَّ عن أبيك واعتمِرْ» ، وقال للخثعمية:«حجّي عنه» ، وكذلك قال لغير واحد:«حُجَّ عنه»
(2)
.
والشيء إذا فُعل عن الغير كان الفاعل بمنزلة الوكيل والنائب، ويكون العمل مستحقًّا للمعمول عنه، ولهذا لو وجب على الإنسان عمل في عقد إجارة فعمله عنه عامل كان العمل للأجير لا للعامل. ولأنه ينوي الإحرام عنه ويلبِّي عنه، ولو لم يكن للمحجوج عنه إلا ثواب النفقة كان بمنزلة من أعطى غيره مالًا يحج عن نفسه أو يجاهد الكفار، فلم
(3)
يجز أن يلبي عنه.
(1)
«عنه» ساقطة من س.
(2)
سبق تخريج هذه الأحاديث.
(3)
ق: «ولم» .
فصل
ويجوز حج الرجل عن المرأة، وكذلك يجوز حج المرأة عن الرجل، قال في رواية ابن منصور
(1)
: يحج الرجل عن الرجل، والمرأة عن المرأة، والرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل. وعليه أصحابنا لحديث الخثعمية.
وقال في رواية أبي داود
(2)
، وقد سئل: يحج عن أمه؟ قال: نعم، يقضي عنها دينًا عليها، قيل
(3)
له: فينفق من ماله وينوي عنها؟ قال: جائز، قيل له: فالمرأة تحج عن الرجل؟ قال: نعم إذا كانت محتاجة.
فصل
ولا يجوز الاستئجار على الحج وغيره من الأعمال التي لا يجوز أن تُفعَل إلا على وجه القربة
(4)
، مثل: الأذان، والإمامة، وتعليم القرآن والحديث والفقه في إحدى الروايتين. فأما أن يأخذ نفقة يحج بها فيجوز. هذه طريقة القاضي
(5)
وأصحابه ومن بعدهم.
وقال ابن أبي موسى
(6)
: في الإجارة على الحج روايتان، كره أحمد رضي الله عنه في إحداهما أن يأخذ دراهم فيحج بها عن غيره، قال: إلا أن يكون متبرعًا بالحج عن أبيه أو عن أخيه أو عن أمه. وأجاز ذلك في موضع آخر.
(1)
في «مسائله» (1/ 517).
(2)
في «مسائله» (ص 184)، واللفظ الذي نقله المؤلف في «التعليقة» (1/ 90).
(3)
ق: «فقيل» .
(4)
س: «التقريب» .
(5)
في «التعليقة» (1/ 93).
(6)
في «الإرشاد» (ص 179).
وعلى هذا يُكره الأخذ نفقةً وأجرةً مع الجواز
(1)
، وتجب على الكفاية، وإنما تكون الروايتان في الكراهة فقط.
وأجاز أبو إسحاق ابن شاقلا الاستئجار على الحج، وما يختصُّ نفعه مما ليس بواجب على الكفاية، دون ما يعمُّ
(2)
[نفعُه] ويجب على الكفاية
(3)
، فقال
(4)
: لا يجوز أن يؤخذ على الخير أجر، ويجوز أن يؤخذ على الحج عن الغير أجر؛ لأن أفعال الخير على ضربين: ما كان فرضًا على العامة وغيرهم، مثل الأذان والصلاة وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يؤخذ عليه أجر
(5)
. وما انفرد به من يحج
(6)
عنه فهو جائز، مثل فعل البنّاء لبناء مسجد يجوز أن يأخذ عليه الأجرة؛ لأنه ليس بواجب على الذي يبني بناءُ المسجد.
وأما
(7)
المنصوص عن أحمد فقال في رواية أبي طالب
(8)
: والذي يحج عن الناس بالأجر ليس عندنا فيه شيء
(9)
، وما سمعنا أن أحدا استأجر مَنْ حَجَّ عن ميت.
(1)
بعدها في س: «ويجب على الكفاية» . ومكانها بعد سطرين.
