الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
(1)
: (وهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلُها التمتع، وهو أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يُحرم بالحج مفردًا، ثم القِران
، وهو أن يُحرم بهما أو يُحرم بالعمرة ثم يُدخِل عليها الحج، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة).
في هذا الكلام فصول:
أحدها
أن من أراد النسك فهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، فإذا أراد أن يجمع بين النسكين في سفرة واحدة يمرُّ فيها على الميقات في أشهر الحج، فالأفضل: التمتع، ثم الإفراد، ثم القران لمن لم يَسُقِ الهدي.
قال أبو عبد الله رحمه الله في رواية المرُّوذي
(2)
ما تقدم، حيث خيّره بين الثلاثة واختار له المتعة.
وقال في رواية صالح
(3)
: التمتع آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والذي نختار المتعة؛ لأنه آخر ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يجمع الحج والعمرة جميعًا، ويعمل
(4)
لكل واحد منهما على حدةٍ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمر أصحابه أن يحلّوا، وقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي.
(1)
انظر «المستوعب» (1/ 456، 457) و «المغني» (5/ 82) و «الشرح الكبير» (8/ 150 وما بعدها) و «الفروع» (5/ 330).
(2)
سبق ذكرها.
(3)
في «مسائله» (2/ 144).
(4)
ق: «ويجمع» .
ولأحللتُ كما تحلّون»، وهذا بعد أن قدم مكة، وهو آخر الأمرين.
وقال عبد الله
(1)
: سألت أبي عن القِران والإفراد، قال: التمتع آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: سمعت أبي يقول: والمتعة آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجمع الله فيها الحج والعمرة، واختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إذ قال:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» . فلم يحلّ النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ساق الهدي.
وسئل عن القران
(2)
، قال: التمتع
(3)
أحبُّ إليَّ، وهو آخر الأمر [ين] من النبي صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم:«اجعلوا حجَّكم عمرة»
(4)
، قال أبو عبد الله: يعني الحج، والأمران من [ق 195] سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالحج والمتعة على هذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال في رواية أبي طالب:
…
(5)
.
فلما قدم مكة قال: اجعلوا حجَّكم عمرةً فأمرهم بالعمرة، وهي آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا بيِّن إلا من
(6)
ضاق علمه بالفقه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج
(1)
في «مسائله» (ص 201).
(2)
ق: «القارن» .
(3)
ق: «يتمتع» .
(4)
أخرجه بهذا اللفظ أحمد (18523) من حديث البراء، وسيأتي بتمامه (ص 310). وفي إسناده ضعف. ولكن قد صحّ هذا القدر منه بنحوه من حديث عائشة، وابن عباس، وجابر، وأبي سعيد رضي الله عنهم، وستأتي أحاديثهم.
(5)
بياض في النسختين. وانظر هذه الرواية في «التعليقة» (1/ 235).
(6)
س: «إلا ما» .
وأصحابه، ولم يكونوا يرون إلا أنه الحج، فلما قدم مكة قال:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ ولأحللتُ كما تحلُّون» . فقالوا: أيّ الحلّ؟ قال: «الحلّ كلّه» ، قالوا: نخرج كذا وكذا، فقال:«أحِلُّوا» . وغضب، فحلُّوا، فقال سُراقة بن مالك: يا رسول الله، عمرتنا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل
(1)
للأبد».
وأما إذا ساق الهدي ففيه روايتان:
إحداهما: القران أفضل، قال في رواية المرُّوذي
(2)
: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يَسُق فالتمتع. نقلها أبو حفص.
والثانية: التمتع أفضل بكل حال، وقد صرَّح بذلك في رواية حرب، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أنا أختار في الحج التمتع، قال: وقال ابن عباس هي واجبة
(3)
. قال: وسألته مرة أخرى ما تختار في الحج؟ قال: أنا أختار التمتع، يدخل مكة بعمرة ويطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ويحلُّ إن لم يكن معه هدي، فإذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج من المسجد، وإن كان ساق الهدي طاف بالبيت وبين الصفا
(4)
والمروة لعمرته، ثم أقام
(5)
على إحرامه
(6)
، فإذا
(1)
«بل» ليست في ق. وسيأتي سياق لفظ هذا الحديث وما في معناه (ص 287).
(2)
كما في «التعليقة» (1/ 213).
(3)
أي المتعة في الحج. أخرج قوله في ذلك أحمد (2360) ومسلم (1244، 1245) من طرق عنه.
(4)
ق: «وبالصفا» .
(5)
في المطبوع: «قام» ، خلاف الأصل.
(6)
«لعمرته
…
إحرامه» ساقطة من ق.
كان يوم التروية أهلَّ بالحج. هذا مذهبه.
وذلك لِما اعتمده أحمد وبنى مذهبه عليه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحرم هو وأصحابه من ذي الحليفة قال:«من شاء أن يُهِلَّ بحج، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرة، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرة وحج»
(1)
، فلما قدِموا مكة أمرهم كلهم أن يحلّوا من إحرامهم إذا طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، ويجعلوها عمرة، ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج
(2)
إلا من ساق الهدي، فإن سوق الهدي يمنعه من التحلل. وكان دخولهم مكة يوم الأحد رابعَ ذي الحجة، فلما كان يوم التروية أمرهم أن يُهِلُّوا بالحج، فحج المسلمون كلهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره متمتعين حجة الوداع التي هي أكمل بها الدين وأتمّ بها النعمة، وقد كرهوا ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم
(3)
بالمتعة، ويغضب على من لم يفعلها ويقول:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولولا الهدي لأحللتُ» ، لعلمه بفضل الإحلال.
فثبت بذلك أن المتعة أفضل من حجة مفردة، ومن القران بين العمرة والحج، من وجوه:
أحدها: أنها آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أمرهم بها عينًا بعد أن خيَّرهم عند الميقات بينها وبين غيرها، فعُلِم أنه لم يكن يعلم أولًا فضل المتعة حتى أمره
(4)
الله بها وحضَّه عليها، فأمر أصحابه بها وحضَّهم عليها،
(1)
أخرجه مسلم (1211/ 114) بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
«إلى الحج» ساقطة من س.
(3)
«يأمرهم» ليست في س.
(4)
ق: «أمر» .
ولو كان صلى الله عليه وسلم يعلم أولًا مِن فضل المتعة ما علمه بعد قدومه مكة لكان قد أمرهم بالإهلال بها من الميقات، ولم يُخيِّرهم بينها وبين غيرها، ليستريح من كراهتهم لفسخ الحج ومشقته عليهم، فإنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا
(1)
، ولهذا قال:«[لو استقبلتُ من أمري] ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتها عمرة»
(2)
.
الثاني: أن المسلمين حجوا معه متمتعين جميعهم إلا من ساق الهدي وكانوا قليلًا، وذلك بأمره، وأمرُه صلى الله عليه وسلم أبلغُ في الإيجاب والاستحباب من فعله لو
(3)
كان الفعل معارضًا له، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، ولا ينبغي لمؤمنٍ
(4)
أن يختار لنفسه غير ما اختاره
(5)
الله ورسوله.
الثالث: أن هذه الحجة حجة الوداع، لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين قبلها ولا بعدها، وفيها أكمل الله الدين، وأتمَّ النعمة، وأُحْيِيتْ مشاعرُ إبراهيم عليه السلام، وأُمِيتَ أمرُ الجاهلية، فلم يكن الله تعالى ليختار
(6)
لرسوله وللمؤمنين من السُّبل إلا أقومَها، ومن الأعمال إلا أفضلها، وقد اختار
(7)
لهم المتعة.
(1)
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (3560) ومسلم (2327) عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
«ولهذا
…
عمرة» ليست في ق.
(3)
ق: «ولو» .
(4)
ق: «للمؤمن» .
(5)
ق: «اختار» .
(6)
س: «يختار» .
(7)
بعدها في المطبوع زيادة لفظ الجلالة خلاف الأصل.
وهذه الجملة التي ذكرناها من حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأمْرِه المسلمين بالمتعة مما أجمع عليه علماء الأثر، واستفاض بين أهل العلم، واشتهر حتى لعله قد تواتر عندهم، ونحن نذكر من الأخبار بعضَ ما يبيِّن ذلك:
فروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وتمتَّع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي
(1)
، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة [ق 196] قال للناس: «من كان منكم
(2)
أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّر ولْيَحْلِل، ثم ليُهِلَّ بالحج
(3)
ولْيُهْدِ، فمن لم يجد فصيام ثلاثةِ أيام في الحج وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله». وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، فاستلم الركن أولَ شيء، ثم خبَّ ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلّم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يَحْلِلْ من شيء حَرُم منه حتى قضى حجَّه ونحر هدْيَه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهديَ من الناس
(4)
.
(1)
«فساق الهدي» ساقطة من المطبوع.
(2)
«منكم» ساقطة من المطبوع.
(3)
«ثم ليهل بالحج» ساقطة من المطبوع.
(4)
أخرجه البخاري (1691) ومسلم (1227).
وعن الزهري عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها
(1)
أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتُّعه بالعمرة إلى الحج وتمتُّع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. متفق عليه
(2)
.
وعن سالم أنه سمع رجلًا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، قال الشامي: إن أباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيتَ إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم أأمْرَ
(3)
أبي نتبع
(4)
أم أمْرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي
(5)
، وروى النسائي
(6)
عنه: العمرة في شهور
(7)
الحج تامَّة، قد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزلها الله تعالى في كتابه.
وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبَّد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يَحْلِلْن، قلن: ما لك أنت لا تحِلُّ
(8)
؟ قال: «إني قلَّدتُ
(1)
«أنها» ليست في س.
(2)
البخاري (1692) ومسلم (1228).
(3)
ق: «أمر» .
(4)
س: «يتبع» .
(5)
رقم (824) وقال: «هذا حديث حسن صحيح» كما في «نسخة الكروخي» الخطية (ق 62 ب) وقد سقط من أكثر النسخ المطبوعة. وأخرجه أيضًا أبو عوانة في «مستخرجه» (3366).
(6)
في «الكبرى» (4215)، ورواه أيضًا أحمد في «مسنده» (6392) وإسناده صحيح.
(7)
س: «أشهر» ، وهو لفظ أحمد، والمثبت من ق لفظ النسائي.
(8)
ق: «لا تحلل» .
هديي ولبَّدت رأسي، فلا أحلّ حتى أحلّ من حجتي وأحلق رأسي». رواه أحمد
(1)
.
وعن حُميد الطويل عن بكر بن عبد الله عن عبد الله بن عمر
(2)
قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وأصحابه مُهِلِّين بالحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي»
(3)
، قالوا: يا رسول الله أيروح أحدنا إلى مِنًى وذَكَرُه يَقْطُر منيًّا؟! قال: «نعم» ، وسطعت المجامر، وقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بمَ
(4)
أهللتَ؟» قال: بما أهلَّ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال:«فإنَّ لك معنا هَدْيًا» . قال حميد: فحدَّثتُ به طاوسًا، فقال: هكذا فعل القوم. وفي رواية: «اجعلها عمرة»
(5)
. وفي رواية: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبَّى بالحج ولبَّينا معه، فلما قدم أمر من لم يكن معه الهدي أن يجعلوها عمرة» . رواه أحمد
(6)
بإسناد صحيح، وبعضه في
(1)
رقم (6068). وقد أخرجه أحمد (26436) والبخاري (4398) ومسلم (1229/ 179) من طرق عن نافع، عن ابن عمر أن حفصة أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه
…
إلخ بنحوه.
(2)
«عن عبد الله بن عمر» ساقطة من ق.
(3)
س: «هدي» .
(4)
في النسختين: «بما» .
(5)
رواه أحمد (4822) عن روح بن عُبادة وعفّان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن حميد به. قال روح في روايته:«فإن لك معنا هديا» . وقال عفّان: «اجعلها عمرة» ، وهذه اللفظة شاذّة إذ المعروف أن عليًّا بقي على إحرامه مثل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحلّ بعمرة.
(6)
رقم (5147) عن سهل بن يوسف، عن حميد به.
«الصحيحين»
(1)
. وذكر ابن الجوزي
(2)
أنه في الصحيحين، وأظنه وهمًا
(3)
.
وعن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نُرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهديَ أن يحلَّ، قالت: فحلَّ من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يَسُقْن فأحللن، قالت عائشة: فحِضْتُ فلم أطف بالبيت، فلما كانت ليلة الحَصْبة قالت: قلت: يا رسول الله، يرجع
(4)
الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة؟ قال: «أوَما كنتِ طفتِ لياليَ قدِمْنا مكة؟» ، قالت: قلت: لا، قال:«فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلِّي بعمرة، ثم موعدكِ مكان كذا وكذا» . قالت صفية: ما أُراني إلا حابِسَتَكم، قال:«عَقْرى حَلْقى، أوما كنتِ طفتِ يوم النحر؟» ، قالت: بلى، قال:«لا بأسَ عليكِ انْفِري» . قالت عائشة: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُصْعِدٌ من مكة وأنا منهبطة عليها، أو أنا مُصعِدة وهو منهبط منها
(5)
.
وفي رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نُلبِّي لا نذكر حجًّا ولا عمرة. وساق الحديث بمعناه
(6)
.
(1)
البخاري (4353) ومسلم (1232).
(2)
في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (2/ 126).
(3)
فإنه ليس بالسياق الذي ذُكِر.
(4)
س: «أيرجع» .
(5)
أخرجه البخاري (1561) ومسلم (1211/ 128).
(6)
أخرجه البخاري (1772) ومسلم (1211/ 129).
وعن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمسٍ بقين من ذي القعدة، ولا نُرى إلا أنه الحج، فلما كنا بسَرِفَ حِضْتُ، حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلَّ، قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟، فقال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه. قال يحيى: فذكرتُ هذا الحديث للقاسم بن محمد، فقال: أتتْك والله بالحديث على وجهه
(1)
.
وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سَرِفَ فطَمِثْتُ، فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال:«ما يُبكيكِ؟» فقلت: والله لودِدْتُ أني لم أكن خرجتُ العامَ، فقال: «ما لكِ
(2)
؟ لعلك نُفِسْتِ»، قلت: نعم، قال:«هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير [ق 197] أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» . قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اجعلوها عمرة» . فأحلَّ الناس إلا من كان معه الهدي
(3)
، قالت: فكان الهدي مع النبي
(4)
صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وذوي
(5)
اليسارة، ثم أهلُّوا حين راحوا. قالت: فلما كان يوم النحر طهرتُ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضتُ، قالت: فأُتِينا بلحم بقرٍ فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر، فلما كانت
(1)
أخرجه البخاري (1709) ومسلم (1211/ 125).
(2)
«فقلت
…
ما لك» ساقطة من س.
(3)
في المطبوع: «هدي» .
(4)
س: «رسول الله» .
(5)
في المطبوع: «وذي» .
ليلة
(1)
الحَصْبة قلت: يا رسول الله، أيرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفَني على جمله، قالت: فإني لأذكر
(2)
وأنا حديثة السن أَنْعَسُ فيصيب وجهي مُؤخِرَة الرحل، حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة
(3)
الناس التي اعتمروا
(4)
.
وعن أفلح بن حُميد عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشهرُ الحج، وليالي الحج، وحُرُمِ الحج، فنزلنا بسَرِفَ، قالت: فخرج إلى أصحابه فقال: «من لم يكن منكم
(5)
معه هَديٌ فأحبَّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا». قالت
(6)
: فالآخذُ بها والتاركُ لها من أصحابه، قالت: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجال من أصحابه، فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي، فلم يقدروا على العمرة. قالت: فدخل عليَّ
(7)
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال:«ما يُبكيكِ يا هَنتاه؟» قلت: سمعتُ قولك لأصحابك فمُنِعتُ العمرةَ، قال
(8)
: «وما شأنكِ؟» قلت: لا أصلِّي، قال: «فلا يَضِيرك
(9)
، إنما أنتِ امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب
(1)
«ليلة» ليست في س.
(2)
في المطبوع: «لا أذكر» ، خطأ.
(3)
في المطبوع: «بعمر» .
(4)
أخرجه مسلم (1211/ 120) بتمامه. وأخرجه البخاري (294، 305) مختصرًا.
(5)
«منكم» ليست في ق.
(6)
«قالت» ليست في س.
(7)
«عليّ» ليست في س.
(8)
ق: «قالت قال» .
(9)
س: «يضرّك» . والمثبت من ق رواية البخاري، وما في س رواية مسلم. وانظر «فتح الباري» (3/ 421).
عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها
(1)
». قالت: فخرجنا في حجته ــ وفي لفظ
(2)
: «فخرجتُ في حجتي» ــ حتى قدمنا منى فطهرتُ، ثم خرجت من منى فأفضتُ بالبيت. قالت: ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصَّب ونزلنا معه، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: «اخرجْ
(3)
بأختك من الحرم فلتهلَّ بعمرة، ثم افرغا، ثم ائتيا
(4)
ها هنا، فإني أنتظركما حتى تأتياني». قالت: فخرجنا حتى إذا فرغت، وفرغت من الطواف ثم جئتُه
(5)
بسحر، فقال:«هل فرغتم؟» فقلت: نعم، قالت
(6)
: فآذَنَ بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس فمرَّ متوجهًا إلى المدينة. وفي لفظٍ
(7)
: «فآذَنَ في أصحابه بالرحيل، فخرج فمرَّ بالبيت
(8)
،
فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة»
(9)
. متفق على هذه الأحاديث كلّها.
وعن ذكوان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع مضين من ذي الحجة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟
(1)
س: «يرزقكها» .
(2)
هذا لفظ مسلم.
(3)
في المطبوع: «إخراج» ، تحريف.
(4)
س: «اتينا» .
(5)
ق: «جئت» .
(6)
س: «قال» .
(7)
هذا لفظ مسلم.
(8)
س: «فخرج عمر بالبيت» .. ق: «فخرج عمر إلى البيت» . وهو تحريف.
(9)
أخرجه البخاري (1560) ومسلم (1211/ 123).
أدخله الله النار، قال:«أوما شعرتِ أني أمرتُ الناس بأمرٍ فإذا هم يتردَّدون، فلو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدي معي حتى أشترِيَه، ثم أحلّ كما حلُّوا» . رواه مسلم
(1)
.
وعن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدي، ولحللتُ مع الناس حين حلُّوا» . رواه البخاري
(2)
.
فهذا الحديث مبيِّن أن الصحابة رضي الله عنهم حلُّوا إلا من ساق الهدي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صدروا عن مكة ليلة الحَصْبة، وهي الليلة التي تلي لياليَ منًى، ولم يقيموا بمكة بعد أيام منًى
(3)
شيئًا، وأنه لم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة وحدها، حتى أخوها عبد الرحمن الذي كان معها لم يعتمر من التنعيم؛ لأنهم كانوا قد اعتمروا قبل الحج.
وقولها: «لا نُرى إلا أنه الحج» تعني
(4)
: من كان أحرم بالحج أو قَرَنَ بينهما ــ وربما كانوا هم
(5)
أكثر الوفد ــ نُرى
(6)
أنهم يقيمون على حجهم ولا يتحللون منه قبل الوقوف؛ لأنها قالت: فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت، وهي لم تتطوَّف، فكانت الكناية عن الحجاج
(7)
في الجملة.
(1)
رقم (1211/ 130).
(2)
رقم (7229).
(3)
في المطبوع: «ليالي منى» ، خلاف النسختين.
(4)
ق: «يعني» .
(5)
«هم» ليست في س.
(6)
ق: «يرى» .
(7)
س: «الحاج» .
وقولها: «لا نذكر حجًّا ولا عمرة» تعني في التلبية؛ لأنها قد بيَّنت في رواية أخرى أن منهم من أهلّ بالحج، ومنهم من أهلّ بالعمرة، ومنهم من قرنَ بينهما، وأنها كانت هي متمتعة.
وقولها: «فالآخذُ بها والتاركُ لها» من الصحابة
(1)
، هذا كان بسَرِف قبل أن يقدَموا مكة؛ لأنه كان إذنًا ولم يكن أمرًا، فلما قدموا جزم النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر، وتردَّد بعض الناس، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم على من تردَّد، فأطاعوا الله ورسوله وتمتَّعوا، وتوجَّع النبي صلى الله عليه وسلم على كونه لم يُمكنِه موافقتُهم في الإحلال من أجل هديه. وبيَّن ذلك ما روى عبيد الله
(2)
بن عمر عن القاسم عن عائشة قالت: منّا مَن أهلّ بالحج مفردًا، ومنّا من قرنَ، ومنّا من تمتَّع. رواه البخاري
(3)
.
وروى الزهري عن عروة
(4)
عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج، فقدِمْنا مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحرم بعمرة ولم يُهدِ فليحللْ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحلّ حتى يحلّ بنحر
(5)
هَدْيه [ق 198]، ومن أهلَّ بحج فليتمَّ حجه»، قالت: فحِضْت، فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة ولم أُهلِلْ إلا بعمرة، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي، وأمتشط، وأُهِلَّ بالحج، وأترك العمرة،
(1)
س: «أصحابه» .
(2)
في المطبوع: «عبد الله» ، خطأ.
(3)
بل مسلم (1211/ 124). وروى البخاري (1562، 4408) من طريق أبي الأسود عن عروة عن عائشة نحوه، وسيأتي ذكره.
(4)
«عن عروة» ساقطة من المطبوع.
(5)
في النسختين: «نحر» . والتصويب من البخاري.
ففعلت ذلك حتى قضيتُ حجتي، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم
(1)
.
وفي رواية
(2)
: قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أراد منكم أن يُهِلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهِلّ بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ» . قالت عائشة: وأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، وأهلَّ به ناس معه، وأهلَّ معه ناس بالعمرة والحج، وأهلَّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلَّ بعمرة.
وعن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنّا من أهلّ بحج، وأهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهلّ بعمرة فحلّ، وأما من أهلّ بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر
(3)
.
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُوافِينَ لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من أحبّ أن يُهِلّ بعمرة فليهلّ، ومن أحبّ أن يهلّ بحجة فليهلّ، ولولا أني أهديتُ لأهللتُ بعمرة» . فمنهم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهلّ بحجة، فكنت فيمن أهلّ بعمرة، فحِضْتُ قبل أن أدخل مكة، فأدركني
(4)
يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دعي عمرتَكِ، وانْقُضي رأسك، وامتشطي، وأهِلّي
(1)
أخرجه البخاري (319) ومسلم (1211/ 112).
(2)
عند مسلم (1211/ 114).
(3)
أخرجه البخاري (1562، 4408) ومسلم (1211/ 118).
(4)
في المطبوع: «فأدركت» ، خطأ.
بالحج». ففعلت، فلما كانت
(1)
ليلةُ الحَصْبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم. فأردفَها، فأهلَّت بعمرة مكان عمرتها. قال هشام: فقضى الله حجَّها وعمرتها، ولم يكن في شيء من
(2)
ذلك هديٌ ولا صدقة ولا صوم
(3)
.
متفق على هذه الأحاديث، وليس في رواية عروة هذه ذكر الفسخ؛ ولهذا كان ينكره حتى جرى بينه وبين ابن عباس فيه ما جرى
(4)
.
وأما قوله عليه السلام: «ومن أهلّ بالحج فليتمّ حجه» فيحتمل
(5)
شيئين:
أحدهما: من استمرَّ إهلاله بالحج، ولم يُحوِّله إلى عمرة، فإنه لا يتحلَّل منه، وكان هذا في حقِّ من ساق الهدي ممن أحرم بالحج. وكذلك قوله في الحديث: «وأما من أهلَّ بالحج أو جمع الحج والعمرة
(6)
، فلم يحلُّوا حتى كان يوم النحر»، إن لم يكن هذا من قول عروة وكان من قول
(1)
س: «كان» . وهي كذلك في بعض الروايات.
(2)
«شيء من» ليست في س.
(3)
أخرجه البخاري (317، 1783، 1786) ومسلم (1211/ 115).
(4)
أخرج الإمام أحمد (2277) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (380) ــ واللفظ له ــ بإسناد صحيح إلى ابن أبي مليكة أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أضللتَ الناس! قال: وما ذاك يا عرية؟ قال: تأمر بالعمرة في هؤلاء العشر وليست فيهن عمرة. فقال: أَوَلا تسأل أمك عن ذلك؟ فقال عروة: فإن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك. فقال ابن عباس: هذا الذي أهلككم! والله ما أرى إلا سيعذّبكم، إني أحدّثكم عن النبي صلى الله عليه وسلم وتجيئوني بأبي بكر وعمر! فقال عروة: هما والله كانا أعلمَ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعَ لها منك.
(5)
في المطبوع: «فيتحمل» .
(6)
س: «يكون» مكان «الحج والعمرة» .
عائشة، فإن معناه: من دام إهلاله بالحج، أو بالحج والعمرة
(1)
، واستمرُّوا= هم الذين لم يحلّوا لأجل سَوْق الهدي؛ لأنها قد أخبرت في غير موضع أنهم كانوا لا يرون إلا الحج، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من لم يَسُقِ الهدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلّ.
أو
(2)
أن هذا كان قبل أن يأذن لهم في الفسخ قبل أن يَدْنُوا من مكة في أوائل الإحرام
…
(3)
.
وأما قولها: «خرجنا موافين لهلال ذي الحجة» ....
وعن أبي عمران
(4)
أسلم قال: حججتُ مع مواليَّ، فدخلتُ على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعتمر قبل أن أحج؟ قالت: إن شئت فاعتمرْ قبل أن تحج، وإن شئت فبعدَ أن تحج، قال
(5)
: فقلت: إنهم يقولون: من كان صَرُورةً
(6)
فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحج، قال: فسألت أمهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت، فرجعت إليها، فأخبرتها بقولهن، قال: فقالت: نعم وأَشْفِيك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«أهِلُّوا يا آلَ محمد بعمرة في حج»
(7)
. رواه أحمد
(8)
.
(1)
«والعمرة» ليست في س.
(2)
هذا الاحتمال الثاني.
(3)
بياض في النسختين. وكذا فيما يلي.
(4)
ق: «ابن
…
».
(5)
في النسختين: «قالت» . والتصويب من المسند.
(6)
في النسختين: «ضرورة» خطأ. والصرورة: الذي لم يحج.
(7)
ق: «وحج» .
(8)
رقم (26548). قال في «مجمع الزوائد» (3/ 235): رجاله ثقات.
وعن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يرون أن
(1)
العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحةَ رابعةٍ مُهِلِّينَ بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أيّ الحل؟ قال: «حِلٌّ
(2)
كله». متفق عليه
(3)
، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: من أفجر الفجور، وقال:«الحل كله»
(4)
.
قال سفيان بن عيينة: كان عمرو يقول: إن هذا لحديثٌ
(5)
له شأنٌ. رواه البخاري
(6)
.
وعن طاوس عن ابن عباس قال: تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وأبو بكر حتى مات
(7)
، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، وكان أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبتُ منه، وقد حدثني أنه قصَّر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمِشْقَصٍ
(8)
. رواه أحمد وهذا لفظه، والترمذي
(9)
وقال: «حديث
(1)
«أن» ليست في ق.
(2)
ق: «الحل» .
(3)
البخاري (1564) ومسلم (1240).
(4)
«متفق
…
الحل كله» ساقطة من ق.
(5)
في المطبوع: «هذا الحديث» .
(6)
رقم (3833). وعمرو هو ابن دينار.
(7)
«وأبو بكر حتى مات» ليست في ق.
(8)
المشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض.
(9)
أحمد (2664) والترمذي (822) وجاء ذكر تحسينه عقب الحديث (824)، وفي «نسخة الكروخي» الخطية (ق 62 ب) ورد حديث ابن عباس مع تحسين الترمذي له كلاهما عقب الحديث (824)، وكذا في طبعة شعيب الأرنؤوط المحققة.
وليث بن أبي سليم سيء الحفظ، ولكن روي الحديث من غير طريقه عند البخاري (1730) ومسلم (1246) مختصرًا دون ذكر تمتع النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الثلاثة، فإنه منكر تفرّد به ليث بن أبي سليم. وسيأتي كلام المؤلف (5/ 206) في توجيه تقصير معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يحلّ من عمرته في حجة الوداع.
حسن»، وفيه ليث بن أبي سليم.
وعن أبي العالية البراء عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبْحِ رابعةٍ يُلبُّون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه هدي. متفق عليه، وهذا لفظ البخاري
(1)
، ولفظ مسلم
(2)
: «لأربعٍ خلونَ من العشر وهم يُلبُّون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة» . وفي لفظ
(3)
(4)
: أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فقدِمَ لأربع مضين من ذي الحجة، فصلّى الصبح، وقال حين صلّى الصبح:«من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة» . وفي لفظ
(5)
وعن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هديٌ فليحلل الحلَّ كله، فإن العمرة قد دخلت في
(1)
رقم (1085).
(2)
رقم (1240/ 201).
(3)
لمسلم رقم (1240/ 202).
(4)
رقم (1240/ 199).
(5)
رقم (1240/ 200).
الحج
(1)
إلى يوم القيامة». رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي
(2)
.
وعن مجاهد عن ابن عباس قال: أهلّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحج، فلما قدم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يقصّر ولم يحلّ من أجل الهدي، وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى ويقصّر، أو يَحْلِق، ثم يحلّ. رواه أبو داود
(3)
، وفيه يزيد بن أبي زياد.
وعن [مجاهد عن]
(4)
ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُجّاجًا فأمرهم فجعلوها عمرة، ثم قال:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما فعلوا، لكن دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة» . ثم أنشَبَ أصابعه بعضَها في بعض، فحلَّ الناس إلا من كان معه هديٌ
(5)
، وقدم عليٌّ رضي الله عنه من اليمن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«بمَ أهللتَ؟» قال: أهللتُ بما أهللتَ به، قال:«فهل معك هدي؟» قال: لا، قال:«فأقمْ كما أنت ولك ثلثُ هَدْيِي» ، قال: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنةٍ. رواه أحمد
(6)
.
(1)
ق: «بالحج» .
(2)
أحمد (2115) ومسلم (1241) وأبو داود (1790) والنسائي (2815).
(3)
رقم (1792). وأخرجه أيضًا أحمد (2152، 3128). ويزيد بن أبي زياد ضعيف، ولكن الحديث في جملته مستفيض بنحوه عن ابن عباس من طرق عنه ــ قد سبق بعضها ويأتي بعضها ــ إلا قوله:«أو يحلق» فإنه منكر، فإن الثابت من حديث ابن عباس في البخاري (1545) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتقصير، وكذا هو في حديث جابر وحديث ابن عمر المتفق عليهما.
(4)
هنا بياض في النسختين، والزيادة من المسند.
(5)
في المطبوع: «الهدي» .
(6)
رقم (2287) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس.
وعن النهّاس عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أهلَّ الرجل بالحج، ثم قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حلَّ، وهي عمرة» . رواه أبو داود
(1)
، ورواه أحمد
(2)
وغيره عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا، وهو أشبه.
وعن عكرمة عن ابن عباس: أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
(3)
وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلَّد الهدي» . طُفْنا
(4)
بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال:«من قلَّد الهدي فإنه لا يحلّ له حتى يبلغ الهدي محلَّه» ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهلّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تمَّ حجنا وعلينا الهدي، كما قال الله عز وجل:{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أمصاركم. الشاةُ تُجزئ، فجمعوا نُسكينِ في عام بين الحج والعمرة، فإن الله تعالى أنزله في كتابه وسَنَّه نبيُّه
(5)
صلى الله عليه وسلم، وأباحه للناس غير أهلِ مكة، قال الله تعالى:
(1)
رقم (1791). والنهّاس ضعيف الحديث، والصواب أنه موقوف على ابن عباس كما سيأتي في كلام المؤلف.
(2)
في «مسائله - رواية أبي داود» (ص 143) والبخاري (4396) ومسلم (1245). ورواه أحمد في «مسنده» (2223) من رواية حبيب بن أبي مرزوق عن عطاء عن ابن عباس بنحوه موقوفًا.
(3)
«في حجة الوداع» ليست في س.
(4)
في المطبوع: «فطفنا» ، خلاف ما في النسختين والبخاري.
(5)
س: «رسوله» .
{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]. وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتَّع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم
(1)
. والرفث: الجماع
(2)
، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء. رواه البخاري
(3)
.
وعن أبي جَمْرة قال: تمتَّعتُ فنهاني ناس، فسألت ابن عباس، فأمرني، فرأيت في المنام كأنّ رجلا يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبرت ابن عباس، فقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: أقِمْ عندي فأجعل لك سهمًا من مالي، فقال شعبة: فقلت: لم؟ فقال: للرؤيا التي رأيتُ
(4)
.
وفي لفظ
(5)
: سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جَزور، أو بقرة، أو شِرْكٌ في دم، قال: وكأنّ ناسًا كرهوها، فنمتُ فرأيتُ في المنام كأن المنادي ينادي
(6)
: حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيتُ ابن عباس فحدَّثته، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
وعن مسلم القُرِّي سمع ابن عباس يقول: أهلّ النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة، وأهلّ أصحابه بحج، فلم يحلّ النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحلَّ بقيتُهم، وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحلَّ
(7)
. رواه أحمد
(1)
بعدها في ق زيادة «أو صدقة» . وليست في البخاري، وهي خطأ من حيث المعنى.
(2)
«الجماع» ساقطة من س.
