الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جمرة العقبة إلى الغد ووطئ النساء قبل الغد: فسد حجه، فقيل له: إنهم يقولون: إذا كان الوطء بعد خروج وقت الرمي فليس هو بمنزلة من وطئ قبل الرمي، فقال: أليس قد وطئ قبل الرمي؟ وإنما يحلُّ الوطء بالرمي.
قال القاضي وابن عقيل: فقد نصّ على أن التحلل لا يقع بخروج وقته، وإنما يحصل بفعل التحلل؛ لأنها عبادة ذات أفعال، فلم يقع التحلل منها إلا بفعل التحلل، كالصلاة لا يقع التحلل منها إلا بفعل التحلل وهو السلام، بخلاف الصوم، فإنه فعل واحد فيقع التحلل منه بخروج وقته.
وإذا ثبت أن التحلل لا يقع بخروج وقت التحلل، فإذا وطئ قبل أفعال التحلل ــ وهو
(1)
الرمي والطواف والحلاق ــ فيجب أن يفسد حجه، كما لو كان الوقت باقيًا. وهذا لأن فوات وقت الرمي لا يوجب حصول التحلل بمجرد مضيِّ الوقت، كما أن فوات وقت الوقوف لا يوجب حصول التحلل من الحج بمضيِّه، بل يتحلل بغير الرمي من الحلق والطواف، كما يتحلل من فاته الحج بالطواف والسعي.
فصل
وهل عليه بدنة أو شاة؟ على روايتين:
إحداهما: عليه بدنة، نقلها الميموني
(2)
فيمن بقي عليه شوط هل عليه دم؟ قال: الدم قليل، ولكن عليه بدنة، وأرجو أن تجزئه، [ق 281] لما روى مجاهد عن ابن عباس قال: إذا وقع الرجل على امرأته بعد كل شيء غير
(1)
كذا في النسختين، والأولى:«وهي» .
(2)
كما في «الروايتين والوجهين» (1/ 289).
الزيارة، فعليه ناقة ينحرها
(1)
.
وعن عطاء عن ابن عباس أنه قال: عليه بدنة وقد تمَّ حجه
(2)
. رواهما سعيد بن منصور وابن أبي عروبة، ولفظه: كان يأمر من غشي أهله بعد رمي الجمرة ببدنة.
وروي عن إبراهيم وعطاء والشعبي مثلُ ذلك
(3)
.
وروي أيضًا عن ابن عباس وعطاء وإبراهيم والشعبي: على كل واحد منهما جَزورٌ
(4)
. ولا يعرف له مخالف في إيجاب البدنة.
وعن عطاء عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يُفِيض، فأمره أن ينحر بدنة. رواه مالك
(5)
.
والثانية: عليه دم شاة أو غيرها، نقلها بكر بن محمد كما ذكره الشيخ،
(1)
لم أقف عليه من رواية مجاهد، وقد صح نحوه من رواية عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس. أخرجه البيهقي في «الكبرى» (5/ 171).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (15163، 15175) موقوفًا على عطاء من قوله. وأخرج البيهقي (5/ 171) بمثله من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(3)
أخرجه عنهم ابن أبي شيبة (15164، 15174، 15166) ولاءً، إلا أن إبراهيم النخعي يقول:«عليه بدنة، والحج من قابل» .
(4)
قول ابن عباس وإبراهيم في إيجاب البدنة على كلا الزوجين أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (15167، 13253). وأما عطاء فقال: «بينهما بدنة» ، وفي رواية:«يهريق كل واحد منهما دمًا، إن كان واحدًا أجزأهما» . رواهما عنه ابن أبي شيبة (13255، 13260). ولم أجد قول الشعبي.
(5)
في «الموطأ» (1/ 384).
وهو اختيار الخرقي
(1)
وأبي بكر وابن أبي موسى
(2)
.
فصل
وأما الواجب عليه إذا وطئ بعد التحلل الأول؛ فقد قال في رواية أبي الحارث
(3)
: يأتي مسجد عائشة فيُحرِم بعمرة، فيكون أربعةُ أميال مكانَ أربعة أميال، وعليه دم.