(2)
«دون ما يعم» ساقطة من ق.
(3)
«ويجب على الكفاية» في س قبل سطرين، ونقلناها إلى هنا ليستقيم السياق.
(4)
كما في «التعليقة» (1/ 94، 95).
(5)
«ويجوز أن يؤخذ على الحج
…
أجر» ساقطة من ق.
(6)
س: «حج» . والمثبت موافق لما في «التعليقة» .
(7)
س: «فأما» .
(8)
كما في «التعليقة» (1/ 94).
(9)
«شيء» ساقطة من س.
وقال في رواية ابن منصور
(1)
، وذُكِر له قول سفيان: أكره أن يستأجر الرجل عن والديه يحج عنهما، فقال أحمد: نحن نكره هذا إلا أن يُعينه.
فقد نص على كراهة الأجرة، ولم يكره النفقة، وقد نصّ في مواضع كثيرة على من يأخذ مالًا يحج به عن ميت، وهل يكون له الفاضل أو لا يكون
…
(2)
.
وأما الرواية التي أخذ القاضي منها جواز الاستئجار، فقال في رواية عبد الله
(3)
ــ وقد سأله عمن يُكري نفسَه للحج ويحج ــ: لا بأس.
وقال في رواية الكوسج
(4)
: يُكرِي نفسه ويحج.
إلا أن هذا إنما أراد به أن يكري نفسه للخدمة والعمل، ولهذا قال: يُكرِي نفسه ويحج
(5)
، وفي مثل هذا جاءت السنة
(6)
.
وقال في رواية حنبل
(7)
: لا يعجبني أن يأخذ دراهم فيحج بها، إلا أن يكون الرجل متبرعًا بحج عن أبيه، عن أمه، عن أخته
(8)
. قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي
(1)
الكوسج في «مسائله» (1/ 596). وانظر «التعليقة» (1/ 94).
(2)
بياض في س.
(3)
في «مسائله» (ص 220) و «التعليقة» (1/ 95).
(4)
في «مسائله» (1/ 519) و «التعليقة» (1/ 95).
(5)
«إلا أن هذا
…
ويحج» ساقطة من ق.
(6)
لعل المراد حديث أبي أمامة التيمي عن ابن عمر في سبب نزول قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]، وسيأتي قريبًا.
(7)
كما في «التعليقة» (1/ 89).
(8)
في «التعليقة» : «عن أبيه أو ابنه أو أخته» . ولعل «ابنه» تصحيف. أما «أخيه» و «أخته» فكلاهما محتمل.
سأله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، [أفأحجُّ عنه]
(1)
قال: «نعم» . والذي يأخذ دراهم الحج لا يمشي ولا يقتر ولا يسرف، إنما الحج عمن كان له زاد وراحلة، وينفق ولا يسرف ولا يقتر، إذا كان ورثته صغارًا.
وقال في رواية الجرجرائي
…
(2)
.
وقال في المعضوب
(3)
: يحج عنه وليُّه.
ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن في أن يحج
(4)
عن المعضوب والميت مَن تبرَّع
(5)
بالحج عنهم، وأحبَّ
(6)
قضاء دينهم، وبراءة ذمتهم.
وأيضًا فإن أخذه الدراهم يحج بها
…
(7)
.
وإنما كرهت الإجارة لِما ذكره أحمد من أن ذلك بدعة، لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا
(8)
على عهد السلف، وقد كان فيهم من يحتاج إلى الحج عنه، ولم يستأجر أحد أحدًا يحج عن الميت، ولو كان ذلك جائزًا حسنًا لما أغفلوه.
ولأن الله تعالى يقول في كتابه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي
(1)
زيادة يقتضيها السياق.
(2)
بياض في النسختين. وقد سبق ذكر هذه الرواية (ص 125).
(3)
كما في «التعليقة» (1/ 59).
(4)
ق: «في الحج» .
(5)
في المطبوع: «يتبرع» ، خلاف النسختين.