(3)
رقم (1572) معلَّقًا.
(4)
أخرجه البخاري (1567) ومسلم (1242).
(5)
عند البخاري (1688).
(6)
ق: «قائلًا يقول» .
(7)
«فلم يحل» ساقطة من ق.
ومسلم
(1)
، وروى أبو داود أولَه
(2)
.
وعن مسلم أيضًا قال: سألتُ ابن عباس عن متعة الحج فرخَّص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فقال: هذه أم ابن الزبير تُحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص فيها، فادخلوا عليها، فاسألوها
(3)
، قال: فدخلنا عليها فإذا هي امرأة ضَخْمة عمياء، فقالت: قد رَخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. رواه مسلم
(4)
.
وعن صفية بنت شيبة عن أسماء قالت: خرجنا محرمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من كان معه هَدْيٌ فليقمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحلِلْ» . فلم يكن معي هديٌ، فحللتُ، وكان مع الزبير هديٌ فلم يحلّ، قالت: فلبستُ ثيابي، ثم خرجتُ إلى الزبير، فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أَثِبَ
(5)
عليك»
(6)
، وفي روايةٍ:«قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلِّين بالحج» . رواه مسلم
(7)
.
وعن مجاهد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قدِمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك اللهم لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة. رواه [ق 200] البخاري
(8)
.
وعن جابر بن عبد الله قال: أهللنا بالحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا
(1)
أحمد (2141)، ومسلم (1239).
(2)
برقم (1804) إلى قوله: «وأهل أصحابه بحجّ» .
(3)
س: «فسلوها» . وكلاهما صواب. وفي المطبوع: «فسألوها» ، خطأ.
(4)
رقم (1238).
(5)
في المطبوع: «أثبت» ، تحريف. وهو مضارع «وَثَبَ» بمعنى القفز والمغالبة.
(6)
أخرجه مسلم (1236/ 191).
(7)
رقم (1236/ 192).
(8)
رقم (1570).
مكة أمرنا أن نحلَّ ونجعلها عمرة، فكبُر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فقال: «يا أيها الناسُ، أحِلُّوا، فلولا الهدي الذي معي فعلتُ
(1)
كما فعلتم»، قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظَهْرٍ
(2)
، أهللنا بالحج
(3)
.
[وفي رواية]
(4)
: قال: أهلّ النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحج
(5)
، وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة، وقدم عليٌّ من اليمن ومعه هديٌ، فقال: أهللتُ بما أهلّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ويقصّروا، ويحلّوا، إلا من كان معه الهدي، قالوا: ننطلق إلى مِنًى وذَكَرُ أحدِنا يقطُر! فبلغ ذلك النبي
(6)
صلى الله عليه وسلم فقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهديَ لأحللتُ» ، وحاضت عائشة، فنسكت المناسكَ كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون
(7)
بحجة وعمرة وأنطلقُ بحج! فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة. وأن سُراقة
(8)
بن مالك بن جُعْشُم لقي النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة
(1)
في المطبوع: «لفعلت» ، خلاف ما في النسختين و «صحيح مسلم» .
(2)
س: «بظهرنا» .
(3)
أخرجه مسلم (1216/ 142).
(4)
زيادة ليستقيم السياق، فما بعدها رواية أخرى أخرجها البخاري (1651، 1785).
(5)
«قال
…
بالحج» ليست في ق.
(6)
ق: «رسول الله» .
(7)
س: «ينطلقون» .
(8)
سياق الكلام كما عند البخاري (1785): «عن عطاء حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ
…
وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة
…
وأن عائشة حاضت فنسكت
…
وأن سراقة لقي النبي
…
».
وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصةً يا رسول الله؟ قال: «لا، بل للأبد» .
وفي رواية عن أبي شهاب
(1)
قال: قدمتُ متمتعًا مكةَ
(2)
بعمرة، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أُناسٌ
(3)
من أهل مكة: تصير الآن حجتك حجةً مكيةً، فدخلتُ على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يومَ ساقَ البُدْن معه، وقد أهلُّوا بالحج مفردًا، فقال لهم:«أحِلُّوا من إحرامكم بطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصِّروا ثم أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمتم بها متعة» . فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمَّينا الحج؟ فقال:«افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقتُ الهدي لفعلتُ مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحلُّ مني حرام حتى يبلغ الهديُ محلَّه» ففعلوا
(4)
. متفق عليه. وهذان للبخاري.
ولمسلم
(5)
: فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ أمرنا أن نُفْضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تَقْطُر مذاكيرُنا المنيَّ! قال جابر بيده كأني أنظر إلى قوله بيده يُحرِّكها، قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا، فقال:«قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرُّكم، ولولا هديي لحللتُ كما تحِلُّون، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ، فحِلُّوا» ، فحللنا، وسمعنا وأطعنا.
(1)
في النسختين: «ابن شهاب» خطأ.
(2)
في المطبوع: «قدمت مكة متمتعًا» ، خلاف ما في النسختين والبخاري.
(3)
في المطبوع: «ناس» .
(4)
أخرجه البخاري (1568).
(5)
رقم (1216/ 141). ونحوه عند البخاري (7367).
ولمسلم
(1)
قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجَّهنا إلى منًى، قال: فأهللنا من الأبطح، فقال سراقة بن مالك بن جُعْشُم: يا رسول الله، لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لأبدٍ»
(2)
.
ورواه أبو داود
(3)
وغيره بإسناد صحيح، وفيه: ثم قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرأيتَ متعتَنا
(4)
هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل هي أبد» .
وعن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال جابر: لسنا نَنْوِي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرملَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، وذكر طوافه وسعيه، قال: حتى إذا كان آخر طوافٍ على المروة، قال: «لو أني
(5)
استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلَّ، وليجعلها عمرة»
(6)
. فقام سراقة بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدةً في الأخرى
(7)
، وقال:«دخلتِ العمرةُ في الحج ــ مرتين ــ لا، بل لأبد أبد» . وقدم عليٌّ من اليمن ببُدْنِ النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة ممن حلَّ، ولبستْ ثيابًا صَبِيغًا واكتحلت،
(1)
رقم (1214) إلى قوله: «الأبطح» . وما بعدها برقم (1216/ 141).
(2)
ق: «بل لأبد» .
(3)
رقم (1787) وابن ماجه (2980) وابن حبان (3921).
(4)
في المطبوع: «أريت متمتعًا» ، تحريف.
(5)
«أني» ليست في س.
(6)
«فمن كان
…
عمرة» ساقطة من ق.
(7)
س: «أخرى» .
فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، قال: وكان علي رضي الله عنه يقول بالعراق: فذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرِّشًا على فاطمة للذي صنعتْ، مستفتيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه، فأخبرتُه أني أنكرتُ ذلك عليها، فقال: «صدقتْ صدقتْ
(1)
، ماذا قلتَ حين فرضتَ الحج؟» قال: قلتُ: اللهم إني أُهِلُّ بما أهلَّ به رسولك
(2)
، قال:«فإنّ معي الهديَ فلا تَحِلَّ» ، قال: فكان جماعةُ الهدي الذي قدِمَ به عليٌّ من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائةً، قال: فحلَّ الناس كلُّهم وقصَّروا إلا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجَّهوا إلى منًى، فأهلُّوا بالحج.
رواه مسلم وغيره
(3)
.
ورواه سعيد
(4)
عن عتَّاب بن بَشِير
(5)
، أبنا خُصَيف، عن عطاء، عن جابر قال: لما قدِمنا مكة سألَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي شيء أهللتم؟ فقال بعضنا: بالحج، وقال بعضنا: بالعمرة، وقال بعضنا: بالذي أهللتَ به يا رسول الله، فقال
(6)
:
(1)
في المطبوع: «صدقت» مرة واحدة.
(2)
ق: «رسول الله» .
(3)
مسلم (1218) وأبو داود (1905) وابن ماجه (3074).
(4)
وأخرجه الطحاوي في «أحكام القرآن» (1284) و «شرح معاني الآثار» (2/ 191) والطبراني في «الكبير» (6579)، كلهم من طريق موسى بن أعين عن خصيف به. وخصيف الجزري ضعيف، وقد وَهِم في قوله:«قال بعضنا: بالعمرة» ــ أو كما في مصادر التخريج: «قدمنا متمتّعين» ــ، لأن الثابت في حديث عطاء عن جابر:«لا نريد إلا الحج، ولا ننوي غيره» . أخرجه أحمد (14942). وأخرج مسلم (1218) من وجه آخر عن جابر: «لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة» .
(5)
س: «غياث بن بشر» ، تصحيف.
(6)
ق: «قال» .
«أحِلُّوا أجمعين إلا إنسان معه الهدي قلَّده، ولو استقبلتُ [ق 201] من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهدي حتى أكون معكم حلالًا» . فرأى أن الفضل في الإحلال، فقال سراقة بن مالك بن جُعْشُم: ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «لأبدِ الأبد
(1)
».
وعن أبي نَضْرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرتُ ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يدي دار الحديثُ، تمتَّعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عمر قال: إن الله كان
(2)
يُحِلُّ لرسوله ما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتِمُّوا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله، واتَّقوا نكاحَ هذه النساء، فلن أوتَى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمتُه بالحجارة». وفي رواية:«وافْصِلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتمُّ لحجكم، وأتمُّ لعمرتكم» . رواه مسلم
(3)
.
وفي رواية صحيحة لأحمد
(4)
: قال جابر: تمتَّعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس، فقال: إن القرآن هو القرآن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الرسول، وإنهما كانتا متعتان
(5)
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إحداهما متعة الحج، والأخرى متعة النساء.
وعن [أبي]
(6)
سعيد قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نَصْرُخُ بالحج
(1)
س: «الآبدين» .
(2)
«كان» ساقطة من س.
(3)
رقم (1217) بالروايتين.
(4)
برقم (369).
(5)
ق: «متعتين» . والمثبت من س والمسند.
(6)
ما بين المعكوفتين ساقط من النسختين، ويجب زيادته، فالراوي أبو سعيد الخدري.
صُراخًا، فلما قدِمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورُحْنا إلى منًى أهللنا بالحج. رواه أحمد ومسلم
(1)
.
وعن البراء بن عازب قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج
(2)
فلما قدمنا مكة قال: «اجعلوا حجكم عمرة» ، قال: فقال الناس: يا رسول الله
(3)
، قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال:«انظروا ما آمرُكم به فافعلوا» ، فردُّوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان
(4)
، فرأتِ الغضبَ في وجهه فقالت: من أغضَبك أغضبه الله؟ فقال: «وما لي لا أغضبُ، وأنا آمر بالأمر فلا أُتَّبَع» . رواه أحمد ــ: ثنا أبو بكر بن عياش ثنا أبو إسحاق عن البراء ــ، وابنُ ماجه
(5)
.
وقال
(6)
أبو داود
(7)
: ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج، ثنا يونس، عن
(1)
أحمد في «المسند» (11014). ومسلم (1247) واللفظ له.
(2)
«رواه أحمد
…
بالحج» ساقطة من ق.
(3)
«يا رسول الله» ليست في س.
(4)
«وهو غضبان» ساقطة من المطبوع.
(5)
أحمد (18523) وابن ماجه (2982). رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه أنه قال:«سماع أبي بكر من أبي إسحاق ليس بذاك القوي» . «العلل» (69). وقد صحَّ نحوه من حديث عائشة عند مسلم (1211/ 130)، وقد سبق.
(6)
الواو ساقطة من ق.
(7)
رقم (1797). وأخرجه النسائي (2745) أيضًا فقال: أخبرني أحمد بن محمد بن جعفر، قال: ثني يحيى بن معين
…
إلخ بنحوه.
أبي إسحاق
(1)
، عن البراء، قال: لما قدم عليٌّ من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجدتُ فاطمة قد لبست ثيابًا صبِيْغًا
(2)
، وقد نَضَحَتِ الظهر للبيت بنَضُوحٍ
(3)
، فقالت: ما لك
(4)
! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه فأحلُّوا
(5)
، قلت لها: إني أهللتُ بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: «كيف صنعتَ؟» قال: قلت: أهللتُ بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «فإني قد
(6)
سقتُ الهدي وقرنْتُ»، قال: فقال لي: «انحَرْ من البُدْن سبعًا وستين أو ستًّا وستين، وأمْسِكْ
(7)
لنفسك ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين، وأمسِكْ من كل بَدَنةٍ منها بَضْعَةً». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه
(8)
بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب، حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله، وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج
(1)
س: «بن أبي إسحاق» . ق: «ثنا أبو إسحاق» . ويونس هو ابن أبي إسحاق السبيعي يروي عن أبيه هذا الحديث. وما في ق صواب، ولكن الحديث عند أبي داود بـ «عن» ، ولذا أثبتناه.
(2)
في المطبوع: «صبغيا» ، تحريف. والصبيغ: الملوَّن.
(3)
في مصادر التخريج: «نضحت البيتَ بنضوح» . والمعنى: رشَّت البيتَ بنوعٍ من الطيب تفوح رائحته.
(4)
«ما لك» ساقطة من ق.
(5)
س: «فأحلنا» .
(6)
«قد» ساقطة من المطبوع.
(7)
س: «وانسك» .
(8)
«معه» ساقطة من المطبوع.
وعمرة، وأهلَّ الناس بهما، فلما قدِمْنا أمرَ الناسَ فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج. قال: ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بَدَناتٍ بيده قيامًا، وذبح بالمدينة كَبْشَين أملحينِ. رواه البخاري
(1)
.
وعن الربيع بن سَبْرة عن أبيه رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعُسْفان قال له سراقة بن مالك المُدْلِجي: يا رسول الله، اقضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما وُلِدوا اليوم، فقال:«إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم عمرةً، فإذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ، إلا من كان معه هديٌ» . رواه أبو داود
(2)
.
وعن سراقة بن مالك بن جُعْشُم رضي الله عنه قال: تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتَّعنا معه، فقلنا: ألنا خاصةً أم للأبد
(3)
؟ قال: «بل للأبد» . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه
(4)
.
وفي رواية: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «اقْضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما وُلِدوا اليوم،
(1)
رقم (1551، 1714).
(2)
رقم (1801) بإسناد حسن، وهو صحيح بالشواهد.
(3)
س: «أم لا» .
(4)
أحمد (17589، 17590) وابن ماجه (2977) من طريق طاوس عن سراقة، وفيه انقطاع فإن طاوسًا لم يسمع من سراقة، وقد أخرجه البخاري (2505) متصلًا من رواية طاوس، عن ابن عباس، أن سراقة قام فقال
…
إلخ.
ورواه النسائي (2807) ــ واللفظ له ــ من طريق عطاء بن أبي رباح عن سراقة، والمحفوظ كما في روايات «الصحيحين»: عن عطاء، عن جابر أن سراقة
…
إلخ. ثم إن قوله في هذه الرواية: «تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم» شاذ مخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلّ من إحرامه بعمرة.
ألعامنا أو للأبد؟ قال: «بل للأبد
(1)
، دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». رواه سعيد
(2)
.
وفي لفظ: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ عمرتَنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «لا
(3)
، بل للأبد، دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». رواه الدارقطني
(4)
، وقال: كلهم ثقات.
وعن طارق بن شهاب عن أبي موسى قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومي باليمن، فجئتُ وهو بالبطحاء، فقال:«بمَ أهللتَ؟» قلت: أهللتُ بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل معك من هَدْيٍ؟» قلت: لا، فأمرني فطفتُ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللتُ، فأتيتُ امرأة من قومي فمشطَتْني، أو غسلَتْ رأسي، فقدم عمر فقال:«إن نأخذْ بكتاب الله فإن الله يأمرنا بالتمام، قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وإن نأخذْ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه [ق 202] لم يحلَّ حتى نحر الهدي» . متفق عليه، وهذا لفظ البخاري
(5)
.
ولفظ مسلم
(6)
: «قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُنِيخٌ بالبطحاء، فقال: «بمَ أهللتَ؟» قال: قلت: أهللتُ بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «هل سقتَ من
(1)
ق: «للأبد الأبد» .
(2)
ورواه أيضًا الشافعي في «الأم» (3/ 314 - 315) ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (5/ 6) من حديث طاوس مرسلًا، وهو صحيح بشواهده.
(3)
«لا» ساقطة من المطبوع.
(4)
في «سننه» (2/ 283) من حديث جابر. وأصله متفق عليه بنحوه.
(5)
رقم (1559).
(6)
رقم (1221/ 155).