وقال في رواية الميموني وابن منصور
(4)
وابن الحكم: إذا أصاب الرجل أهله بعد رمي الجمرة ينتقض
(5)
الإحرام
(6)
ويعتمر من التنعيم، ويُهريق دم شاة ويجزئه، فإذا خرج إلى التنعيم فأحرم، فيكون إحرامٌ مكان إحرامٍ، ويُهريق دمًا. يذهب إلى قول ابن عباس: يأتي بدمٍ ويعتمر من التنعيم.
وقال في رواية المرُّوذي
(7)
فيمن وطئ قبل رمي جمرة العقبة: فسد حجه، وعليه الحج من قابل، فإن رمى وحلق وذبح ووطئ قبل أن
(8)
يزور البيت عليه دم ويخرج إلى التنعيم
(9)
؛ لأن عليه أربعة أميال مكان أربعة.
(1)
في «مختصره» مع «المغني» (5/ 374).
(2)
في «الإرشاد» (ص 176).
(3)
كما في «التعليقة» (2/ 228).
(4)
الكوسج في «مسائله» (1/ 554). وانظر «الفروع» (5/ 457، 458).
(5)
س: «ينقض» .
(6)
في النسختين: «إحرامه» . والمثبت من هامشهما بعلامة ص.
(7)
كما في «التعليقة» (2/ 228).
(8)
«أن» ساقطة من س.
(9)
في النسختين: «ويعتمر من التنعيم» . والمثبت من هامشهما بعلامة ص، وهو الموافق لما في «التعليقة» .
وكذلك نقل أبو طالب: يعتمر من التنعيم لأنه من منى إلى مكة أربعة أميال، ومن التنعيم أربعة أميال.
وقال في رواية الفضل بن زياد
(1)
في من واقعَ قبل الزيارة: يعتمر من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق.
وذلك لما روى قتادة عن علي بن عبد الله البارقي: أن رجلًا وامرأة أتيا ابن عمر قضيا المناسك كلَّها ما خلا الطواف فغشِيَها، فقال ابن عمر: عليهما الحج عامًا قابلًا، فقال: إنا إنسانا [نِ]
(2)
من أهل عُمان، وإن دارنا نائية، فقال: وإن كنتما من أهل عُمان، وكانت داركما نائية، حُجَّا عامًا قابلًا. فأَتَيا ابنَ عباس، فأمرهما أن يأتيا التنعيم، فيُهِلَّا منه بعمرة، فيكون أربعة أميال مكان أربعة أميال، وإحرام مكان إحرام، وطواف مكان طواف. رواه سعيد بن أبي عروبة في «المناسك» عنه
(3)
.
وروى مالك
(4)
عن ثور بن زيد الدِّيلي
(5)
، عن عكرمة قال: لا أظنُّه إلا عن ابن عباس، قال: الذي يصيب أهلَه قبل أن يُفيض يعتمر ويُهدي. ورواه
(1)
كما في «التعليقة» (2/ 233).
(2)
في النسختين: «انسانا» . ولعل الصواب ما أثبت.
(3)
ليس في المطبوع منه. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (15173) من رواية أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن علي بن عبد الله البارقي بنحوه مقتصرًا على قول ابن عمر.
(4)
في «الموطأ» (1/ 384). قوله: «لا أظنُّه إلا عن ابن عباس» القائل هو ثور بن زيد، وقد أخطأ في ظنه ذلك، فقد أخرج الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 10) بإسناد صحيح عن أيوب عن عكرمة أنه قال: «ما قلت برأيي إلا في ثنتين
…
» فذكر مسألتين إحداهما هذه. وانظر: «التمهيد» لابن عبد البر (7/ 271).
(5)
ق: «الديلمي» تحريف.
النجّاد
(1)
عن عكرمة عن ابن عباس من غير شك.
