الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال أيضًا
(1)
: سألته عن المحرم يظلّل، قال: لا يُعجبني أن يظلّل. قال أبي: يستر قدر ما يرمي الجمرة على حديث أم الحصين.
وقال
(2)
: سألته عن المحرم يستظلّ أحبُّ إليك [ق 246] أم تأخذ بقول ابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له» ؟ قال: لا يستظلّ لقول ابن عمر: «اضْحَ لمن أحرمتَ له» .
فقد بيَّن أن الاستظلال مكروه مطلقًا إلا اليسير لحاجة، وأنه لا فدية فيه. ويُشبِه أن تكون هذه الرواية هي المتأخرة؛ لأن روايات ابن الحكم قديمة. قال أبو بكر: وبهذا أقول، وهو أصحّ إن شاء الله؛ لأن ابن عمر الذي رُوِي عنه كراهة ذلك لم يأمر الذي فعله بفدية، وقد رفع الظلّ بيده. ولأنه قد أُبيح نوعه في الجملة، فجاز ما لا يدوم، وجاز منه ما لا يُقصَد به التظلُّل ونحو ذلك.
ومحظورات الإحرام يجب اجتنابها بكل حال كالطيب واللباس، فصار في الواجبات كالدفع من مزدلفة قبل الفجر، لمَّا رُخِّص فيه لبعض الناس من غير ضرورة عُلِم أنه جائز في الجملة، وأن السنة تركُه، بخلاف الدفع من عرفة، فإنه لا يجوز لأحدٍ حتى تغرب الشمس.
مسألة
(3)
: (الخامس: الطِّيب في بدنه وثيابه)
.
وجملة ذلك: أن المحرم يحرم عليه ابتداء الطيب بإجماع المسلمين. وهذا من العلم العام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي أوقصَتْه ناقته: «لا
(1)
المصدر نفسه.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
انظر «المستوعب» (1/ 463) و «المغني» (5/ 140) و «الشرح الكبير» (8/ 260) و «الفروع» (5/ 429).
تُخمِّروا رأسه، ولا تقرِّبوه طِيبًا، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا»
(1)
. وفي رواية
(2)
: «لا تُحنِّطوه» . متفق عليه.
وقال فيما يلبس المحرم من الثياب: «ولا يلبس ثوبًا مسَّه وَرْسٌ ولا زعفران» . رواه الجماعة
(3)
. فإذا نهى عن المُورَّس والمزعْفَر مع أن ريحهما ليس بذاك، فما له رائحة ذكية أولى.
فأما إن تطيَّب قبل الإحرام بما له جِرْم يبقى كالمِسْك والذَّرِيرة
(4)
والعنبر ونحوه، أو بما
(5)
لا يبقى كالورد ونحوه
(6)
والبخور، ثم استدامَه= لم يَحْرُم ذلك عليه، ولم يُكره له، لحديث عائشة أنها قالت:«كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مَفْرِق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم» . متفق عليه
(7)
، وفي رواية:«كأني أنظر إلى وَبيصِ المسك في مَفْرِق رسول الله وهو محرم» . رواه مسلم وأبو داود والنسائي
(8)
.
(1)
أخرجه البخاري (1265 ومواضع أخرى) ومسلم (1206) من حديث ابن عباس.
(2)
عند البخاري (1849، 1850) ومسلم (1206/ 94).
(3)
سبق تخريجه.
(4)
هي نوع من الطيب مركب، قال الداودي: تُجمع مفرداته، ثم تُسحق وتُنخل، ثم تُذرُّ في الشعر والطوق، فلذلك سميت ذريرة. قال الحافظ في «الفتح» (10/ 371): الذريرة نوع من الطيب مخصوص يعرفه أهل الحجاز، وجزم غير واحدٍ منهم النووي بأنه فُتات قصب طيب يُجاء به من الهند.
(5)
في المطبوع: «مما» خلاف النسختين.
(6)
«ونحوه» ساقطة من المطبوع.
(7)
البخاري (271، ومواضع أخرى) ومسلم (1190).
(8)
مسلم (1190/ 45) وأبو داود (1746) والنسائي (2693).