هدي؟» قلت: لا، قال: «فطُفْ
(1)
بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّ»، قال: فطفتُ
(2)
بالبيت وبالصفا والمروة
(3)
. ثم أتيت امرأة من قومي فمَشَطتْني، وغَسَلتْ رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل، فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس، من كنّا أفتيناه بشيء فليتَّئِدْ، فهذا أمير المؤمنين قادمٌ عليكم، فبِه فائتمُّوا. فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثتَ
(4)
في شأن النسك؟ فقال: إن نأخذْ بكتاب الله فإن الله عز وجل قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، وإن نأخذْ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلَّ حتى نحرَ الهدي.
وعن إبراهيم بن أبي موسى عن أبيه أنه كان يُفتي بالمتعة، فقال رجل: رُويدَك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فلقيَه بعدُ فسأله
(5)
، فقال عمر: قد علمتُ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه، ولكن كرهتُ أن يظلُّوا
(6)
مُعرِسين بهنّ في الأَراك
(7)
، ثم يروحون في الحج تقطُر رؤوسهم. رواه أحمد ومسلم
(8)
.
(1)
في المطبوع: «فطفت» ، خطأ.
(2)
في المطبوع: «فطف» ، خطأ.
(3)
«ثم حل
…
والمروة» ساقطة من ق.
(4)
س: «أحدث» . ق: «حدث» . والمثبت من صحيح مسلم.
(5)
ق: «فلقيته بعدُ فسألته» .
(6)
س والمطبوع: «يضلوا» تحريف.
(7)
موضع بعرفة قربَ نمرة.
(8)
أحمد (351) ومسلم (1222).
وفي روايةٍ لأحمد
(1)
: عن أبي بُردة عن أبي موسى أن عمر قال: هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني المتعة، ولكن
(2)
أخشى أن يُعرِسوا بهن تحت الأراك، ثم يروحوا بهن حجَّاجًا.
وعن غُنَيم بن قيس المازني قال: سألتُ سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج، فقال
(3)
: فعلناها وهذا يومئذٍ كافر بالعُرُشِ يعني بيوت مكة، يعني معاوية. رواه مسلم
(4)
.
ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون سعد إنما عنى العمرة في أشهر الحج في الجملة، وعنى عمرة القضية، لأن معاوية كان مسلمًا في حجة الوداع، ولم يكن بمكة
(5)
يومئذٍ كافر.
وعن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه سمع سعد بن أبي وقّاص والضحاك بن قيس عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما
(6)
يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت ابنَ أخي
(7)
، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك، فقال
(8)
سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. رواه
(1)
رقم (342).
(2)
ق: «لكن» .
(3)
س: «قال» .
(4)
رقم (1225).
(5)
«بمكة» ساقطة من ق.
(6)
«وهما» ليست في ق.
(7)
في المطبوع: «يا ابن أخي» خلاف النسختين.
(8)
ق: «قال» .
مالك وأحمد
(1)
والنسائي والترمذي
(2)
، وقال: حديث صحيح.
وعن مطرِّف عن عمران بن حُصَين رضي الله عنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل قرآنٌ يُحرِّمه، ولم ينْهَ عنها حتى مات. متفق عليه
(3)
.
ولمسلم
(4)
: «تمتَّع النبي صلى الله عليه وسلم وتمتعنَّا معه» .
وله
(5)
: «نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تنزل آية تنسخ آية المتعة
(6)
، ولم ينْهَ عنها حتى مات».
وفي رواية لأحمد ومسلم
(7)
عن مطرِّف قال: قال لي عمران بن حصين: أحدِّثك بحديثٍ عسى الله أن ينفعك به. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين
(1)
«وأحمد» ليست في س.
(2)
مالك (1/ 344) وأحمد (1503) والنسائي (2734) والترمذي (823). وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد، إلا أن قوله:«صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم» مخالف لِما في الرواية الثابتة عن سعد عند مسلم ــ وقد سبقت آنفًا ــ بلفظ: «فعلناها» ليس فيها ذكر فعل النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (5/ 17). ولو حُمِلَ على معنى المتعة العام الذي يدخل فيه القِران فلا إشكال. وسيأتي هذا عند المؤلف (ص 324).
(3)
أخرجه البخاري (4518) ومسلم (1226/ 172) من طريق أبي رجاء عن عمران، وهذا لفظ البخاري.
(4)
رقم (1226/ 171) من طريق مطرف عن عمران.
(5)
رقم (1226/ 172).
(6)
«وأمرنا
…
المتعة» ساقطة من المطبوع.
(7)
أحمد في «المسند» (19833) ومسلم (1226/ 167).
حجة وعمرة، ثم لم ينْهَ عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يُحرِّمه. قال فيها رجلٌ برأيه ما شاء، وقد كان يُسلَّم عليَّ حتى اكتويتُ، فتُرِكْتُ، ثم تَركْتُ الكيَّ فعاد.
وفي رواية صحيحة لأحمد
(1)
: اعلَمْ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعْمرَ
(2)
طائفةً من أهله في العشر، فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم يَنْهَ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى لوجهه، ارتأى كلُّ امرئ بعدُ ما شاء أن يَرْتَئي.
وعن عبد الله بن شَقِيق أن عليًّا كان يأمر
(3)
بالمتعة، وعثمان ينهى عنها، فقال عثمان كلمة، فقال علي: لقد علمتَ أنّا تمتَّعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عثمان: أجلْ ولكنا كنّا خائفين. رواه أحمد ومسلم
(4)
.
وعن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان وعليًّا بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يُجمَع بينهما، فلما رأى ذلك عليٌّ أهلَّ بهما «لبيك بعمرة وحجة» ، فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله؟ قال: ما كنتُ لِأَدعَ سنةَ النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحدٍ. رواه أحمد والبخاري
(5)
، وفي لفظٍ:«ولكن سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُلبِّي بهما جميعًا» . رواه سعيد في «سننه» بإسناد صحيح
(6)
.
(1)
في «المسند» (19895). وأخرجها أيضًا مسلم (1226/ 165).
(2)
س: «اعتمر» .
(3)
ق: «يأمرنا» .
(4)
أحمد (431، 432، 756) ومسلم (1223).
(5)
أحمد (1139) والبخاري (1563).
(6)
وكذا النسائي (2722).
وعن سعيد بن المسيّب قال: اختلف علي وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تُرِيد إلى
(1)
أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2)
؟ فلما رأى ذلك علي أهلَّ بهما جميعًا. متفق عليه، وهذا لفظ البخاري
(3)
.
ولمسلم
(4)
: «اجتمع علي وعثمان بعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمرٍ فعلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعْنا منك
(5)
، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَك، فلما رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا».
وفي رواية لأحمد
(6)
عن سعيد قال: خرج عثمان حاجًّا، حتى إذا كان ببعض الطريق [ق 203] قيل لعلي رضي الله عنه: إنه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال علي لأصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا، فأهلَّ علي وأصحابه بعمرة، فلم يكلّم عثمان في ذلك، فقال له علي: ألم أُخْبَر أنك نهيتَ عن التمتع؟ قال: فقال: بلى، قال: فلم تسمَعْ رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتَّع؟ قال: بلى.
وعن عبد الله بن الزبير قال: والله إنا لمع عثمان بالجُحْفة، ومعه رهطٌ من أهل الشام فيهم حبيب بن مسلمة الفِهْري، إذ قال عثمان ــ وذُكِر له التمتع
(1)
كذا في س. وفي البخاري: «إلا» . وليست في ق.
(2)
بعدها في س: «قال» . وليست في البخاري.
(3)
رقم (1569).
(4)
رقم (1223).
(5)
س: «معك» .
(6)
رقم (402). وأخرجها أيضًا النسائي (2733).
بالعمرة إلى الحج ــ: إنَّ أتمَّ الحجِّ والعمرةِ أن لا يكونا في أشهر الحج، فلو أخَّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زَوْرَتين كان أفضل، فإن الله تعالى قد وسَّع في الخير. وعلي بن أبي طالب ببطن الوادي يَعْلِف بعيرًا له، قال
(1)
: فبلغه الذي قال عثمان رضي الله عنهما، فأقبل حتى وقف على عثمان فقال: أعَمَدْتَ إلى سنةٍ سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخصةٍ رخَّص الله بها للعباد في كتابه تُضيِّق عليهم فيها وتنهى عنها، وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار؟! ثم أهلَّ بحجة وعمرة معًا، فأقبل عثمان على الناس فقال: وهل نهيتُ عنها؟ إني لم أَنْهَ عنها، إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخذ به، ومن شاء تركه. رواه أحمد
(2)
.
ومعنى قول عثمان رضي الله عنه أنا كنا [خائفين] على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّا كنا مشغولين بالجهاد عن إنشاء سفرةٍ أخرى للعمرة، لكون أكثر [أهل] الأرض كانوا كفّارًا، فأما اليوم فإن الناس
(3)
قد أَمِنُوا، فإفراد كل واحدٍ من النسكين بسفرةٍ هو الأفضل.
وقد روى سعيد
(4)
عن سلَّام
(5)
بن عمرو قال: شهدتُ عليًّا وعثمان
(1)
«قال» ليست في المطبوع.
(2)
رقم (707) بإسناد حسن.
(3)
س: «فالناس» .
(4)
وذكره ابن حزم في «المحلى» (7/ 75) عن ابن مهدي بإسناده إلى سلّام بن عمرو عن عثمان بنحوه مختصرًا. وسلام بن عمرو لم يوثقه معتبر، وأورده ابن حبان في «الثقات» .
(5)
ق: «إسلام» .
وهما يفتيان
(1)
فُتيا شتى؛ عليٌّ يأمر بالمتعة، وعثمان ينهى عنها، فقال عثمان لعلي: هل أنت مُنتهٍ؟ ثم قال: يا أيها الناس إن الله عز وجل قد أمَّنكم، ألا إن الحج التامّ من أهليكم، والعمرة التامّة من أهليكم.
ومثل هذا عن إبراهيم قال: إنما كانت المتعة إذ
(2)
كان الناس يَشْغَلُهم الجهاد عن الحج، فأما اليوم فقد أمَّن الله الساحةَ ونفى العدوَّ، فجرِّدوا. رواه سعيد
(3)
.
وعن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلةَ آتٍ من ربي عز وجل فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرة في حجة» . رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه
(4)
. وفي لفظٍ للبخاري
(5)
: «وقل: عمرة وحجة» . قال الوليد بن مسلم: يعني ذا الحليفة.
وهذا يحتمل أن يكون هو القِران كما فسَّره بعض الناس، ويحتمل أن يكون هو التمتع، كما جاء:«دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة»
(6)
، يعني بها المتعة.
(1)
س: «بعسفان» .
(2)
س: «إذا» .
(3)
ولم أقف عليه عند غيره.
(4)
أحمد (161)، والبخاري (1534، 2337)، وأبو داود (1800) وابن ماجه (2976).
(5)
رقم (7343). وقول الوليد بن مسلم في «المسند» (161).
(6)
وذلك في حديث ابن عباس عند مسلم وغيره، وقد سبق تخريجه.
وكذلك أم سلمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمرت الرجل أن يعتمر قبل أن يحج، واحتجت أم سلمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أهِلُّوا يا آلَ محمد بعمرة في حج»
(1)
. فعُلِم أن المعتمر في أشهر الحج قد أهلّ بعمرة في حجة.
وفي حديث سَبْرة بن معبد: «إن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرةً، فإذا قدِمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ، إلا من كان معه هدي»
(2)
.
وهذا لأن المتمتع إنما يريد الحج الأكبر، وله يسافر، وإليه يقصد، ويدخل في ضمن حجِّه عمرةٌ؛ ولهذا قال:«عمرة في حجة» . فعُلِم أنها عمرة تُفعَل في أثناء حجة، ولو كان ذلك القران لقال
(3)
: «حجة فيها عمرة» ؛ لأنه إنما يحرم بالحج، والعمرة تدخل بالنية فقط، وقوله:«عمرة وحجة» لا يخالف ذلك؛ لأن المتمتع بالعمرة إلى الحج أقربُ إلى أن يكون أتى بعمرة وحجة من القارن الذي لم يزد على عمل الحاج.
فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالمتعة، وأنهم تمتَّعوا معه، وأنها كانت آخر الأمرين، وأخبروا أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتَّع، لكن هل كانت متعة عمرةٍ أو متعة قرانٍ؟ هذا هو الذي وقع التردد فيه.
وكذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد؛ هل الأفضل في حقِّ من ساق الهدي أن يتمتَّع بعمرة، أو أن يَقرِن بينهما؟ فروي عنه أن القران أفضل بناءً على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا.
(1)
حديث صحيح، سبق تخريجه.
(2)
حديث حسن، سبق تخريجه.
(3)
ق: «لكان» .
وذكر ابن عبد البر
(1)
عنه أنه قال: لا شكَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، والتمتع أحب إليَّ، واحتج لاختياره التمتع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهديَ ولجعلتُها عمرة» .
ويُوضِّح هذا أنه قد رُوي أنه قرنَ مفسَّرًا، فروى بكر بن عبد الله المزني عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبِّي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدّثتُ بذلك ابن عمر، فقال: لبَّى بالحج وحده. فلقيتُ أنسًا فحدّثتُه، فقال أنس: ما تعدُّونا إلا صِبيانًا! سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا» . متفق عليه
(2)
. وهذا إخبار عن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد تقدَّم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء، حمد الله وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ الناس بهما. رواه البخاري
(3)
.
وعن يحيى بن أبي إسحاق
(4)
وعبد العزيز بن صُهيب وحُميد أنهم سمعوا أنسًا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ [ق 204] بهما: «لبيك عمرةً وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا» . رواه مسلم
(5)
.
(1)
في «الاستذكار» (11/ 133).
(2)
أخرجه مسلم (1232) بهذا اللفظ، والبخاري (4353) بمعناه.
(3)
رقم (1551).
(4)
س: «يحيى بن إسحاق» خطأ.
(5)
رقم (1251).
وعن أبي قُدامة قال: قلت لأنس بن مالك: بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلُّ؟ فقال: سمعته يقول سبع مرات
(1)
: «بعمرة وحجة، بعمرة وحجة» . رواه أحمد
(2)
.
وقد تقدم عن البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «[سقتُ الهدي] وقرنتُ
(3)
»، وهذا أيضًا صريح لا يعارضه ظاهر.
وقد تقدم عن علي وعثمان رضي الله عنهما أنهما أخبرا أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتَّع، وكذلك عن عمران بن حُصين، وفسَّروا التمتع بأنه جمع بين الحج والعمرة.
وعن سُراقة بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة» . قال: وقرنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. رواه أحمد
(4)
.
وعن الصُّبَيّ بن مَعبد قال: كنتُ رجلًا نصرانيًّا، فأسلمتُ، فأهللتُ بالحج والعمرة، فسمعني سلمان بن ربيعة وزيد بن صُوحان، وأنا أُهِلُّ بهما جميعًا بالقادسية، فقالا: لَهذا أضلُّ
(5)
من بعيره، فكأنما حُمِلَ عليَّ بكلمتهما جبلٌ، فقدِمتُ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخبرتُه، فأقبل
(1)
س: «يقول مرارًا» .
(2)
رقم (12448). وأبو قدامة الحنفي لم يوثّقه معتبر وأورده ابن حبان في «الثقات» ، ولكن الحديث يثبت بالروايات المتقدمة عن أنس.
(3)
في النسختين: «أو قرنت» ، والتصحيح من لفظ الحديث عند أبي داود (1797).
(4)
رقم (5443) وقال في «مجمع الزوائد» (3/ 235): «فيه داود بن يزيد الأودي، وهو ضعيف» . ومعناه ثابت في أحاديث أخرى صحيحة.
(5)
س: «أحل» . وفي هامشها: لعله أجهل. وكلاهما تحريف.
عليهما فلامهما، ثم أقبل عليَّ فقال: هُدِيتَ لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. رواه الخمسة إلا الترمذي
(1)
، وقال الدارقطني: هو حديث صحيح.
وعن ابن عباس قال: أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة. رواه أحمد وابن ماجه
(2)
، وفيه حجاج بن أرطاة.
وعن أبي قتادة قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة؛ لأنه علم أنه ليس بحاجٍّ بعدَها. رواه الدارقطني
(3)
.
وكلُّ من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتَّع فإنه لا يخالف هذا، فإن الروايات قد اتفقت على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَحِلَّ من إحرامه لأجل الهدْي الذي ساقه؛ فعُلِم أنه ليس المقصود بذلك أنه حلَّ من إحرامه.
والمتعة اسم جامع للعمرة في أشهر الحج، فمن اعتمر في أشهر الحج قبل حجته أو مع حجته فإنه يسمَّى متمتعًا، كما تقدم ذكره في هذه الأحاديث
(1)
رواه أحمد (83، 169، 227، 254) وأبو داود (1799) والنسائي (2719 - 2721)، وابن ماجه (2970) من طرق عن شقيق بن سلمة عن الصُبَي بن معبد. والحديث صححه ابن خزيمة (3069) وابن حبان (3910) والدارقطني في «العلل» (192).