فإذا اختلف الصحابة على قولين، أحدهما إيجاب حج كامل، والثاني إيجاب عمرة، لم يجز الخروجُ عنهما والاجتزاءُ بدون ذلك. ولا يُعرف في الصحابة من قال بخلاف هذين، وقد تقدَّم أنه لا يفسد جميع الحجة، فبقي قول ابن عباس.
وأيضًا فإنه كان قد بقي عليه من الحج أن يُفيض من منى إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى معه إن كان لم يسعَ أولًا فيما بقي عليه من إحرامه، وهو الإحرام من النساء خاصة. فإذا وطئ فقد فسد هذا الإحرام، فإن ما يُفسِد الإحرام الكامل يُفسِد الإحرام الناقص بطريق الأولى. ولو لم يجب عليه استبقاء الإحرام من النساء إلى تمام الإفاضة لجاز الوطء قبلها، وهو غير جائز بالسنة والإجماع. فإذا فسد ما بقي من الإحرام: فلو جاز أن يكتفي به لجاز الاكتفاء بالإحرام الفاسد عن الصحيح ولَوَقعت الإفاضة وطوافها في غير إحرام صحيح، وهذا غير مُجزئ، وإذا وجب أن يأتي بإحرام صحيح فلا بدّ أن يخرج إلى الحلّ، ليجمع في إحرامه بين الحلّ والحرم.
ثم اختلف أصحابنا في صفة ما يفعل: فمنهم من أطلق القول بأن عليه عمرة، يخرج إلى التنعيم، فيهلُّ بها على لفظ المنقول عن ابن عباس وأحمد.
وقال الخرقي
(2)
: يمضي إلى التنعيم فيحرم ليطوف وهو محرم. وكذلك قال ابن أبي موسى
(3)
: ويخرجان إلى التنعيم فيحرمان بعمرة،
(1)
عزاه إليه القاضي في «التعليقة» (2/ 234).
(2)
في «مختصره» مع «المغني» (5/ 374).
(3)
في «الإرشاد» (ص 176).
ليطوفا طواف الإفاضة وهما محرمان.
إنما الواجب عليه الإحرام فقط ليطوف في إحرام صحيح، وليس عليه سعي ولا حلق، لكن هل يلبِّي؟ وكيف يحرم؟
…
(1)
.
وقال القاضي
(2)
في آخر أمره: يمضي في بقية الحج في الإحرام الذي أفسده، فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى إن كان لم يسعَ في ذلك الإحرام الفاسد، ثم يقضي هذا بإحرام صحيح من الحل يطوف فيه ويسعى، سواء كان قد سعى عقب طواف القدوم أو لم يسع؛ قال: لأن أحمد أطلق القول في رواية الجماعة أنه يحرم بعمرة، ولم يقل يمضي في بقية إحرامه، ومعناه: أنه يُحرِم ليفعل أفعال العمرة. وقد نُقِل عنه ما دلَّ
(3)
على أنه يمضي فيما بقي.
وقال في رواية الفضل
(4)
: إنه يعتمر من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق.
فقد أمره بتأخير الإحرام بعد أيام التشريق، وليس [ق 282] هذا إلا لاشتغاله ببقية أفعال الحج، لأن القضاء إنما يكون تمامَ ما بقي عليه.
قال
(5)
: وقد نصَّ فيمن نسي طواف الزيارة حتى رجع [إلى]
(6)
بلده: يدخل معتمرًا، فيطوف بعمرة، ثم يطوف طواف الزيارة.
(1)
بياض في النسختين.
(2)
في «التعليقة» (2/ 233).
(3)
في المطبوع: «يدل» .
(4)
كما في «التعليقة» (2/ 233).
(5)
أي القاضي في «التعليقة» (2/ 233). والنصّ للإمام أحمد في رواية محمد بن أبي حرب.
(6)
زيادة من «التعليقة» ، وأشير إليها في هامش ق.