وقد تقدم أنها كانت تُطيِّب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإحرام.
وعن عائشة قالت: كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فنَضْمِد جباهنا بالسُّكِّ
(1)
المطيَّب عند الإحرام، فإذا عرِقتْ إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا. رواه أبو داود وأحمد
(2)
، ولفظه
(3)
عنها: «أنهن كنّ يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن الضِّمادُ، قد أَضْمَدْن
(4)
قبل أن يُحرِمن، ثم يغتسلن وهو عليهن، يَعْرَقْن ويغسلن
(5)
لا ينهاهن عنه».
ولأن الطِّيب بمنزلة النكاح لأنه من دواعيه، فإذا كان إنما يُمنَع من ابتداء النكاح دون استدامته فكذلك الطيب.
وأيضًا فإن الطيب إنما يُراد به الاستدامة كالنكاح، فإذا مُنع من ابتدائه لم يُمنَع من استدامته، وعكسه اللباس، فإنه لا يراد للاستدامة.
ولأن الطيب من جنس النظافة من حيث يُقصَد به قطع الرائحة الكريهة، كما يُقصَد بالنظافة إزالة ما يجمعه
(6)
الشَّعر والظُّفر من الوسخ. ثم استُحبّ قبل الإحرام أن يأخذ من شعره وأظفاره لكونه ممنوعًا منه بعد الإحرام، وإن بقي أثره. فكذلك استُحبّ له التطيُّبُ قبله وإن بقي أثره بعده.
(1)
في النسختين: «بالمسك» ، تحريف، والتصويب من «سنن أبي داود». والسك: ضرب من الطيب يُركَّب من مسك ورامك.
(2)
أبو داود (1830) ــ واللفظ له ــ وأحمد (24502) بإسناد صحيح.
(3)
في النسختين: «ولفظ» وفي هامشهما: «لعله: وفي لفظ عنها، أو ولفظه عنها أي أحمد» .
(4)
كذا في النسختين وفي بعض نسخ «المسند» : «اضطَمَدْن» . والمعنى: لطخنَ جباههن بالطيب وشددنها بخرقة أو لفافة.
(5)
كذا في النسختين، وفي «المسند»:«يغتسلن» .
(6)
في المطبوع: «يجمع» خلاف النسختين.
فإن قيل: فقد روى صفوان بن يعلى
(1)
بن أمية ــ يعني عن يعلى ــ أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب: ليتني أرى نبي الله صلى الله عليه وسلم حين يُنْزَل عليه، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجِعرانة، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب قد أُظِلَّ به، ومعه ناس من أصحابه فيهم عمر، إذ جاءه رجل عليه جبَّة متضمِّخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبَّة بعدما تضمَّخ بطيب؟ فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي، فأشار عمر بيده إلى يعلى بن أمية تعالَ، فجاءه يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمرُّ الوجه يغِطُّ ساعة، ثم سُرِّي عنه، فقال:«أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟» فالتُمِس الرجلُ، فجيء به
(2)
، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«أما الطيب الذي بك فاغسِلْه ثلاث مراتٍ، وأما الجبّة فانزِعْها، ثم اصنَعْ في عمرتك ما تصنع في حجتك» . متفق عليه
(3)
، لفظ مسلم.
وفي رواية
(4)
: «أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجِعرانة قد أهلَّ بعمرة، وهو مصفِّرٌ
(5)
رأسَه ولحيتَه، وعليه جبَّة، فقال: يا رسول الله، إني أحرمتُ بعمرة، وأنا كما ترى، فقال:«انزِعْ عنك الجبة، واغسِلْ عنك الصفرة» . وفي رواية
(6)
: «وهو متضمِّخٌ بالخَلوق» . رواهما مسلم.
(1)
«بن يعلى» ساقطة من المطبوع.
(2)
«فقال أين
…
فجيء به» ساقطة من المطبوع.
(3)
البخاري (1536 ومواضع أخرى) ومسلم (1180/ 8).
(4)
لمسلم (1180/ 9).
(5)
في المطبوع: «معصفر» خلاف النسختين وخلاف ما في «صحيح مسلم» .
(6)
عند مسلم (1180/ 7).