(2)
أحمد (16346/ 1) وابن ماجه (2971)، وحجاج بن أرطاة فيه لين، ولكن للحديث طريق آخر من رواية أنس عن أبي طلحة عند الطبراني في «الكبير» (4706)، وفيه ضعف أيضًا. والحديث صحيح بشواهده.
(3)
في «سننه» (2/ 288) والحاكم (1/ 472) عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» . وروي عن عبد الله بن أبي قتادة مُرسلًا كما في «جزء حديث ابن عيينة» لزكريا المروزي (27). ورجّح هذه الرواية المرسلةَ ابنُ عدي في «الكامل» (7/ 274) والدارقطني في «العلل» (1030).
وغيرها؛ لأنه ترفَّه بسقوط أحد السفرين؛ ولهذا وجب الدم عليهما، فيُحْمل قول من روى أنه تمتَّع على تمتُّع القران، فإن كل قارنٍ متمتعٌ.
وأما المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يَحِلَّ من إحرام العمرة حتى أهلّ بالحج، فإن من أصحابنا من يقول: هذا قارنٌ؛ لأنه جمع بين النُّسكين بإحلال وإحرام، لكن طاف للعمرة أولًا وسعى، ثم أحرم بالحج. وأكثر أصحابنا يجعلون هذا متمتعًا، وهو المنصوص عن أحمد، فيجوز أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا بهذا الاعتبار. ولو سُمِّي المتمتع قارنًا لأنه جمع بين النسكين في أشهر الحج، لكن المتمتع يطوف أولًا ويسعى لعمرته، والقارن يطوف أولًا لعمرته وحجته، ثم يطوف ويسعى.
والرواية الثانية:
…
(1)
.
فإن قيل
(2)
: أما ما ذكرتم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال والمتعة فهذا حق، لكن هذا هو فسخُ الحج إلى العمرة، وهذا الفسخ كان خاصًّا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الفسخ خاصًّا لهم، والمتعة إنما حصلت بالفسخ، فتكون تلك المتعة المستحبة في حقهم خاصةً لهم، فلا يتعدَّى حكمُها إلى غيرهم.
والدليل على أن الفسخ خاصٌّ لهم أن الله أمر في كتابه بإتمام الحج والعمرة بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، ومن فسخَ الحجَّ إلى العمرة فلم
(3)
يُتِمَّه، وهذا معنى ما ذكره عمر رضي الله عنه حيث قال: «إن
(1)
بياض في النسختين.
(2)
سيأتي جواب الشرط بعد ثمان صفحات (ص 333).
(3)
في المطبوع: «لم» .
نأخذْ بكتاب الله فإن الله يأمر
(1)
بإتمام الحج والعمرة»
(2)
، وهذا الخطاب عامٌّ، خرجوا هم منه بالسنة، فيبقى باقي الناس على العموم.
وأيضًا ما روى عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث
(3)
المزني عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، فسخُ الحج لنا خاصةً أم للناس عامة؟ قال:«بل لنا خاصة» . رواه الخمسة إلا الترمذي
(4)
، وفي رواية
(5)
: «أو لمن بعدنا؟» . وهذا نصٌّ منه صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا فلو لم تكن متعة الفسخ خاصةً بهم، بل كان حكمها عامًّا، لوجب أن يجب ذلك على الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، وغضِبَ إذ لم يطيعوه، ومعلوم أنه لا يجب الفسخ، فعُلِم أن ذلك كان مختصًّا بهم.
وأيضًا فما روي عن إبراهيم التَّيمي
(6)
عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت المتعة في الحج
(7)
لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. رواه مسلم والنسائي
(1)
ق: «أمر» .
(2)
أخرجه البخاري (1559، 1724، 1795) ومسلم (1221).
(3)
«بن الحارث» ليست في ق.
(4)
رواه أحمد (15853) وأبو داود (1808) والنسائي (2808) وابن ماجه (2984). والحارث بن بلال مجهول، وحديثه هذا مخالف لما صحّ من إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لسُراقة حين سأل: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال «لا بل لأبد أبد» . وقد قال الإمام أحمد عن الحارث بأنه غير معروف، وأن حديثه هذا لا يصحّ. انظر:«مسائله ــ رواية عبد الله» (ص 204) و «رواية أبي داود» (ص 408)، وسينقل المؤلف كلام الإمام أحمد بنصه فيما بعد.
(5)
هي رواية أبي داود (1808). وأخرجها الدارقطني (2/ 241) أيضًا.
(6)
في المطبوع: «التميمي» ، تحريف.
(7)
«الحج» ليست في س.
وابن ماجه
(1)
.
وعن سُلَيم بن الأسود أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخَها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للرَّكْب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود
(2)
.
وعن يحيى بن سعيد الأنصاري: حدثني المرقَّع الأسدي
(3)
ــ وكان رجلًا مرضيًّا ــ أن أبا ذر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت رخصةً لنا ليست لأحدٍ بعدَنا. قال يحيى: وحقَّق ذلك عندنا أن أبا بكر وعمر وعثمان لم ينقضوا حجًّا لعمرة، ولم يُرخِّصوا لأحد، وكانوا هم أعلمَ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما فعل في حجه ذلك ممن سهَّل نقضَه. رواه الليث عنه
(4)
.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم
(5)
: المرقَّع شاعر من أهل الكوفة لم يلقَ أبا ذر
(6)
.
(1)
مسلم (1224) والنسائي (2812) وابن ماجه (2985).
(2)
رقم (1807).
(3)
كذا في النسختين و «التاريخ الكبير» (8/ 58). والصواب: «الأسيِّدي» كما في «الجرح والتعديل» (8/ 418) و «الثقات» (5/ 460) و «الإكمال» (7/ 235). والدليل على ذلك أنه تميمي، وأُسيِّد بطن من تميم يقال له: أسيِّد بن عمرو بن تميم.
(4)
أخرجه البيهقي في «الكبرى» (5/ 41). وأخرجه أبو عُبيد في «الناسخ والمنسوخ» (319) والحميدي (132) والطحاوي في «أحكام القرآن» (1288 - 1290) و «شرح معاني الآثار» (2/ 194) من طرق عن يحيى بن سعيد به مقتصرًا على قول أبي ذر.
(5)
كما في «التعليقة» (1/ 223).
(6)
ولكن تابعه يزيد بن شريك التيمي وسليم بن الأسود في رواية هذا الأثر عن أبي ذر.
وقد تقدم قول عمر: [ق 205]«إن الله يُحِلّ لرسوله ما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتِمُّوا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله» ، وقول عثمان لعليٍّ لما احتج عليه بفعل المتعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«كنّا خائفين» .
وعن عثمان أيضًا أنه
(1)
سئل عن متعة الحج فقال: كانت لنا وليست لكم. رواه سعيد
(2)
.
وأيضًا فإنه قد ثبت عن
(3)
عمر، وعثمان، ومعاوية، وابن الزبير، وغيرهم من الصحابة النهيُ عن المتعة وكراهتهم لها، كما تقدَّم بعضه.
وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن متعة الحج ومتعة النساء.
وعن أبي قِلابة قال: قال عمر رضي الله عنه: متعتانِ كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهى عنهما وأُعاقِب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. رواهما سعيد
(4)
.
(1)
في المطبوع: «أن» .
(2)
أخرجه من طريقه وطريق غيره الطحاويُّ في «أحكام القرآن» (1296، 1295). وفي إسناده معاوية بن إسحاق التيمي، وقد وهم في رواية هذا الأثر عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عثمان، وإنما الصواب: إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر، كما في رواية الثقات عند مسلم (1224) وغيره، وقد سبقت قريبًا. وانظر «العلل» الدارقطني (281).
(3)
في النسختين: «نهى» . وسيأتي الفاعل فيما بعدُ، فلعلها تصحيف «عن» .
(4)
في «سننه» : رواية سعيد برقم (854)، رواية أبي قلابة برقم (852، 853). وكلتاهما مرسلة، ولكن ثبت نحو ذلك متصلًا من حديث جابر عن عمر عند مسلم (1217) وغيره، إلا أن فيه ذكر المعاقبة على متعة النساء فقط دون متعة الحج، وهو الصحيح.
ومعلوم أن التمتع بالعمرة إلى الحج لا يُكْره
(1)
بالاتفاق، فيجب أن يُحمل نهيهم على متعة الفسخ، والرخصة على المتعة المبتدأة؛ توفيقًا بين أقاويلهم، ولولا علمهم بأن ذلك خاص للرَّكْب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يُقدِموا على تغيير حكم الشريعة، ولم يطاوِعْهم المسلمون على ذلك، ولا يجوز لمسلم أن يظن بهم ذلك.
وإن كانوا قد نهوا عن جميع أنواع المتعة نهيَ تنزيهٍ، أو نهيَ اختيارٍ للأَولى، فيعلم أنهم اعتقدوا أن الإفراد أفضل؛ ولهذا إنما كانت المنازعة في جواز التمتع لا في
(2)
فضله، ويجعلونها رخصةً للبعيد عن مكة.
وأيضًا فإنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون التمتع بالعمرة إلى الحج من أفجر الفجور، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج إلى العمرة؛ ليبيِّن جواز العمرة في أشهر الحج، وقد حصل معرفة ذلك وعُلِم، فلا حاجة إلى الخروج عن عقد لازم، أو أنه أذنَ لهم في الفسخ لأنه لم يكن يعلم أولًا جواز العمرة قبل الحج.
والذي يبيِّن أن الإفراد أفضل من متعتي القران والعمرة المبتدأة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، بدليل ما روى القاسم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. رواه الجماعة إلا البخاري، وقد تقدم عنها في المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج وأهلَّ به ناس معه، وأن ناسًا أهلُّوا بعمرة
(3)
، وناسًا أهلُّوا بالحج والعمرة.
(1)
ق: «لا يلزمه» ، خطأ.
(2)
«في» ليست في س.
(3)
ق: «بالعمرة» .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردًا، وفي لفظ:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج مفردًا» . رواهما مسلم
(1)
.
وعن زيد بن أسلم قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن حج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أفْرَدَ الحج، فلما كان العام
(2)
المقبل أتاه فسأله عنه
(3)
، فقال: أليس قد أعلمتُك عامَ أولَ أنه أفرد الحج؟ قال: أتانا أنس بن مالك، فأخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرنَ، فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يتولَّج على النساء وهنّ منكشفاتٌ لا يستترنَ لصغره، وكنت أنا تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يَسيل عليَّ لعابُها. رواه
…
(4)
.
وعن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما
…
(5)
.
وتقدم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج، فقدِمَ لأربعٍ مضينَ من ذي الحجة، فصلّى الصبح، وقال لما صلّى الصبح: «من شاء أن يجعلها
(1)
رقم (1231).
(2)
س: «من العام» .
(3)
«عنه» ليست في س.
(4)
بياض في النسختين. وقد رواه الطبراني في «مسند الشاميين» (274)، وابن جُمَيع الصَّيداوي في «معجم شيوخه» (229)، والبيهقي في «الكبرى» (5/ 9) من طُرق عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن زيد بن أسلم، بنحوه. وهو إسناد صحيح، إلا أن ابن حزم نقد متنه وأنكر أن يكون ابن عمر قال ذلك؛ أوّلًا: لأنه هو نفسه روي عنه ما يوافق قول أنس، وثانيًا: أنه لا يكبر أنسًا إلا بعام واحد فقط، فكيف يستصغره؟! انظر «حجة الوداع» لابن حزم (ص 689 - 697) ط. التركماني.
(5)
بياض في النسختين. وانظر تمام الحديث في «التعليقة» (1/ 233، 234). وقد أخرجه الدارقطني (2/ 239).
عمرة فليجعلها عمرة». رواه مسلم
(1)
.
وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. رواه ابن ماجه
(2)
. وفي حديثه المتفق عليه
(3)
: «أهلَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحج» . وجابر من أحسن الناس سياقًا لحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول
(4)
: «لسنا نَنْوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة» . وإذا ثبت أنه أهلَّ بالحج، فيجب أن تُحمل رواية من روى أنه تمتَّع: على أنه أمر به أصحابه لما أمرهم بالفسخ وهو لم يفسخ، وما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل مما فعله غيره، لا سيما فيما لا
(5)
يتكرر منه؛ فما كان الله ليؤثِرَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم إلا بأفضل السبل والشرائع.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها متعةً» إنما قال ذلك لما رآهم قد كرهوا المتعة، فأحبَّ موافقتهم، وإن كان ما معه أفضل. وقد يُؤثِرُ المفضولَ إذا كان فيه اتفاق القلوب، كما
(1)
رقم (1240).
(2)
رقم (2966) من طريق الدراوردي وحاتم بن إسماعيل، عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن جابر. والظاهر أن هذا لفظ الدراوردي دون حاتم، فإن المحفوظ في حديث جابر من رواية حاتم ــ كما عند مسلم وغيره ــ أنه لم يذكر هذه اللفظة، وإنما فيه حكاية جابر عن نفسه والصحابة:«لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة» ، وبنحوه رواه غيره من الثقات عن جعفر به، لا يذكرون هذه اللفظة. والدراوردي متكلّم في حفظه، فتفرُّده بهذه اللفظة في حديث جعفر عن أبيه عن جابر يعدُّ منكرًا. وانظر «حجة الوداع» لابن حزم (ص 713).
(3)
البخاري (1651، 1785) ومسلم (1216). واللفظ للبخاري.
(4)
في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم (1218).
(5)
«لا» ليست في ق.
قال: «لولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية لنقضتُ الكعبة» الحديث
(1)
. فترك ما كان يحبُّه تسكينًا للقلوب، وقد كان يَدَع العمل وهو يحبُّ أن يعمل به
(2)
، خشيةَ أن يعمل به الناس فيُفْرَض عليهم فِعْلُهم
(3)
.
ويبيِّن ذلك ما روى
…
(4)
.
ويقرِّر ذلك أن الخلفاء الراشدين بعده أفردوا الحج، وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا إلى ما عمل
(5)
به الخلفاء الراشدون؛ فروى أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدِمَ أنه توضأ، ثم طاف
(6)
بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججتُ مع أبي الزبير
(7)
بن العوام، [ق 206] فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة
(8)
، ثم آخر من رأيتُ فَعَلَ ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة،
(1)
أخرجه البخاري (126، 1585 ومواضع أخرى) ومسلم (1333) من حديث عائشة.
(2)
«به» ليست في س.
(3)
في النسختين: «فعلم» . ولعل الصواب ما أثبته.
(4)
بياض في النسختين.
(5)
س: «يعمل» .
(6)
ق: «فطاف» .
(7)
س: «ابن الزبير» .
(8)
«ثم حج أبو بكر
…
عمرة» ساقطة من ق.
وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حتى يضعوا
(1)
أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلّون، وقد رأيتُ أمي وخالتي حين تَقْدَمانِ لا تبتدئان بشيء أولَ من البيت تطوفان به، ثم لا تحلّان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلَّت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلُّوا. رواه البخاري
(2)
.
وأيضًا فإن المتعة تفتقر إلى دم، فإن كان دمَ جُبرانٍ فالنسك التامّ الذي
(3)
لا يفتقر إلى جَبْرٍ أفضلُ مما يُجْبر، بدليل حجتين
(4)
أو عمرتين قد جُبِر إحداهما بدم، وتمَّ الآخر بنفسه. وإن كان دمَ نسكٍ فمعلوم أنه إنما وجب لِمَا سقط عن المتمتع من أحد السفرين وهو نسك، وإذا دار الأمر بين نسك الفعل ونسك الذبح، كان نسك الفعل أفضل، فإن فيه عبادة بدنية ومالية؛ ولهذا عامة الدماء لا تُشْرَع إلا عند عَوَزِ الأعمال.
وأيضًا فإن المفرِد يأتي بالإحرام تامًّا كاملًا من حين يُهِلُّ من الميقات ثم يأتي بالعمرة كاملة، فيفعل كل
(5)
ما يفعله المتمتع وزيادة، ويستوعب الزمان بالإحرام.
وأيضًا فإن المتعة في الأصل رخصة، والعزائم أفضل من الرُّخَص.
قلنا
(6)
: أما قولهم: فسخُ الحج كان مختصًّا بهم، والتمتع إنما كان
(1)
ق: «حين يضعون» .
(2)
رقم (1641، 1642).
(3)
«الذي» ليست في س.
(4)
س: «حجين» .
(5)
«كل» ساقطة من ق.
(6)
جواب «فإن قيل» قبل ثمان صفحات (ص 325).