ووجه هذا: أنه قد أفسد ما بقي عليه، والإفساد يوجب المُضيَّ فيما بقي من النسك وقضاءَه، فوجب عليه أن يمضي فيه، ووجب القضاء. لكن الإحرام المبتدأ لا يكون إلا بحج أو عمرة، فوجب عليه أن يأتي بعمرة تامة تكون قضاء لما أفسده من بقية النسك، وعلى هذا فيلبِّي في إحرامه، ويحلق أو يقصِّر إذا قضاه لأنها عمرة تامة.
وقال القاضي في «المجرد» والشريف أبو جعفر
(1)
وابن عقيل وغيرهم: إنما عليه عمرة فقط، وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأحمد وهو الصواب.
ثم اختلفت عباراتهم، فقال القاضي في موضع
(2)
والشريف
(3)
: معناه أنه يحرم للطواف والسعي؛ وهو أفعال العمرة، فالمعنى: أنه يأتي في إحرامه بأفعال العمرة.
وقال ابن عقيل: كلام أحمد يدل على أنه يحرم بنفس العمرة، حتى لا يكون إحرامه لمجرد الطواف والسعي الذي هو فعل من أفعال الحج، بل يُحرم بنسك كامل، ويجعل ما بقي من الحج داخلًا في أثنائه، ولا يكفيه أن يأتي بما بقي من غير إحرام.
وهذا أجود، فعليه أن يأتي بعمرة تامة يتجرَّد لها، ويُهِلُّ من الحلّ، ويطوف ويسعى، ويقصِّر أو يحلق، ويعتقد أن هذه العمرة قائمة مقام ما بقي عليه، وأن طوافها هو طواف الحج الذي كان عليه، فإن ابن عباس وأحمد صرَّحا بأنه يعتمر ويُهدي، وفسَّرا ذلك بأربعة أميال مكان أربعة أميال.
(1)
في «رؤوس المسائل» (1/ 398). وانظر «الفروع» (5/ 458).
(2)
في «التعليقة» (2/ 233).
(3)
في «رؤوس المسائل» (1/ 398).
نعم وجب عليه إنشاء الإحرام ليأتي بما بقي عليه في إحرام صحيح، ومن لوازم الإحرام المبتدأ أن يتجنب فيه جميع المحظورات، وأن يهلّ فيه، وأن لا يتحلل منه إلا بعد السعي والحلق. وهذه الزيادات وإن لم تكن كانت واجبة، فإنها وجبت لجَبْر ما قد فسد من إحرامه، إذ لا يمكن الجبر إلا بإحرام صحيح، ولا يكون الإحرام الصحيح إلا هكذا.
وقول أحمد: يعتمر بعد
(1)
أيام التشريق، ليس فيه دليل على أنه يُفيض في ذلك الإحرام الفاسد، وإنما أمره بذلك لأن العمرة يُشرع أن تكون بعد أيام التشريق، وهو يرمي الجمار أيام التشريق لأن رمي
(2)
الجمار إنما يكون بعد الحل كله، فوقوعه بعد فساد الإحرام لا يضره، ووقوع طواف الإفاضة بعد أيام منى جائز. نعم قد يكره
…
(3)
.
وإنما لم يجب عليه المضيُّ فيما بقي بإحرامه الفاسد وقضاؤه؛ لأن القضاء المشروع يَحكي الأداء، وهنا ليس القضاء مثل الأداء، وإنما وجب عليه عمرة فيها إحرام تام، وخروجٌ إلى الحل، وطواف وسعي وغير ذلك، وإنما كان عليه طواف فقط وهو متطيِّبٌ لابسٌ يُفيض إلى مكة من منى، فأغنى إيجابُ هذه الزيادات عن طوافه في ذلك الإحرام الفاسد.
وأما من أوجب عليه إحرامًا صحيحًا ليطوف فيه فقط فهذا خلاف الأصول؛ لأن كل إحرام صحيح من الحلّ يتضمن الإهلال لا بدَّ له من إحلال، والمحرم لا يحلّ إلا بالحلق أو التقصير بعد طواف وسعي، فكيف
(1)
«بعد» ساقطة من المطبوع.
(2)
«رمي» ساقطة من المطبوع.
(3)
بياض في النسختين.