(6)
في المطبوع: «أوجب» ، تحريف.
(7)
بياض في النسختين.
(8)
«على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا» ساقطة من ق.
حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20]، والأجير إنما يريد بهذه العبادة حرث الدنيا. وقال تعالى:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} [هود: 15]، وقال:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء: 18].
ولأن ذلك أكلٌ للدنيا بالدين؛ لأنه يبيع عمله الصالح الذي [ق 163] قد قيل فيه: «من حج هذا البيت
(1)
فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ، رجع من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمه»
(2)
. ويشتري به ثمنًا قليلًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن استؤجر بدراهم يغزو بها:«ليس لك من دنياك وآخرتك إلا هذا»
(3)
.
وهذا لأن الإجارة معاوضة على المنفعة، يملك بها المستأجر المنفعة كما يملك المشتري الأعيان المبيعة، فالأجير للحج يبيع إحرامه وطوافه وسعيه ووقوفه ورميه لمن استأجره
(4)
بالأجر الذي أخذه.
ولأن أخذ العوض يُبطل القربة المقصودة، كمن أعتق عبده على مال يأخذه منه، لا يُجزِئه عن الكفارة.
ولأن الحج عملٌ من شرطه أن يكون قُربةً لفاعله، فلا يجوز الاستئجار
(1)
«هذا البيت» ليست في س. وهي ثابتة في «الصحيحين» .
(2)
أخرجه البخاري (1819، 1820) ومسلم (1350) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
صحّ ذلك من حديث يعلى بن أمية ابن مُنية رضي الله عنه بلفظ: «ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلَّا دنانيره التي سمَّى» . أخرجه سعيد بن منصور (2363) وأحمد (17957) وأبو داود (2527) والحاكم (2/ 112) وغيرهم. وروي نحوه من حديث عوف بن مالك وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، ولا يصحّ.
(4)
ق: «استأجر» .
عليه كغيره
(1)
من القُرَب، وهذا لأن دخوله في عقد الإجارة يُخرِجه عن أن يكون قربة؛ لأنه قد وقع مستحقًّا للمستأجر.
وإنما كان من شرطه أن يقع قربةً؛ لأن الله تعالى أوجب على العبد أن يعمل مناسكه كلها لله
(2)
، ويعبده بذلك، فلو أنه عملها بعوض من الناس لم تُجزِئه إجماعًا، كمن صام أو صلَّى بالكراء. فإذا عجز عن ذلك بنفسه جعل الله تعالى عمل غيره قائمًا مقام عمله بنفسه، وسادًّا مسدَّه رحمة ولطفًا، فلا بدّ أن يكون مثلَه ليحصل به مقصوده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبَّهه بالدين في الذمة، وإنما تبرأ ذمة المدين إذا قُضِي عنه الدين من جنس ما عليه، فإذا كان هذا العامل عنه إنما يعمل للدنيا ولأجل العوض الذي أخذه، لم يكن حجّه عبادةً
(3)
لله وحده، فلا يكون من جنس ما كان على
(4)
الأول، وإنما تقع النيابة المحضة ممن غرضُه نفعُ أخيه المسلم لرحمٍ بينهما أو صداقةٍ أو غير ذلك، وله قصد في أن يحج بيت الله، فيكون حجه لله، فيقام مقام حج المستنيب.
والجعالة بمنزلة الإجارة إلا أنها ليست لازمة، ولا يستحق الجُعْلَ حتى يعمل.
وأما الحج بالنفقة فإنما كرهه أحمد مرة؛ لأنه قد يكون قصده الإنفاق على نفسه مدة الحج، فلا يكون حجُّه لله، كما أن الأجير
(5)
قصده ملك الأجرة، وإن كانت شيئا مقدَّرًا مثل وصية ونحوها فقد يكون قصده استفضال
(1)
س: «كغير» .
(2)
«لله» ليست في س.
(3)
س: «وعبادته» .
(4)
«على» ساقطة من ق.