بالفسخ، فعنه أجوبة:
أحدها: أن الفسخ حكم ثابت في حق جميع الأمة كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فمتعتُه كذلك. ولهذا مذهبُ أحمد وأصحابه أن المستحبّ لمن أحرم بحج مفرد، أو بعمرة وحج، أو أحرم
(1)
إحرامًا مطلقًا، أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان= أن يفسخوا الحج إلى العمرة ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج امتثالًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعةً له، وإن كان بعض العلماء لا يجيزه
(2)
فليس لأحدٍ مع السنة كلام، ولا يُشرَع الاحتراز من اختلافٍ يفضي إلى ترك ما نَدَبتْ إليه السنة؛ كما استحببنا التطيُّب قبل الإحرام وبعد الإحلال الأول اتباعًا للسنة، وفي جوازه من الخلاف ما قد عُلِم، وكما استحببنا
(3)
التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة، وفي كراهته من الخلاف ما قد عُلِم، ونظائره كثيرة.
الثاني: أن أمرهم بالمتعة تضمَّن شيئين:
أحدهما: جواز الفسخ.
والثاني: استحباب التمتع واختياره.
فإذا بطل أحدهما لم يبطُل الآخر، وهذا لأنه لو لم تكن المتعة أفضل من غيرها لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار لأصحابه ما غيره أفضل منه، وحضَّهم على ذلك، والتزم لأجله فسخَ الحج، وبيَّن أنه إنما منعه من التحلل معهم سَوْقُ هدْيِه، ولا يجوز أن يُعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يختار لهم ما غيره أفضل منه.
(1)
في المطبوع: «وأحرم» ، خلاف النسختين.
(2)
ق: «لا يختاره» .
(3)
ق: «قد استحببنا» .
الثالث: أن في حديث عائشة المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحبَّ أن يهلّ بعمرة فليهلّ، ومن أحبَّ أن يهلّ بحج فليهلّ، فلولا أني أهديتُ لأهللتُ بعمرة»
(1)
. وهذا نصٌّ في أن الإهلال بالعمرة لغير المُهدِي أفضل، وقال أيضًا
…
(2)
.
الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم قال في آخر الأمر بمكة: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتها عمرة» ، وفي لفظ:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأحللتُ»
(3)
. فبيَّن أنه صلى الله عليه وسلم لو كان ذلك الوقت مستقبلًا للإحرام الذي استدبره لأحرم بعمرة إذا لم يكن معه هدي، وهو لا يتأسف إلا
(4)
على فوات الأفضل. فعُلِم أن من لم يَسُقِ الهدي فإن الأفضل له العمرة.
وأما قولهم: إنما تأسَّف على الموافقة.
قلنا: في الحديث ما يردُّ هذا، فإنه قال
(5)
فرأى أن الفضل في الإحلال. هكذا في حديث جابر
(6)
، ثم ذلك في سَوْق الهدي، أي: لو استقبلتُ من أمري ما سقتُ الهدي موافقةً لكم، وإن كان سَوْق الهدي أفضل، لكن إذا لم يسق الهدي فقد بيَّن أنه يحلُّ من إحرامه ويجعلها عمرة، مع أنه لا ضرورة
(1)
أخرجه البخاري (1783، 1786) ومسلم (1211/ 116).
(2)
بياض في النسختين.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
«إلا» ساقطة من س.
(5)
أي قال الكلام المذكور «لو استقبلت من أمري
…
».
(6)
الذي سبق تخريجه.
إلى هذا، فلو كان هذا مفضولًا مع ترك سَوْق الهدي لكان قد اختار لنفسه ولأصحابه ما غيره أفضل منه، وذلك غير جائز.
والدليل على أن فسخ الحج إلى العمرة جائز، وأنه هو الأفضل من المقام على الحج لمن يريد أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة= هذه الأحاديث الصِّحاح الصِّراح
(1)
التي ذكرناها، مع ما احتج به ابن عباس من ظاهر القرآن.
قال أحمد في رواية عبد الله
(2)
: كان ابن عباس يختار المتعة من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه بالإحلال، وقال: ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: قلت له: من أين كان
(3)
ابن عباس أخذ أنه من
(4)
طاف بالبيت فقد
(5)
حلَّ؟ قال: من قول الله عز وجل: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33]، ومن أَمْرِ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يحلُّوا في حجة [ق 207] الوداع.
فكأن ابن عباس رأى أن الشعائر اسم يجمع مواضع النسك، كما قال تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، وقال:{الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، ويعمُّ الأفعال التي يفعلها الناسك، ويعمُّ الهدايا التي تُهدى إلى البيت. وبيَّن أن محلّ
…
(6)
.
(1)
ق: «الصرائح» .
(2)
ليس في رواية عبد الله، بل في رواية أبي داود (ص 143).
(3)
«كان» ليست في ق.
(4)
ق: «إذا» .
(5)
«فقد» ليست في ق.
(6)
بياض في النسختين.
وأما قوله: إن الفسخ لا يجوز إلا لذلك الوفد
(1)
خاصةً، فغير صحيح لوجوه:
أحدها: أن ما ثبت في حق الواحد من الأحكام ثبت في حق جميع الأمة، وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من دين الإسلام، وحيث ما خصّ الواحد بحكم، فلا بدّ أن يكون اختصاصه بذلك الحكم لعلةٍ اختصّ بها، لو وُجِدت في غيره لكان حكمه حكمه، ولا بدّ من دليل على التخصيص، كما قال لأبي بُردة بن نِيَار في الأضحية:«تَجزِيك ولا تَجزِيْ عن أحدٍ بعدك»
(2)
؛ لأنه كان قد
(3)
ذبح قبل أن يسنّ وقت الأضحية، وكما خصّ سالمًا مولى أبي حذيفة بأن يرتضع
(4)
كبيرًا؛ لأنه قد تُبنِّي قبل أن يحرِّم الله
(5)
سبحانه أن يُدعى الرجل لغير أبيه
(6)
.
ثم إن التخصيص يكون لواحدٍ، وهنا أمرَ جميعَ من حجَّ معه بالتحلل، وقد أمر مَن بعدهم بالاقتداء بهم، فلو كانوا مخصوصين بذلك لوجب بيانه
(1)
س: «الركب» . وفي هامشها التصحيح.
(2)
أخرجه البخاري (955، 965 ومواضع أخرى) ومسلم (1961) من حديث البراء بن عازب. والرواية هكذا «تَجزي» في جميع الطرق. وهي مثل قوله تعالى: {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} . وفي المطبوع: «تجزؤ» ، خطأ.
(3)
ق: «قد كان» .
(4)
س: «يرضع» .
(5)
سقطت كلمة الجلالة من المطبوع.
(6)
انظر «الموطأ» (2/ 605، 606). وقصة رضاعته أخرجها مسلم (1453) من حديث عائشة. وعند البخاري (4000، 5088) طرف منها.
وإظهار ذلك وإشاعته، وإلا فلو ساغ دعوى مثل هذا لساغ أن يُدَّعى اختصاصُهم بكثير من الأحكام، وحينئذٍ ينقطع اتباع غيرهم له
(1)
وإلحاقهم به، وفي هذا تعطيل للشريعة، وما ذكروه من مستند التخصيص سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى
(2)
.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن بيانًا شافيًا أن هذه العمرة المتمتَّع
(3)
بها التي فسخَ الحجَّ إليها حكمٌ مؤبَّد إلى يوم القيامة؛ لِمَا أطلعه الله تعالى عليه أن سيكون قوم يدَّعون أن هذا
(4)
كان مخصوصًا بهم.
ففي صحيح مسلم
(5)
من حديث جابر: «حتى إذا كان آخر طوافٍ على المروة، قال: «لو أني
(6)
استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي وجعلتُها
(7)
عمرة، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحلّ وليجعلها عمرة». فقام سراقة بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّك رسول الله
(8)
صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج» مرتين، «لا بل لأبدِ أبدٍ» .
(1)
ق: «لهم» .
(2)
(3)
س: «المستمتع» .
(4)
في المطبوع: «هذه» خطأ.
(5)
رقم (1218).
(6)
«أني» ليست في ق.
(7)
ق: «ولجعلتها» .
(8)
س: «النبي» .
وفي رواية للبخاري
(1)
: «أن سُراقة بن مالك بن جُعْشم لقي النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: «لا
(2)
، بل للأبد».
وفي حديث ابن عباس: فأمرهم فجعلوها عمرة، ثم قال:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما فعلوا، لكن دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة» . ثم أنشبَ
(3)
أصابعَه بعضَها في بعضٍ
(4)
.
فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك الذي فعلوه ليس لهم خاصة، وإنما هو للأبد. ولا يجوز أن يقال: إنما أشار إلى العمرة قبل الحج، وهو التمتع، فبيَّن أن التمتع جائز إلى يوم القيامة، ولم يقصد الفسخ؛ لما روى ابن بطَّة في مسألةٍ أفردها في الفسخ
(5)
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن سراقة بن مالك
(6)
بن جُعشم سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيتَ ما أمرتَنا به من
(1)
ق: «البخاري» . وهي عنده برقم (7230).
(2)
«لا» ليست في ق.
(3)
في المطبوع: «أنشبت» ، وهو خلاف ما في النسختين والمسند.
(4)
أخرجه أحمد (2287)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، ولكن الحديث صحيح ثابت بمتابعاته وشواهده.
(5)
عزاه إليها القاضي أبو يعلي في «التعليقة» (1/ 224). ولم أقف عليه بهذا اللفظ في شيء من الصحاح والسنن والمسانيد، وإنما روي فيها بلفظ:«يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟» ونحوه، دون التصريح بالمسؤول عنه، وروي أيضًا مصرَّحًا بلفظ: «أرأيت مُتعتَنا هذه
…
» أو «عُمرتَنا هذه
…
»، وسيأتي قريبًا.
(6)
«بن مالك» ليست في ق.
المتعة وإحلالنا من حجّنا
(1)
، لنا خاصةً أو هو شيء للأبد؟ فقال:«بل هو للأبد» . وفي لفظ آخر: قال: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصةً أم للأبد؟ قال:«بل للأبد» .
وهذا نصٌّ في أن المراد فسخ الحج إلى عمرة التمتع، وأن حكم ذلك باقٍ إلى الأبد.
وروى أيضًا
(2)
عن طاوس قال: عليٌّ هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنَفْسَخُ لمدتنا هذه، أم للأبد
(3)
؟ قال: «للأبد» .
وعن طاوس قال له رجل: من سَنَتِنا هذه؟ قال: «لا، بل لأبدٍ»
(4)
.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى الذي فعلوه، والذي فعلوه أنهم قَدِمُوا ينْوُون الحج لا يعرفون العمرة، فقال لهم: «إذا طُفتم بالبيت وبين الصفا والمروة
(1)
«من حجنا» ساقطة من س.
(2)
أي ابن بطّة في «مسألته» ، وأورده أبو يعلي في «التعليقة» (1/ 224). وهو مرويٌّ أيضًا في «جزء حديث ابن جريج» (37) من رواية أبي الزبير عن طاوس. وهي رواية شاذة، خلط فيها أبو الزبير أو غيره بين أمرين ذكرهما طاوس في حديثه: الأول أن سراقة بن مالك سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟» ، والثاني أن عليًّا جاء من اليمن فسأله النبي صلى الله عليه وسلم:«بِمَ أهللتَ»
…
إلخ. هكذا رواه الثقات عن طاوس؛ فقد أخرجه البخاري (2505) من طريق ابن جريج عنه، عن ابن عباس مسندًا. وأخرجه الشافعي في «الأم» (3/ 314 - 315) من طريق عبد الله بن طاوس، وإبراهيم بن ميسرة، وهشام بن حُجير، ثلاثتهم عنه مُرسلًا.
(3)
ق: «لأبد» .
(4)
أورده أبو يعلي في «التعليقة» (1/ 224). ولم أجد من رواه هكذا بإبهام السائل، وإنما رواه الثقات عن طاوس مصرَّحًا أن السائل كان سراقة بن مالك.
فحلُّوا من إحرامكم، واجعلوها عمرةً
(1)
إلا من ساق الهدي». وسياق حديث جابر واضح في ذلك، والتمتُّع المحْض لم يجرِ له ذكرٌ ولا فعلَه عامَّتُهم، وإن كان قد فعله قليلٌ منهم، وقد قال له
(2)
سُراقةُ بن جُعشم: أرأيتَ عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «للأبد»
(3)
.
وقوله: «عمرتنا هذه» صريح في العمرة التي تحلَّلوا بها من حجهم.
وأيضًا فإنه لو كان هذا هو المقصود لبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولم يطلق الجواب إطلاقًا، بل قال: أما المتعة فجائزة، وأما الفسخ فخاص لنا؛ لأن السؤال وقع عما فعلوه، فلو كان مشتملًا على ما هو لذلك العام وللأبد لوجب تفصيل الجواب.
وأيضًا فقوله: «دخلتِ العمرةُ في الحج» مرّتين نصٌّ في أن الحج تدخل فيه العمرة إلى يوم القيامة، وهو يعمُّ الاعتمارَ قبل الحج، سواء كان نوى العمرة أولًا، أو نوى الحج ثمَّ
(4)
حلَّ
(5)
من إحرامه. ولا يجوز أن يقصد به القسم الأول فقط؛ لأن سبب الحديث هو القسم الثاني، وسبب اللفظ العام
(1)
«فقال لهم
…
عمرة» ساقطة من س.
(2)
«له» ليست في ق.
(3)
هكذا ورد سؤال سُراقة مصرَّحًا بلفظ: «عمرتنا هذه» عند أحمد (14116، 15163) وابن حبان (3919) من طريق أبي الزبير عن جابر، وعند النسائي (2805) وابن حبان (3791) من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر.
ورواه أبو داود (1787) وابن حبان (3921) بلفظ «مُتعتنا هذه» من طريق الأوزاعي عن عطاء عن جابر.
(4)
في النسختين: «أم» . ولعل الصواب ما أثبته.
(5)
س: «أحل» .
لا بدَّ أن يكون داخلًا فيه لا يجوز إخراجه منه، وظاهره أن كل حج يجوز أن يدخل فيه عمرة، سواء كان قد أحرم بها ابتداء، أو حلَّ من الحج بعمرة ثم أهلَّ بالحج. وليس المراد بذلك جواز فعل العمرة في أشهر الحج، سواء حج أو لم يحج؛ لأن قوله [ق 208] في الحج حقيقةٌ
(1)
في الفعل، ولاسيَّما وقد شبَّك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، واليدان كل واحدة منهما
(2)
من جنس الأخرى، فلا بدَّ أن يكون
(3)
الداخل من جنس المدخول فيه.
وأيضًا فقد قال سُراقة بن جُعشم هذا وهو بعُسْفان: اقْضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما وُلِدوا اليوم، فقال:«إن الله قد أدخلَ عليكم في حجِّكم عمرةً، فإذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ، إلا من كان معه الهدي»
(4)
. فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك الحج الذي حجُّوه قد أدخل الله تعالى عليهم فيه عمرة، وإنما ذلك بأن يحلّوا من الحج ويجعلوها عمرة، ثم بيَّن أن إدخال العمرة في الحج إلى يوم القيامة. فهذا نص قاطع لا خفاء به أن كل حاجٍّ له أن يُدخِل في حجه عمرة، سواء كان أحرم بها
(5)
من الميقات أو أحرم أولًا بالحج.
وأيضًا فإن كل من أمَّ هذا البيت يريد الوقوف بعرفة فهو حاجٌّ من حين يُحرِم من الميقات وإن أحرم أولًا بالعمرة، فإذا اعتمر في هذا الحج فقد أدخل في حجته عمرة، فلا مَعدلَ عن هذا الأمر الواضح البين.
(1)
ق: «حقيقته» .
(2)
«منهما» ليست في ق.
(3)
«يكون» ليست في س.
(4)
سبق تخريجه.
(5)
«بها» ساقطة من المطبوع.
وأيضًا فإنه إذا اعتمر في أشهر الحج وحج، فقد أدخل العمرة في الحج، وإن لم يحج في
(1)
ذلك العام فلم يدخلها.
وأيضًا فلو كان معناه جواز العمرة في أشهر الحج لكان هذا قد علموه قبل ذلك، حيث اعتمر في ذي القعدة ثلاث عُمَر
(2)
. وأيضًا
…
(3)
.
الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن فسخ الحج إلى العمرة ليس هو شيئًا خارجًا عن القياس، وتغيَّظ على من توقَّف فيه، وقد اعترضوا عليه بمثل ما يعترض به بعض
(4)
أهل زماننا، فالاعتراض عليه نَفْثةٌ من الشيطان في نفوس الناس.
قال جابر رضي الله عنه: فقال لهم: «أحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيت
(5)
وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمتم بها متعةً»، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقتُ الهدي لفعلتُ مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحلُّ مني حرامٌ حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا
(6)
.
وفي رواية مسلم
(7)
: فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ أمرنا
(1)
«في» ليست في س.
(2)
في المطبوع: «عمرات» . وهو خلاف النسختين.
(3)
بياض في ق.
(4)
«بعض» ليست في ق.
(5)
س: «بالطواف بالبيت» .
(6)
أخرجه البخاري (1568) ومسلم (1216/ 143).
(7)
رقم (1216/ 141). وهو في البخاري (7367) أيضًا.
أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تَقْطُر مذاكيرُنا المنيَّ. قال جابر: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فينا فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقُكم وأبرُّكم، ولولا هَدْيي
(1)
لأحللتُ كما تحلُّون، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، فحِلُّوا». فحللنا، وسمعنا وأطعنا.
وهذا كله يدلُّ على أن ذلك أمر حسن مباح في نفسه، وأنَّ توقُّفَ من توقَّف فيه خطأ عظيم؛ ولذلك تغيَّظ عليه كما تغيَّظ
(2)
على من توقَّف عن الإحلال في عمرة الحديبية
(3)
، وكما تغيَّظ على من تحرَّج عن القُبلة للصائم وقال: يُحِلُّ الله لرسوله ما شاء
(4)
، وكما تغيَّظ على من كره أن يصبح صائمًا وهو جُنُب
(5)
، وكما ترخَّصَ
(6)
في أشياء، فبلغه أن ناسًا
(7)
تحرَّجوا من ذلك، وفي كل ذلك يقول:«إني أخشاكم لله وأعلمُكم بما أتَّقِي»
(8)
. فتبيَّن
(1)
في المطبوع: «هدي» .
(2)
في المطبوع: «تغيض» تحريف. وهي ساقطة من س.
(3)
أخرجه البخاري (2731) من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة.
(4)
أخرجه مالك (1/ 291) عن عطاء بن يسار مُرسلًا. وقد وصله أحمد (23682) بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار بنحوه. وهو في «صحيح مسلم» (1108) من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه بنحوه، إلا أنه ليس فيه قوله:«يحل الله لرسوله ما شاء» ولا ذكر غضب النبي صلى الله عليه وسلم.
(5)
أخرجه مالك (1/ 289) ــ ومن طريقه أحمد (24385) وأبو داود (2389) ــ بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها. وهو في «صحيح مسلم» (1110) دون ذكر غضب النبي صلى الله عليه وسلم.
(6)
في المطبوع: «يرخص» .
(7)
ق: «أناسًا» .
(8)
ورد نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع: في حديث القبلة للصائم، وحديث الجنب يصبح صائمًا ــ وقد سبقا ــ، وحديث أنس المتفق عليه في قصة النفر الثلاثة الذين تقالّوا عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث جابر المتفق عليه في الإحلال بعمرة، وحديث عائشة عند أحمد (25893) في نهيه صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون عن الرهبانية.
بذلك أن هذا ليس مما يُتَّقَى ويُجتنب، ولم أفعله لخصوصٍ فيَّ. فلو كان البقاء على الإحرام هو الواجب في الأصل، وإنما وقعت الرخصة خاصة في وقت خاص= لم يتغيَّظ مثل هذا التغيُّظ.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الحجة: «لتأخذوا عنّي مناسككم» . رواه مسلم
(1)
من حديث جابر. ومعلوم أنهم إنما يأخذونها ليقتدوا به فيها، ويهتدوا بهديه، ويستنُّوا بسنته، فلو كانت تلك الحجة خارجة عن القياس، ومختصة بأولئك الرَّكْب، لم يجزْ أن يقال:«خذوا عني مناسككم» بل خذوا مناسككم
(2)
إلا في التحلل أو نحو ذلك.
الوجه الخامس: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفْتَوا بالفسخ بعده، ولو كان مختصًّا بذلك الركْب لم يخفَ ذلك عليهم، وقد تقدم ذكر ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عباس.
الوجه السادس: أنه لا موجبَ لاختصاصهم بها؛ وذلك لأنه
(3)
إن كان المقصود بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، فقد بيَّن هذا باعتماره في ذي القعدة هو وأصحابه عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، فهو لم يعتمر قطُّ إلا في أشهر الحج. وإن كان المقصود بيان العمرة قبل الحج
في أشهُره فهذا قد
(1)
حصل بقوله عند الميقات، وبفعْلِ بعض أصحابه وهم الذين أحرموا من الميقات بعمرة مثل عائشة، ونحوها، فإنه قد قال لهم عند الميقات:«من شاء أن يهلَّ بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهلّ بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهلّ بعمرة وحجة فليفعل»
(2)
. فأي بيانٍ لجواز العمرة قبل الحج أبينُ من هذا، وقد أحرم كثير منهم بالعمرة قبل الحج بإذنه؟
وأيضًا فإنه صلى الله عليه وسلم إمّا أن يكون قد عزم على أمرهم بالتمتع قبل الإحرام، أو في أثناء الطريق، فإن كان قد عزم عليه أولًا فلأيِّ شيء لم
(3)
يأمرهم أن [ق 209] يُحرِموا كلهم بالعمرة، ويترك هو سَوْقَ الهدي كما قد أسِفَ عليه، ويُرِيحهم من مؤونة الفسخ الذي هو على خلاف ظاهر القرآن على زعم من يقول ذلك؟ وإن كان عزم عليه في أثناء الإحرام
(4)
فلا بدَّ أن يكون قد بدا له ما لم يكن قد بدا له قبل ذلك، وهو لم يبدُ
(5)
له بيانُ جوازِ الاعتمار قبل ذلك، فإنه قد بيّن ذلك قبل هذا، فعُلِم أن الذي بدا له: جوازُ الإحلال من هذا الإحرام بعمرة، وأن يكونوا كلهم متمتعين، وأن الفضل في ذلك.
قال طاوس: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر القضاء في حجته، فلما قَدِمَ طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، فنزل عليه القضاء، فأمر من لم يكن معه
(1)
«قد» ليست في س.
(2)
أخرجه مسلم (1211/ 114) من حديث عائشة، وفيه قولها:«وكنت فيمن أهل بالعمرة» .
(3)
«لم» ليست في ق.
(4)
س: «الطريق» . وهي على الصواب في هامشها.
(5)
س: «يبده» .
هديٌ أن يحلّ، قال: فدخلت العمرة في الحج
(1)
. وفي لفظ: «أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أمر ربه، فلما كان بمكة أمر بالأمر» . رواه سعيد
(2)
. ومعناه أنه ينتظر هل يُتِمُّون ما أحرموا به أو يغيِّرونه؛ لأنه قد صح بالروايات المستفيضة أنهم أحرموا إما بعمرة، أو بحج، أو بعمرة وحج.
وأيضًا فلو كان المقصود بيان جواز العمرة في أشهر الحج لبيَّن ذلك بالكلام، كما بيَّن لهم كثيرًا من الأحكام.
الوجه السابع: لو كان الفسخ خارجًا عن مقتضى الكتاب وهو مختص بهم لم يفرق الحال بين من ساق الهدي ومن لم يسُقْه، حتى ينشأ من ذلك تردُّدُهم وتأسُّفُه على سَوْق الهدي، وموافقتهم. وقد بيَّن أن سائق الهدي لا يجوز له الفسخ؛ امتثالًا لقوله تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. فهلّا أمر الجميع بالإتمام امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] أيضًا، أو جوَّز تخصيصَ ذلك الركْب من حكم هاتين الآيتين لقصد بيان جواز العمرة قبل الحج في أشهره؟ فإن دلالة الآيتين على الحكم عند من يخالف في ذلك سواء. فلما أمر بالفسخ من لم يَسُقِ الهدي دون من ساق
(3)
، وبيَّن أن السَّوق يمنع الفسخ، عُلِم قطعًا أن الفسخ في نفسه أمر جائز مستحب، وأن لا مانع منه غير سَوْق الهدي. وهذا واضح لمن أنصف.
(1)
أخرجه الشافعي في الأم (3/ 314 - 315) ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» بإسناد صحيح عن طاوس مُرسلًا.
(2)
ليس فيما طبع من «سننه» ، ولم أقف عليه عند غيره.
(3)
ق: «ساقه» .
الوجه الثامن: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام الحج والعمرة لله قبل حجة الوداع بأربع سنين، فلا يخلو إما أن يكون الفسخ تركًا لإتمام الحج لله، فلا يكون أولئك الصحابة مخاطَبين بهذه الآية، ولا داخلين في حكمها، وهم المواجَهُون بالخطاب، المقصودون به قبل الناس كلهم، ثم كيف يجوز لمسلم أن يعتقد أنهم لم يُتِمِّوا الحج لله؟! وإن لم يكن الفاسخ تاركًا لإتمام الحج لله، بل هو متمٌّ له كما أمر الله تعالى به
(1)
، فلا فرق في هذا بين ناس وناس.
الوجه التاسع: أن الله تعالى قد أرخص لهم في المتعة بقوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196]. وقد نزل ذلك في سنة ست، وقد أحرم منهم نفرٌ بالعمرة كما في حديث جابر وعائشة، فكيف يقال: إن المسلمين كانوا لا يرون الاعتمار في أشهر الحج؟ نعم كان المشركون يرون ذلك، والمسلمون قد بيَّن الله تعالى لهم في كتابه وعلى لسان نبيه قبل حجة الوداع جوازَ الاعتمار في أشهر الحج، سواء حج في ذلك العام أو لم يحج، وقد فعلوا ذلك. فعُلِم أن توقُّفهم وتردُّدهم إنما كان في فسخ الحج إلى العمرة والإحلال من الإحرام لفضل التمتع لا لبيان جوازه.
العاشر: أن
…
(2)
.
وأما قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، فإن المتمتع مُتِمٌّ للحج والعمرة، سواء كان قد أهلَّ أولًا بالحج أو بالعمرة؛ وذلك لأنه إذا أهلَّ بالحج أولًا،
(1)
«به» ليست في س.
(2)
بياض في النسختين.
فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع
(1)
بها إلى الحج، وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيصير
(2)
مُدخِلًا للعمرة في حجه، وفاعلًا للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل
(3)
فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك.
وأما حديث الحارث بن بلال عن إسماعيل
(4)
، قال عبد الله
(5)
: قيل لأبي: حديث بلال بن الحارث؟ قال: لا أقول به
(6)
ولا نعرف هذا الرجل، ولم يروِه إلا الدراوردي.
وقال أيضًا
(7)
: حديث بلال عندي ليس يثبت؛ لأن الأحاديث التي تُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجعلوا حجكم عمرة، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» ، فحلّ الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أيضًا: هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، وإنما
(8)
يروى عن أبي ذر: إنما كانت المتعة لنا خاصةً، يعني متعة الحج.
وقال أيضًا في رواية الفضل وابن هانئ
(9)
: مَن الحارثُ بن بلال؟ ومن
(1)
س: «متمتع» .
(2)
س: «فيكون» .
(3)
«دخل» ليست في ق.
(4)
كذا في النسختين، والصواب:«عن أبيه» كما سبق، وكما في المسند وغيره.
(5)
في «مسائله» (ص 204). وفي س: «عبد» بحذف لفظ الجلالة.
(6)
«به» ليست في ق.
(7)
كما في «التعليقة» (1/ 222).
(8)
ق: «إنما» .
(9)
كما في «التعليقة» (1/ 222). وانظر «مسائل ابن هانئ» (1/ 148).
روى عنه؟ أبوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأما هو فلا
(1)
.
وقال في رواية الميموني
(2)
: أرأيتَ لو عُرِف الحارث بن بلال
(3)
، إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم[يروون ما يروون من الفسخ]، أين يقع بلال بن الحارث منهم؟
وقال
(4)
في رواية أبي داود
(5)
: ليس يصح حديثٌ في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر وصدْرٍ
(6)
من خلافة عمر.
فقد ضعَّف أحمد هذا الحديث لجهل الراوي، وأنه لا يعرف الحارث [ق 210] بن بلال، لا سيما وقد انفرد به الدراوردي عن ربيعة، ولم يَرْوِهِ عنه مثل مالك ونحوه. وتخصيصهم بهذا الحديث تركٌ للعمل بتلك الأحاديث المستفيضة، وهو مثل النسخ لها. ومثل هذا الإسناد لا يُبطِل حكم تلك
(7)
الأحاديث.
(1)
في المطبوع: «وهو فلا» .
(2)
كما في «التعليقة» (1/ 223).
(3)
كذا في النسختين و «المنتقى» للمجد (2/ 140). وفي «التعليقة» : «بلال بن الحارث» . وهو والد الحارث، روى عنه هذا الحديث. وما بين المعكوفتين من «التعليقة» و «المنتقى» .
(4)
«قال» ساقطة من المطبوع.
(5)
«مسائله» (ص 408). وذكرها أبو يعلى في «التعليقة» (1/ 223) بدون نسبتها إلى أبي داود.
(6)
ق: «وصدرًا» .
(7)
«تلك» ساقطة من المطبوع.
ثم بيَّن أحمد أنه يخالف تلك الأحاديث ويعارضها، وهو حديث شاذ؛ لأن الحديث الشاذ هو الذي يتضمَّن
(1)
خلاف
(2)
ما تضمَّنته الأحاديث المشهورة. فلو كان راويه معروفًا لوجب تقديمها عليه؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا حجكم عمرة» ، و «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» فعمَّ ولم يذكر أن هذا مختصٌّ بهم، ولو كان ذلك مخصوصًا بهم لوجب بيانه لهم
(3)
، ولم يؤخّر ذلك حتى سأله بلال بن الحارث.
وقد بيَّن لهم في الحديث الصحيح أن هذا ليس لهم خاصة، وإنما هو للناس عامة على ما ذكرناه، فدلالة تلك الأحاديث على عموم حكم الفسخ دليلٌ على ضعف هذا الحديث لو كان راويه معروفًا بالعدل
(4)
، ودليلٌ على أن هذا الحديث ليس بمضبوط ولا محفوظ. ولو كان هذا
(5)
صحيحًا لكان له من الظهور والشّياع ما لا خفاء به، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّنه بيانًا عاما.
وذلك لأن ما ثبت في حق بعض الأمة من الأحكام ثبت في حق الجميع، لا سيما في مثل ذلك المشهد العظيم الذي يقول فيه:«لتأخذوا عني مناسككم» ، فلو كانوا مخصوصين بذلك الحكم لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيِّن ذلك ابتداءً، كما بيَّن حكم الأضحية لما سأله أبو بُردة بن نِيَار
(6)
عن
(1)
ق: «تضمن» .
(2)
«خلاف» ليست في ق.
(3)
«لهم» ليست في س.
(4)
ق: «بالمعدل» .
(5)
«هذا» ليست في ق.
(6)
«بن نيار» ليست في ق.
التضحية
(1)
بالجَذَع، فقال:«تَجْزِي عنك ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك»
(2)
، فلو كان الفسخ خاصًّا لهم لقال:«إذا طفتم بالبيت وبين الصفا والمروة فحلُّوا، وليس ذلك لغيركم» ، ولم يؤخِّر بيان ذلك إلى أن يسأله بلال بن الحارث؛ فإنه بتقدير أن لا يسأله بلال كان التلبيس واقعًا. وهذا بخلاف قوله لسراقة لما سأله: أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل
(3)
لأبد الأبد». فإن هذا الحكم كان معلومًا بنفس فعْلِه، وإنما أجاب السائل توكيدًا. ولما كانت هذه الأحاديث مقتضية لعموم الحكم وثبوته في حق جميع
(4)
الأمة عارض أحمد بينها وبين حديث بلال بن الحارث، وحكم بشذوذه لما انفرد بما يخالف الأحاديث المشاهير.
والذي يبيِّن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم الذين حدَّثوا بتلك الأحاديث
(5)
إنما ذكروها لتعليم السنة، وبيانها، واتباعها، والأخذ بها، لم يكن قصدهم مجرد القصص. ولو كان الحكم مخصوصًا بهم لم يجزْ أن يرووها رواية مرسلة حتى يبيِّنوا اختصاصهم بها، فكيف إذا ذكروها لتعليم السنة؟! وهذا دليل على أنهم علموا أن هذه السنة ماضية فيهم وفيمن بعدهم، فلا يُردُّ هذا بحديث من لم يخبر قوة ضبطه وتيقظه، وتُدفع هذه السنن المشهورة المتواترة براوية غير معروف.
(1)
في المطبوع: «الأضحية» ، وهو خلاف ما في النسختين.
(2)
سبق تخريجه. وفي المطبوع: «تجزؤ» ، خطأ.
(3)
«بل» ليست في س.
(4)
«جميع» ساقطة من المطبوع.
(5)
«الأحاديث» ساقطة من المطبوع.
وقد تأوَّل بعض أصحابنا
(1)
ذلك على أن المراد به هو لنا خاصة من بين من ساق الهدي؛ لأن من ساق الهدي لم يكن يجوز له الفسخ، إلا لنفرٍ مخصوص.