(5)
«قصده الإنفاق
…
أن الأجير» ساقطة من ق.
شيء لنفسه، فيبقى عاملًا لأجل الدنيا.
ووجه جواز ذلك أن الحج واجب على المستطيع بماله، فلا بد أن يخرج هذا المال في الحج.
فصل
فإن قلنا: يجوز الاستئجار على الحج، فاستؤجر رجل، فإنه يعتبر له شروط الإجارة: من معرفة الأجرة، وعقد الإجارة، وتملُّك الأجرة بالعقد، فيتصرف فيها
(1)
بما شاء، ويجب العمل في ذمته. فلو أُحصِر أو ضلَّ الطريق أو ضاعت النفقة كان من ضمانه، وإن مات انفسخت الإجارة، واستحق من الأجرة بقدر ما قطع من الطريق، ويُتمَّم الحج من حيث بلغ، ذكره القاضي
(2)
. وما لزمه من الدماء فهو عليه؛ لأن الحج مستحَقٌّ عليه.
وإن أخذها جعالة بأن يقال له: إن حججتَ فلك هذا الجُعْل، فهذا عقد جائز، لا يملك به العوض إلا بعد الفراغ من العمل، ولا يجب في ذمته شيء، وإن عاقه عائق عن تمام الحج لم يكن له شيء، ولا عليه شيء
(3)
.
قال أحمد في رواية محمد بن موسى: إذا أخذ حجة عشرين دينارًا، فلما بلغ الكوفة مرض فرجع، فإنه يردُّ عليهم جميع ما أخذ، ولا يحتسب منه ما
(4)
أنفق. فإن تَلِفَتْ
(5)
منه أو ضلّ الطريق فهذا يضمن ذلك.
(1)
«فيها» ساقطة من المطبوع.
(2)
في «التعليقة» (1/ 98).
(3)
«وإن عاقه
…
عليه شيء» ساقطة من ق.
(4)
س: «بما» .
(5)
في المطبوع: «تلف» .
وهذا إنما يكون إذا كانت جعالة؛ لأنه لم يوجب عليه إتمام الحج، ولا احتسب له بما أنفق، وجعل التالف من ضمانه، وهذه أحكام الأجعال.
وإن أخذها نفقة ــ سواء قلنا: تصح الإجارة أو لا تصح ــ فإنه يكون بمنزلة الوكيل والنائب المحض، كالنائب في القضاء والأعمال العامة، ويكون ما يأخذه بمنزلة الرزق الذي
(1)
يُرزَقه الأئمة والقضاة والمؤذنون. فلو تلف أو ضلّ الطريق أو أُحصِر
(2)
أو مات أو مرض لم يكن عليه ضمان ما أنفق، ولو تلِفَ المال
(3)
بغير تفريطٍ منه لم يضمن، ولم يكن عليه إتمام بقية العمل، ويحتسب
(4)
للمستنيب بما عمله، وعلى هذا أكثر نصوصه.
قال في رواية ابن منصور
(5)
: في رجل أُعطي دراهمَ يحج بها عن إنسان، فمات في بعض الطريق، فليس عليه شيء مما أنفق، ويحجوا
(6)
بالباقي من حيث بلغ هذا الميت.
وقال في رواية أحمد بن الحسين
(7)
: إذا دفع إلى رجل مالًا يحج به عن رجل، فضاع منه في بعض الطريق، فلا غُرم عليه
(8)
، قيل له: فيُجزِئ عن الموصي
(1)
«الذي» ساقطة من ق.
(2)
«أو أحصر» ساقطة من المطبوع.
(3)
«المال» ساقطة من المطبوع.
(4)
س: «ويحسب» .
(5)
الكوسج في «مسائله» (1/ 596) و «التعليقة» (1/ 98).
(6)
س: «ويحجون» . والمثبت من ق وأصول «التعليقة» و «مسائل الكوسج» .
(7)
كما في «التعليقة» (1/ 98) مختصرًا.
(8)
س: «له» .