وهذا تأويل ساقط؛ لأن سائقي
(2)
الهدي لم يحلَّ أحد منهم، ولم يكن يجوز لهم ذلك، ولكن يُشبِه ــ والله أعلم ــ إن كان لهذا الحديث أصل، وهو محفوظ، ولم ينقلب على رواية النفي بالإثبات، فإن غيره ممن هو أحفظ منه بيَّن أنه ليس لنا خاصة، وهو يقول:«لنا خاصة» ، فإن كان قد حفظ ذلك فمعناه: أن الفسخ كان واجبًا عليهم متحتمًا، لأمْرِ النبي صلى الله عليه وسلم لهم
(3)
به، وتغيُّظِه
(4)
عليهم حيث لم يفعلوه، وغيرُهم من الناس وإن جاز له الفسخ لكنه لا يجب عليه، ويكون سبب وجوبه عليهم أنه قال أولًا:«من شاء منكم جعلها عمرة» وندَبَهم إلى ذلك، فرأى أناسًا قد كرهوا ذلك، وامتعضوا
(5)
منه واستهجنوه؛ لأنهم
(6)
لم يكونوا يعهدون الحلَّ قبل عرفة في أشهر الحج، فعزم عليهم الأمر حسمًا لمادة الشيطان، وإزالةً لهذه الشبهة، كما أمرهم أولًا بالفطر في السفر
(7)
أمرَ رخصةٍ، ثم لما دَنَوا من العدو أمرهم به
(1)
مثل أبي يعلى في «التعليقة» (1/ 222).
(2)
س: «سائق» .
(3)
«لهم» ساقطة من ق.
(4)
في المطبوع: «وتغيظ» .
(5)
ق: «وامتنعوا» . وفي المطبوع: «وامعضوا» .
(6)
س: «لأنه» .
(7)
ق: «بالسفر» .
أمرَ عزيمةٍ
(1)
، وكما أمرهم بالإحلال في عمرة الحديبية أمرَ عزيمةٍ لما رآهم قد كرهوا الصلح، ومعلوم أنه لو لم يصالحهم، ومضى على
(2)
عمرته لكان جائزًا.
على أن بلالًا لم يبيِّن مَن يعود الضمير إليه في قوله: «لنا» ، فيجوز أن يعود الضمير إلى ذلك الوفد كما تقدم، ويجوز أن يكون بلال
(3)
ممن لم يَسُقِ الهدي، فقال: هو
(4)
لنا مَن لا هديَ معه خاصة أم
(5)
للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة.
وأما قولهم: فهلّا وجب الفسخ على كل حاج، وصار كل من طاف بالبيت حلالًا، سواء قصد التحلل أو لم يقصد، كما يروى عن ابن عباس
(6)
، وامتنع الإفراد والقران لكونهما مفسوخين
(7)
.
قلنا: لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده حَجُّوا مفرِدين وقارنين كما تقدم ذكره عن أبي بكر وعمر وعثمان
(8)
وابن الزبير وغيرهم. فعُلِم أنهم لم يفهموا وجوب التمتع مطلقا.
(1)
أخرجه مسلم (1120) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
في المطبوع: «في» .
(3)
في المطبوع: «بلالًا» خطأ.
(4)
«هو» ليست في ق.
(5)
«أم» ليست في ق.
(6)
أخرجه مسلم (1244).
(7)
ق: «منسوخين» .
(8)
«وقارنين
…
وعثمان» ساقطة من ق.
[ق 211] وأما ما ذكر عن أبي ذر وغيره من الصحابة في أنهم كانوا مخصوصين بالمتعة، فقد عارض ذلك أبو موسى
(1)
، وابن عباس، وبنو هاشم، وهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم الناس
(2)
بسنته، وقول المكيين من الفقهاء وهم أعلم أهل الأمصار كانوا بالمناسك. قال مجاهد: قدم علينا ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما متمتعين، قال
(3)
: وقال لي مجاهد: لو خرجتَ من بلدك الذي تحج منه أربعين عامًا ما
(4)
قدِمتَ إلا متمتعًا. هو أحدثُ عهدٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فارق الناس عليه
(5)
. ولا ينبغي أن يُرغَب عما ثبت عن أهل البيت رضوان الله عليهم لاتباع بعض أهل الأهواء لهم في ذلك.
قال سلمة بن شَبِيب
(6)
: قلت لأحمد: قويتْ قلوبُ الروافض حين أفتيتَ أهل خراسان بمتعة الحج، فقال: يا سلمة! قد
(7)
كنتَ تُوصَف بالحُمق، فكنت أدفع عنك، وأراك كما قالوا.
وقال ابن بطَّة
(8)
: سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم
(1)
س: «ابو سي» .
(2)
«الناس» ليست في ق.
(3)
أي الراوي عن مجاهد، وهو عمر بن ذر.
(4)
«ما» سقطت من ق.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في «الأمالي في آثار الصحابة» (144) ــ واللفظ له ــ، وابن حزم في «حجة الوداع» (ص 570) عن عمر بن ذرّ الهَمْداني عن مجاهد.
(6)
كما في «التعليقة» (1/ 240، 241).
(7)
«قد» ليست في س.
(8)
كما في «التعليقة» (1/ 246) و «طبقات الحنابلة» (1/ 168).
الحربي يقول وسئل عن فسخ الحج فقال: قال سلمة بن شَبيب لأحمد: كل شيء منك حسنٌ غير خُلَّة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، قال أحمد: كنتُ أرى لك عقلًا، عندي
(1)
ثمانية عشر حديثا صحاحًا جيادًا
(2)
أتركُها لقولك؟!
وقال أبو الحسن اللُّنْبَاني
(3)
: سمعت إبراهيم الحربي، وذُكِر له أحمد رحمه الله فقال: ما رأيتُ مثله
(4)
، ما رأيتُ أنا أحدًا
(5)
أشدَّ اتباعًا للحديث والآثار منه، لم يكن يزايله
(6)
عقل. ثم قال: جاء سلمة بن شَبيب إلى أحمد يومًا فقال: يا أبا عبد الله، تفتي بحج وعمرة؟ فقال أحمد: ما ظننتُ أنك أحمق إلّا
(7)
اليوم، ثمانية عشر حديثًا أروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أفتي به، فلِمَ كتبتُ الحديث؟! قال: وما رأيت أحمد رحمه الله قطُّ إلا وهو يفتي به.
وأما نهي عمر وعثمان وغيرهما عن المتعة، وحَمْل ذلك على الفسخ
(1)
س: «عند» .
(2)
«جيادًا» ليست في س و «التعليقة» .
(3)
في المطبوع: «اللباني» ، تحريف. وترجمته في «سير أعلام النبلاء» (15/ 311). ولُنْبان قرية بأصفهان، كما في «معجم البلدان» (5/ 23) و «تبصير المنتبه» (3/ 1233، 1234).
(4)
«ما رأيت مثله» ساقطة من المطبوع.
(5)
«أحدًا» ليست في س.
(6)
في المطبوع: «يزاله» .
(7)
س: «إلى» .
أو على كونها مرجوحة، فاعلم أن عمر وعثمان رضي الله عنهما وغيرهما نَهَوا عن العمرة في أشهر الحج مع الحج
(1)
مطلقًا، وأن نهيهم له موضع غير الذي ذكرناه.
أما الأول فهو بيِّن في الأحاديث، قال عمران بن حصين:«جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنها حتى مات، ولم ينزل قرآن يحرِّمها، قال رجل برأيه ما شاء» . رواه مسلم وغيره، وفي لفظ: «تمتَّعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحم الله عمر، إنما ذاك
(2)
رأي»، وقد تقدم هذا الحديث. فبيَّن أن المتعة التي نهى عنها عمر، أن يجمع الرجل بين حجة وعمرة، سواء جمع بينها بإحرام واحد، أو أحرم بالعمرة، وفرغ منها ثم أحرم بالحج.
وكذلك عثمان لما نهى عن المتعة فأهلَّ عليٌّ بهما، فقال: تسمعني أنهى الناس عن المتعة وأنت تفعلها؟ فقال: لم أكن لِأدعَ سنة
(3)
رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد.
وفي حديث آخر عنه، أنه أمر أصحابه أن يهلّوا بالعمرة لما بلغه نهي عثمان.
وعن السائب بن يزيد أنه استأذن عثمان بن عفّان في العمرة في شوال، فأبى أن يأذن له. رواه سعيد
(4)
.
(1)
«مع الحج» ليست في ق.
(2)
ق: «ذلك» .
(3)
«سنة» ليست في ق.
(4)
وعلّقه ابن حزم في «المحلَّى» (7/ 67) عن الدراوردي بإسناده إلى السائب.
وعن نُبيَه بن وهب أن عثمان سمع رجلًا يهلُّ بعمرة وحج فقال: عليَّ بالمهلّ، فضربه وحلقه. قال
(1)
نبيه: فما نبت
(2)
في رأسه شعرة
(3)
.
وقال نُبَيه: إن عمر بن الخطاب قال: إن الناس يتمتعون بالعمرة مع الحج، ثم أمر يَرْفَأ
(4)
فأذَّن في الناس: إن الصلاة جامعة. فحمد الله عز وجل، وأثنى عليه، ثم قال: أقد ملِلتم الحج دَفَرَه؟ أقد ملِلتم شَعَثَه؟ أقد ملِلتم وَسَخَه؟! والله لئن ملِلتم ليأتينّ الله عز وجل بقوم لا يملُّونه ولا يستعجلونه قبل محلّه، والله لو أذنّا لكم في هذا لأخذتم بخلاخِيلهنَّ في الأراك ــ يريد أراك عرفة ــ ثم رجعتم مهلّين بالحج
(5)
.
وأما الثاني فقد صح عن عمر وعثمان وغيرهما المتعة قولًا وفعلًا؛ فهذا عمر يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل المتعة هو وأصحابه، ويقول للصُّبَي بن مَعبد لما أهلّ بهما
(6)
جميعًا: هُدِيتَ سنةَ نبيك. ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
(1)
«نبيه
…
قال» ساقطة من ق.
(2)
ق: «نبتت» .
(3)
أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» وعنه ابن حزم في «المحلَّى» (7/ 107)، وهو منقطع، فإن نبيه بن وهب لم يُدرك عثمان.
(4)
س: «نوفا» تحريف. ويرفأ حاجب عمر، أدرك الجاهلية، وحج مع عمر في خلافة أبي بكر، وله ذكرٌ في «الصحيحين» . انظر «الإصابة» (11/ 462).
(5)
لم أقف عليه، ورواية نبيه عن عمر منقطعة. ولكن يشهد له ما أخرجه ابن حزم في «حجة الوداع» (ص 576) من وجه آخر عن الأسود بن يزيد عن عمر بنحوه، وإسناده لا بأس به. وقد صحّ عن عمر بنحوه مختصرًا من رواية أبي موسى الأشعري عنه. أخرجه مسلم (1222)، وقد سبق (ص 314).
(6)
«بهما» ساقطة من المطبوع.
قال: «أتاني الليلة
(1)
آتٍ من ربي في هذا الوادي
(2)
، فقال: قلْ عمرة في حجة»
(3)
.
وعن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذا الذي تزعمون أنه نهى عن المتعة ــ يعني عمر ــ سمعته يقول: لو اعتمرتُ ثم
(4)
حججتُ لتمتّعتُ
(5)
.
وقال له أُبي بن كعب وأبو موسى الأشعري: ألا تبيِّن للناس أمر متعتهم هذه؟ فقال: وهل بقي أحدٌ لا يعلمها؟
(6)
.
وقال ابن عباس: وما تمَّتْ حجة رجل قطُّ إلا بمتعة، إلا رجل اعتمر في وسط السنة
(7)
. وفي رواية عن ابن عباس عن عمر
(8)
قال: «لو حججتُ مرةً
(1)
«الليلة» ساقطة من ق.
(2)
بعدها في س: «المبارك» . وأشير في هامشها إلى حذفها.
(3)
سبق تخريج الحديثين.
(4)
س: «في» .
(5)
أخرجه ابن حزم في «حجة الوداع» (ص 572) بإسناد حسن عن طاوس به.
(6)
أخرجه ابن حزم في «حجة الوداع» (ص 569 - 570) عن طاوس مُرسلًا، ولفظه:«وهل بقي أحد إلا قد عَمِلها؟ أما أنا فأفعلها» . كذا في المطبوع: «عَمِلها» ، ولعل الصواب:«علمها» .
(7)
أخرج ابن حزم طرفًا منه في «حجة الوداع» (ص 572) من طريق عبد الرزاق بإسناد حسن. وذكره بتمامه معلّقًا في «المحلَّى» (7/ 101).
(8)
ق: «عن ابن عمر» .
واحدة ثم حججتُ
(1)
لم أحجَّ إلا بمتعةٍ». رواهما سعيد
(2)
. وفي لفظ لأبي عبيد
(3)
: «لو اعتمرتُ ثم اعتمرتُ
(4)
، ثم حججتُ لتمتعتُ».
ورواه أبو حفص
(5)
عن طاوس أن عمر قال: لو اعتمرتُ وسط السنة لتمتَّعتُ، ولو حججتُ خمسين حجة لتمتَّعتُ.
وروى الأثرم
(6)
عن عمر نحو الحديث الأول، فقال عمر: وهل بقي أحد إلا علمها؟ أما أنا فأفعلها.
وعن نافع بن جبير عن أبيه قال: ما حجّ عمر قطُّ حتى توفّاه الله تعالى إلا تمتَّع
(7)
فيها
(8)
.
وإنما وجهُ ما فعلوه أن عمر [ق 212] رأى الناس قد أخذوا بالمتعة، فلم يكونوا يزورون
(9)
الكعبة إلا مرة في السنة في أشهر الحج، ويجعلون تلك
(1)
بعده في ق: «لتمتعت» ، والعبارة صحيحة بدونها.
(2)
ليس في المطبوع من «سننه» ، ولم أقف عليه عند غيره.
(3)
في «الناسخ والمنسوخ» (346) بإسناد صحيح عن طاوس به. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (13881) وابن حزم في «حجة الوداع» (ص 571 - 572).
(4)
«ثم اعتمرت» ساقطة من المطبوع.
(5)
عزاه إليه أبو يعلى في «التعليقة» (1/ 232) وتحرّف في مطبوعتها إلى «أبو جعفر العكبري» ، وإنما هو عمر بن إبراهيم أبو حفص العُكبَري (ت 387). وقد أخرجه ابن حزم في «حجة الوداع» (ص 570) بإسناد صحيح عن طاوس:«أن ابن عمر قال» بدل «عمر
…
»، ولعله تحريف.
(6)
ذكره القاضي أبو يعلى في «التعليقة» (1/ 236).
(7)
س: «متمتع» .
(8)
ذكره القاضي أبو يعلى في «التعليقة» (1/ 236) وعزاه إلى الأثرم.
(9)
ق: «يرون» .
السفرة للحج والعمرة، فكره أن يبقى البيت مهجورًا عامةَ السنة، وأحبّ أن يعتمر في سائر شهور السنة ليبقى البيت معمورًا مَزْورًا كلَّ وقت بعمرة مفردة
(1)
يُنْشَأُ لها سفرٌ مفرد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، حيث اعتمر قبل الحجة ثلاث عُمَرٍ مفرداتٍ.
وعَلِم أن أتمَّ الحج والعمرة أن ينشِئ لهما سفرًا من الوطن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرَ لتحصيل هذا الفضل والكمال لرغبته طريقًا إلا أن ينهاهم عن الاعتمار مع الحج وإن كان جائزًا، فقد ينهى السلطان بعض رعيته عن أشياء من المباحات والمستحبات لتحصيل ما هو أفضل منها من غير أن يصير الحلال حرامًا.
قال يوسف بن ماهَك: إنما نهى عمر رضي الله عنه عن متعة الحج من أجل أهل البلد؛ ليكون موسمين في عام، فيصيب أهل مكة من منفعتهما.
وقال عروة بن الزبير: إنما كره عمر العمرة في أشهر الحج إرادةَ أن لا يُعطَّل البيت في غير أشهر الحج. رواهما سعيد
(2)
.
وأيضًا فخاف إذا تمتعوا بالعمرة إلى الحج أن يبقَوا حلالًا حتى يقفوا بعرفة مُحِلِّين، ثم يرجعوا مُحرِمين، كما بيَّن ذلك في حديث أبي موسى وغيره حيث قال:«كرهتُ أن يظلُّوا مُعرِسين بهن في الأراك ــ يعني أراك عرفة ــ ثم يروحون في الحج تَقطُر رؤوسهم»
(3)
.
(1)
«مفردة» ساقطة من المطبوع.
(2)
ورواهما أيضًا أبو عُبيد في «الناسخ والمنسوخ» (345، 344) ولاءً. وكلاهما مُرسل، إذ يوسف وعُروة لم يُدركا عمر، ولكن يشهد لهما آثار أخرى.
(3)
سبق تخريجه (ص 314).